على هامش-عيد الحب-
جمر الهوى تحت الأقدام : قراءة في قصيدة " هذا الهوى يطربني" للشاعر التونسي الكبير طاهر مشي
في ليالي الشتاء الباردة،حيث يتسلل الشتات إلى الروح وتخفت أصوات العالم،يطل عيد الحب حاملا معه دفء الذكريات وألم الغياب.وكأن الحب في جوهره الأسمى ليس مجرد لقاء يجمع، بل ذكرى تعانق الروح وتستوطن الشريان،فلا تغيب وإن غاب الجسد،ولا تموت وإن طال الانتظار.
هنا،في هذه القصيدة التي تنساب كنجوى الليل، يسكننا شاعر تونسي أصيل،يأخذنا في رحلة وجدانية مع هوى لا تسكنه الكراهية،بل يسكنه الخفقان والحرف والخجل.إنه يعزف على أوتار الذاكرة،حيث تسكنه أسئلة لا تنتهي،ونجوى لا تموت.يرتحل في أقصى المسافات ليلقى من يهوى،في حوار شفيف بين النبض والأفلاك،بين الهمس في الأسحار والجمر تحت الأقدام.إنها لوعة المشتاق الذي جثم الحب على جرحه،فصار نبضه في تيه،ودمعه في هوى،والأحلام كلها لا تهدأ حتى تلملم شتاته بلقيا من سبى قلبه بلا إدراك.
إليكم هذه القصيدة الصادقة،حيث يتحول الحب إلى نغما لا يطرب فقط،بل يُحيي ويميت،ويُسعد ويُعذّب في آن واحد.
هذا الهوى..يطربني
يا من هوى الذكرى متى ذكراك؟
فالليل قد ناحت به نجواك
والهمس بالأسحار يغمرني
والنبض في الشريان كالأفلاك
خوفي من الأشواق تهجرني
يا روعة الخلاق ما أبهاك
فالحرف يسحرني لما الخجل
يسعى ونبضي ما عساه رجاك
ضني أنا والليل يلحفني
رحال أسعى في مدى أقصاك
حتى أبوح الحب من وصبي
أمشي على جمر الهوى لأراك
من بهجتي قد بحت موعظة
نذرا بها الأشواق في دنياك
فأتت على زرعي تداعبه
في نبرة المشتاق..ما أقساك
تمضي بنا الذكرى بلا سبب
يا نتفة في القلب ذا سكناك
عشت الهوى نغما ليطربني
يا صحوة المشتاق ما أضناك
جثمت على جرحي فذا عتب
والنبض في تيه كذا إنهاك
فسكبت دمعي في هوى وَجوى
وسكنتها الأحلام كي ألقاك
هذا الهوى تمضي به الأفلاك
يا من سبى قلبي بلا إدراك
هكذا يرسم الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي لوحة وجدانية بديعة،تفيض شوقا وحنينا،وتجسد صراع الإنسان مع ذاكرة لا تبارحه،وحب لا يعترف بالغياب.في كل كلمة هنا،تتراءى لنا صورة ذلك العاشق المتصوف،الذي يمشي على جمر الهوى ليصل إلى من يهوى،فيصبح الجمر وردا،والألم نشوة،والبعاد لقاء في عالم الروح.
إنها رسالة حب خالدة،تقول إن الحب ليس مجرد لحظة تمر،بل هو حالة وجودية تسكننا،تعذبنا وتطربنا،تلهب الشوق فينا ثم تمسح على جراحنا بنغم.فلنعش هذا العيد بقلوب نقية كقلب الشاعر، خالية من الكراهية،عامرة بالحرف الجميل والذكرى العطرة،عسى أن نلتقي يوما بمن نُحب، في دنيا يسكنها الهوى بلا ضنى.
وإذا كان الحب بهذه القداسة وهذا الجلال،فإنه يعلّمنا أن أجمل ما في العشق ليس اللقاء وحده، بل الرحلة نحوه بكل ما تحمله من وجد وانتظار. فالروح حين تحب لا تعرف المستحيل،ولا تقف عند حدود الجسد أو مسافات المكان،إنها تسافر عبر الزمن،تخترق الغياب،وتبقى معلّقة بضوء الحبيب كالفراشة التي لا تعرف إلا اللهب.وفي هذا العيد،حيث تتعانق الأرواح قبل الأجساد،ندرك أن الحب الحقيقي هو ذلك النبض الخفي الذي يوقظ فينا الإنسان،يعلّمنا العطاء بلا مقابل،والحنين بلا ألم،والانتظار بلا يأس.فلتكن قلوبنا في هذا اليوم مرايا صافية تعكس أصدق ما فينا،ولنجعل من كل لحظة عشق نبضا جديدا يضيء دروبنا،ويذكّرنا أننا ما زلنا قادرين على الحب رغم كل جراح البعد ومرارات الفراق.
فيا أيها العيد،كن رسولا للمشتاقين،وحاملا لأمنيات العاشقين،وهمسا خفيا يلامس القلوب فيذكرها أن الحب هو النور الذي لا ينطفئ،مهما تعاقبت الليالي وتعددت الأيام.عيد حب يعيدنا إلى أنفسنا،ويعيد إلينا من نحب،ولو كان اللقاء في حلم أو في دعاء أو في قصيدة كتبها شاعر فذّ كالشاعر التونسي الكبير طاهر مشي،فجعل من الحب دينا لا نبرأ منه،وقضية لا نستقيم إلا بها.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق