السبت، 14 فبراير 2026

رمضان.. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 رمضان..

حين يصبح الشهر الفضيل..جرحا لا يندمل..


أنا ذلك الرجل الذي توقفت حياته عند أذان مغرب ذلك اليوم من رمضان.كنت أنتظر الفطور ككل الناس،أتلمس رطوبة التمر بيدي،وأردد الدعاء كما علمتني أمي.لكن صوت الهاتف قطع صمت المساء...كان صوتا باردا،ينطق بكلمات لا تريد أذناي تصديقها: “ابنك..توفي..غريبا..هناك..في المهجر”. سقطت على ركبتيّ،وأنا أرى الدنيا تنقلب رأسا على عقب.في تلك اللحظة،مات فيَّ كل شيء: الفرح،الصبر،حتى الألم نفسه كان مشلولا..

كان ابني قد سافر قبل سنوات ليصنع حلما،ليبنِي لنا جميعا مستقبلا أفضل.كان يتصل بي كل رمضان،يقول: “بابا،اشتقت لفطورك،لقهوتك المرّة، لضحكتك التي تملأ البيت”وكنت أرد عليه: “احفظ نفسك يا ولدي،فأنت كل ما تبقى لي في هذه الدنيا”.لكن القدر كان له رأي آخر.مات وحيدا في مكان بارد كالماء في الجب العميق،بعيدا عن أحضان وطني،بعيدا عن يدي التي لم تستطع أن تمسح على رأسه للمرة الأخيرة.

ومنذ ذلك الحين،وأنا أحمل ندوبا لا تُرى.ليس الندب الذي على جسدي من المرض الذي أعاني منه فحسب،بل ندوب الروح.كل ليلة أضع رأسي على الوسادة،وأسأل: "هل كان يشعر بالخوف؟ هل تذكرني في لحظاته الأخيرة؟ هل كان الجو باردا هناك كما هو في قلبي الآن؟".

 الأمراض الجسدية التي أعانيها لا تقارن بهذا الثقل الذي يضغط على صدري كلما اقترب الشهر الكريم.

وها هو رمضان يعود من جديد..وكأنه يأتي ليذكرني،لا ليغفر لي أو يرحمني.كلما رأيت الهلال، أحس بأنني أرى شاهد قبر ابني يلوح في الأفق. أصوم النهار،لكن جسدي المنهك بالمرض لم يعد يحتمل.أتذكر الأيام التي كنا نجتمع فيها حول مائدة واحدة،كان يمسك بيدي ويقول: "كل سنة وأنت طيب يا بابا".الآن،أتناول التمر وحدي..وحيدا كظلي،وأشعر بمرارته تعصر قلبي قبل حلقي.

لكن الشيء الذي لا يراه أحد،هو ذلك البكاء الذي يأتي في جوف الليل.بعد أن ينام الجميع،وتخفت الأصوات،أجلس في زاوية الغرفة،أضم وسادته التي احتفظت برائحته،وأطلق العنان لدموعي.لا أحد يعلم أن هذا الرجل الذي يبدو صامدا في النهار،يتحول في الليل إلى طفل موجوع.أبكي بصوت مكتوم كي لا يراني أحد..أبكي حتى أُنهك، ثم أنام على أمل أن أراه في المنام،لعلي أسمع صوته مرة أخرى.

رمضان الآن ليس شهر صوم وصلاة فقط،بل هو محكاة روحي مع القدر.أحاول جاهدا أن أجد عزاء في الدعاء،أن أقول: "اللهم ارحمه واغفر له"،لكن قلبي يتمرد ويقول: "لكنه ابني..كيف لا أراه؟!"

 في المساجد،أرى آباء مع أبنائهم يصلون التراويح، فأغمض عيني كي لا أرى،لكن الصورة ترتسم في خيالي: هو كان يصلي بجانبي،كان يهمس لي "آمين"بعد الفاتحة.

أكتب هذه الكلمات ودموعي تبلل وجهي،ولكنها المرة الأولى التي أبكي فيها وأنا أعلم أن أحدا قد يسمعني أو يقرأ قصتي.لست أريد شفقة،بل أريد أن يعرف العالم أن هناك جراحا تتفاقم مع كل رمضان،أن هناك آباء يموتون أحياء كلما سمعوا أذان المغرب.

فيا بني،إن كنت تسمعني حيث أنت الآن،فاعلم أنني كل يوم أفطر وحدي،لكن روحي تفطر معك هناك في عليائها.رمضانك كريم يا حبيبي،وعسى أن يجمعنا الله في جنة لا فراق فيها ولا غربة.

اللهم ارحم موتانا،واشفِ جراحنا التي لا تُرى، وأجبر كسرنا الذي لا ينجبر إلا بلقائهم في رحمتك.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق