قصة قصيرة بقلم الكاتبة
لين هاجر الأشعل
- اليومُ الأوّل -
إستقبلناه بحفاوة ، أطلق السلام بالألمانية و ردّ أفراد أسرتي عليه السلام بالعربية إذ لا أحد يحذق لغته عداني. أخذو ا يحادثونه و كل مرة يردّ بالألمانية و أنا أقوم بدور المترجم. شربنا القهوة التي جهزتها والدتي بعناية خاصة، كان يتذوق نكهة يزعم أنه سمع عنها الكثير(قطرات زهر النارنج التي تتخلّل مذاق القهوة)..
اثر استراحة قصيرة من تعب السفر، اصطحبته إلى المدينة العتيقة ،جُبناها بطولها و بعرضها...و هنا كانت المفاجأة؛ هو ابن البلد و أنا الغريب عن مدينتي...فسّحٓني في شوارعها و محطاتها الثقافية العالمية -مكتبات، مساجد، متاحف...- وشرح لي نمطها المعماري، خِلتُني أنا السائح و هو المرشد السياحي ..
بعد الظهر دعوت ضيفي على الغداء بأحد المطاعم التي تقدّم للزبائن عرضا موسيقيا أثناء تناولهم الطعام، أساسه وصلات من المالوف و الأندلسيات...أما أنا فكنت أرنو الى معرفة المزيد عن اختصاصه الجامعي، نويت تجاذب أطراف الحديث معه بالعربية.. وكمدخل للحوار سألته إن كان يرغب في التحدث بالعربية؟ فكانت صدمتي لما أعرب عن جهله باللغة العربية، و أردف قائلا:
-أنا أدرس الحضارة العربية و لسيّما الإسلامية و أقوم ببحث محوره "المعجزة العربية" و مدى انتشارها و توسع أدبها العريض...
-كل هذا التعمق في حضارتنا و أنت لا تحذق لغتنا يا "مارك "؟ !!
إن لغتنا العربية ذات ثراء عزّ نظيره في معظم لغات الدنيا..
قاطعني الألماني بقوله:
- أجل انا على يقين بذلك، لكن في ربوعنا ندرس كل العلوم بلغتنا لإثرائها حتى الأدب العربي ندرسه بالألمانية لإثراء فكر طلاّبنا و شبابنا و ليس العكس..هدفنا النهوض بلغتنا و ليس اثراء اللغات الأخرى و لا تعبئة الفكر الأجنبي بل فكرنا. حينها علمت أن هنا مربط الفرس في تقهقرنا، فتصريحاته فتّحت عيني على واحد من أسبابِ ما تعانيه اللغة العربية من اغتراب في بلداننا.
تمّ الغداء و ضيفي لا زال يحاضرني.. حتى الموسيقى التي استمتع بها و هو يتلذّذ أكلات بلدي الأصيلة لم تسلم من كلامه عنها فقد قام بمحاضرة طويلة و شاملة عن أصول المالوف العربي و الأندلسي و نحن بصدد شرب الشاي" المُنٓعْنع".(بالنّعناع)
غادرنا المطعم يحدونا شعوران مختلفان هو السعيد بتنوير فكره بالحضارة العربية و انا التعيس المسلوب من حضارتي و لغتي و أصالتي العربية ..
واصلنا التّجوال عبر أزقة الأسواق العتيقة والألماني لم ينتٓهِ بعد من تزويدي بمعلومات تاريخية عن بلدي بلغة بلاده..
كنت أتسال في خلدي " الله عزّ و جلّ كرّم اللغة العربية بالقرٱن لتتواصل بها الأمة من المحيط الى الخليج..و لتوحّد حدودها
فلِما نحن العرب لا نعطيها مقدار عظمتها؟ بل نتباهى بالرّطانة بلغة الأعاجم!؟
لين هاجر الأشعل

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق