رمضان شهر القربى والعطاء..وفيضان الرحمة وموسم الغفران
في كل عام،يحل علينا ضيف كريم تتوق إليه القلوب وتشتاق له الأرواح،شهر الخير والبركات، شهر تتضاعف فيه الحسنات وتُرفع الدرجات.إنه شهر رمضان المبارك،ذلك الشهر الذي جعله الله سبحانه وتعالى موسماً للتقرب إليه ونيل رضاه، وفيه تتنزل الرحمات وتُستجاب الدعوات.إنه ليس مجرد شهر للصيام عن الطعام والشراب،بل هو محطة إيمانية عظيمة لإعادة شحن القلوب بالإيمان،وشهر للعطاء والبذل،تفيض فيه نفوس المؤمنين جودا وكرما اقتداء بالنبي الكريم.
يجسد رمضان أسمى معاني القرب من الله تعالى، فهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس،وفيه ليلة خير من ألف شهر.وقد أشار الله سبحانه إلى هذه القربى في آية جمعت بين الصيام والدعاء والقرب الإلهي،فقال عز من قائل: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ" (البقرة: 186).هذه القربى تتحقق بالطاعة والعبادة،بالصلاة والقيام وتلاوة القرآن،وبالإمساك عن الشهوات طلبا لمرضاة الله.
وفي الحديث القدسي يخبرنا رب العزة: "كلُّ عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" (متفق عليه).وهذا دليل على المكانة الفريدة للصيام كوسيلة عظيمة للتقرب إلى المولى الكريم. فالصيام ليس مجرد امتناع عن المفطرات،بل هو تهذيب للنفس،وتزكية للروح،وتدريب على الصبر، وتحقيق لتقوى الله كما قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة: 183).
وإذا كان الصوم يجسد الامتناع والبذل المعنوي، فإن الصدقة تجسد البذل المادي والعطاء الذي يزكي النفس وينقيها.وقد حث الإسلام على الصدقة بشكل عام،لكنها في رمضان تأخذ منزلة خاصة وأجرا مضاعفا.وكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير،وكان أجود ما يكون في رمضان،حتى شبهه الصحابة بالريح المرسلة في سرعة عطائه وعمومه.
وإن الصدقة في هذا الشهر الفضيل ليست مجرد إطعام لجائع أو كسوة لمحتاج،بل هي استثمار في الآخرة،وسبب لمضاعفة الأضعاف الكثيرة من الحسنات.يقول الله تعالى في كتابه العظيم: "مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" (البقرة: 261).هذا التشبيه القرآني يصور لنا عظمة الأجر وكثرة البركة التي تعود على المتصدق،فالحسنة الواحدة تتضاعف إلى سبعمائة ضعف،وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
إن الجمع بين الصيام والصدقة في رمضان يخلق حالة إيمانية فريدة،فالصيام يذكر الإنسان بجوع الفقراء وحاجتهم،فيدفعه ذلك إلى العطاء ومواساتهم.وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن فضل هذا العمل بقوله: "ورجلٌ تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينهُ" (متفق عليه).وهذه الصدقة السرية لها وقع خاص في نفس المتصدق،فهي خالصة لوجه الله بعيدة عن أعين الناس،أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء.وهي أيضا فيها حفظ لكرامة الفقير وصون لمشاعره،مما يجعل أجرها أعظم عند الله.
وقد كان السلف الصالح يتسابقون في إخفاء صدقاتهم،فمنهم من كان يضع الصدقة في يد الأعمى،ومنهم من يعلقها في ثياب الفقير دون أن يشعر، ومنهم من يتفقد المحتاجين في ظلمة الليل.كل ذلك ابتغاء وجه الله وخوفا من أن تشوبه شائبة الرياء.
والصدقة في هذا الشهر المبارك لها صور متعددة وأبواب واسعة، منها:
إفطار الصائمين: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من فطَّر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء" (رواه الترمذي). وهذا من أعظم القربات،خاصة إذا كان الصائم محتاجا أو مسافرا.
كفالة الأيتام: ففي رعاية اليتيم أجر عظيم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" وأشار بالسبابة والوسطى (رواه البخاري).
-التبرع للمحتاجين: سواء كان بالمال أو الطعام أو الكساء أو الدواء،فكل ذلك داخل في باب الصدقة.
الصدقة الجارية: التي يستمر أجرها بعد موت الإنسان،كبناء مسجد،أو حفر بئر،أو نشر علم نافع، أو طباعة مصاحف،أو غرس شجرة ينتفع بها الناس.
-التفطير الجماعي: وهو ما نراه اليوم من موائد الرحمن التي تمتد في الشوارع والساحات،لتجمع الصائمين على مائدة واحدة،فتزيد الألفة والمحبة بين المسلمين.
وكل عمل فيه نفع للغير وإدخال للسرور على مسلم هو صدقة.فتبسمك في وجه أخيك صدقة، وكف الأذى عن الناس صدقة،وإماطة الأذى عن الطريق صدقة،والدلالة على الخير صدقة.
ومن أسمى صور العطاء ما كان خالصاً لوجه الله، متجردا من المن والأذى،لأن الله تعالى يقول: "الَّذِينَ يُنفقونَ أَمْوَالهمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" (البقرة: 262).
فالصدقة المقبولة هي التي تخلو من المنة على الفقير، ومن الأذى له بالقول أو الفعل. فالمنة تبطل الصدقة،والأذى يذهب أجرها،والرياء يحبط عملها. ولذلك كان السلف الصالح يحرصون على أن تكون صدقاتهم خالصة لوجه الله، بعيدة عن أعين الناس، طلباً للأجر العظيم من الله.
ومما يزيد من فضل الصدقة في رمضان أن هذا الشهر هو موسم العتق من النار ومغفرة الذنوب. فإذا اجتمع للمسلم صيام النهار وقيام الليل مع بذل المال وإطعام الطعام،كان ذلك سبباً عظيما لنيل رحمة الله ورضوانه.إنها فرصة لا تعوض لمن أراد أن يطهر ماله،ويزكي نفسه،ويرفع درجته في الجنة.
في ختام هذا الحديث عن فيوضات الشهر الكريم، لا يسعنا إلا أن نستشعر عظمة النعمة التي أنعم الله بها علينا ببلوغ هذا الشهر الفضيل.فما أجمل أن نودعه وقد ترك في قلوبنا أثراً طيبا،وفي موازيننا أعمالا صالحة تثقلها،وفي علاقتنا مع الله قربى وودا.
إن من أعظم ثمرات رمضان أن نخرج منه وقد تعلمنا درس العطاء،وذقنا حلاوة البذل،وتذوقنا لذة القرب من الله.فالصيام يعلمنا الصبر،والصدقة تعلمنا الكرم،والقيام يعلمنا الخشوع، والقرآن يعلمنا التدبر.
اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا، واجعلنا من عتقائك من النار في هذا الشهر المبارك،وأعنا فيه على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك،واجعل ما نقدمه من صدقات ذخرا لنا عندك يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه،واجعلنا من الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاتك وتثبيتا من أنفسهم،واجعلنا من الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما.
اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم،وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،والحمد لله رب العالمين.
إنه ولي ذلك والقادر عليه،وحسبنا الله ونعم الوكيل.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق