السبت، 10 يناير 2026

قراءة نقدية: "الديوان الشعري بين الهروب من الذات والعودة اليها" الديوان "وأعبر مني اليّ" الشاعرة : ريم القمري (تونس) الناقدة :جليلة المازني (تونس)

 قراءة نقدية: "الديوان الشعري بين الهروب من الذات والعودة اليها"

الديوان "وأعبر مني اليّ"

الشاعرة : ريم القمري (تونس)

الناقدة :جليلة المازني (تونس)


التصميم الفني: حسام القرواشي.(تونس)


الفنان التشكيلي :عبد الرزاق عكاشة (مصر)


قراءة اللوحة التشكيلية بالغلاف: الفنانة التشكيلية :سعيدة بركاتي (تونس)


1 - التقديم المادي:


- الجنس الادبي: شعر.


- الطبعة الاولى 2024- تونس.


- دار النشر: دار افريقية للنشر تونس.


لقد تضمنت المجموعة الشعرية "وأعبر مني اليّ" للشاعرة التونسية ريم القمري مائة قصيدة مختلفة الطول وقد امتدت  تقريبا على مائة و اثنتين وسبعين صفحة .


2- في قراءة للوحة التشكيلية بالغلاف:


لقد استعنت بالفنانة التشكيلية التونسية سعيدة بركاتي على قراءة لوحة الغلاف للفنان التشكيلي المصري عبد الرزاق عكاشة :


تأملات في لوحة غلاف المجموعة الشعرية " و أعبر مني اليّ "  للشاعرة ريم الڨمري:


حين يرسم الفنان بهذه الطريقة ، فهو يطلق العنان للريشة و الألوان و ما ستنتجه من رسمة أخيرة ، فن قريب من التنقيط للذي يحتاج إلى تركيز حتى ينتهي الموضوع أو ينهي الموضوع نفسه ، و من نظرة أخرى لوحة قريبة من تقنية " النفخ " على الألوان بعد وضعها كنقاط على المحمل . و لكن لعبت الريشة دورها في توزيع الألوان حتى أنتجت هذا المشهد.


 لوحة ربما بألوان مائية فالواضح انها ليست زيتية.


خلفية بنّية فاتحة : انطلق الرسام من لون الأرض و الطين


موضوع اللوحة :


النظرة الاولى شبيهة بالظل على وجه الأرض أو جدار ، كأنه شخص يتابع أو يجري وراء شخص آخر و يحاول الإمساك به.


بالتدرج في قراءة اللوحة انطلاقا من الأعلى : تجانس و تشابه كبير في المشهد و كأنك مع نفس " الرأس لهذا الشخص " مع نفس اللون تقريبا ، نفس الكتف و نفس الحركة في الأسفل


الغياب الكلي للملامح لكن ليس بالصعب التمييز إن كان ذكرا أو أنثى ، ملامح للشعر الطويل و الجسم قريب من أنثى أكثر منه للذكر.


و مزيدا من التأمل الحالة في سباق ، و النقاط الزرقاء وراء الظهر و قريبة من اليد كأنها    باقة زهر مخفية لتكون مفاجأة تُهدى.


المشهد العام للوحة و علاقته بعنوان المجموعة الشعرية: " و أعبر مني إلي " : هي رحلة بحث داخلية عن ذات شبه ضائعة من ذاتها ، تلاحقها في غمرة من الضبابية و التيه فارتباط الصورة بظلها و ملازمته هو تشبث لاسترجاع ما سُلب أو سُرق بمرور الزمن ، رحلة بحث بين سابق و لاحق و كلاهما واحد ، فالعبور إلى الذات هو بحث في الحقيقة أو وقفة تأمل و اللحاق بما تبقى حتى لا يضيع الكل ، لوحة شخوصها ( شخصان)  مجرد أطياف رغم أن هذا الفن يكون صورة أو لوحة ظلية يبرزها النور حين يكون لخلفية الصورة " فن قائم بذاته" ، و الخلفية كما ذكرت أعلاه باهتة و لونها هادئ


الخلاصة : حين تنظر بالتدقيق في اللوحة تشعر بالقيد و الحرية في نفس الوقت  ، المجال للألوان و الحرية للريشة تلعب كما تشاء على المحمل . فهروب ذات من ذاتها ، هو فعلا عبور منها إليها ، و أكيد ما تحتويه المجموعة الشعرية فيه ما يُترجم من الغلاف و لو قليله لحمة جسدين بهذه الألوان:


 - لون أزرق : فترة البحث عن الاهتمام بين الانفصال عن الآخر و البحث عن الهدوء و الاستقرار بين الغامق و الفاتح منه.


- لون بني ممزوج بالرمادي: 


- اللون البني: يثير فينا هذا اللون الحنين إلى الماضي وهو لون الأرض والخشب والصحراء وهو نغمات الأرض بدرجاته اللونية التي تجمع بين ألوانه القاتمة والفاتحة بلون الذهب البراق (حسب موقع سوريا تي. في)


- الرمادي لون الحياد.


-  قليلة هي النقاط السوداء : مما يفسر عدم ضياع الكثير من هذه الذات.


مدرسة اللوحة لا يستطيع المشاهد تحديدها فهي بين  :  التجريدي و التعبيري و الانطباعي


فيتضح مما تقدم أن اللوحة بها العديد من الأسرار و أولها ما حملته من حركة سريعة ، و شخوص في لحمة و كأنه مشهد رقص أراد به الرسام التخلص من تراكمات.


 أبدعت الريشة في اسقاطها على شكل ألوان متناثرة في كل مكان ، لعل شيئا من الصفاء يغطيها ، فهذه " الذات " كتلة من المعاناة تبحث في ذاتها الحقيقية عن راحة برجوعها إلى " الأرض و الطين " إلى الأصل ، و فيها من الحنين الكثير بالألوان التي استعملها الرسام 


هذا ما أوْحَتْ به اللوحة (سعيدة بركاتي)


** التعقيب على قراءة صورة الغلاف للفنانة التشكيلية سعيدة بركاتي:


  لقد أشارت قارئة اللوحة سعيدة بركاتي الى أن الصورة توحي "برحلة بحث داخلية عن ذات شبه ضائعة من ذاتها ، تلاحقها في غمرة من الضبابية و التيه فارتباط الصورة بظلها و ملازمته هو تشبث لاسترجاع ما سُلب أو سُرق بمرور الزمن ، رحلة بحث بين سابق و لاحق و كلاهما واحد."


وأشارت الى أن اللوحة قد جمعت بين ثنائية القيد والحرية.


وفي هذا الاطار لعل هذه الذات تريد أن تتخلص من قيد الماضي لتنتشل ذاتها وتتحرر في الحاضر بالعودة الى ذاتها الحقيقية.


ولعل ما أشارت اليه قارئة الصورة من دلالة الالوان يجعل القارئ متأكدا من تشبث هذه الذات بأصلها والذي رمز اليه الرسام باللون البني, فعودتها الى ذاتها بمثابة عودتها الى أرضها وجذورها.


وكأني بهذه الذات كانت تعيش شيئا من الانبتات لتقنع القارئ بأنها ترفض هذا الانبتات في علاقتها بالآخر وتبحث عن التجذر في عودتها الى الذات.


3- في قراءة العنواان "وأعبر مني اليّ":


لقد تضمّن العنوان معنى العبور (وأعبر) ونقطة البداية (مني) والنهاية (اليّ).


وبالتالي فالعنوان يشي برحلة "من ..الى" .والشاعرة واعية ببدايتها ووصولها.


انها رحلة من الذات الى الذات.


والرحلة "من الذات الى الذات " حسب المختصين هي " مغامرة داخلية عميقة للوصول الى الذات الحقيقية هدفها بناء انسان متكامل, واع, ومُكتفٍ ذاتيا وقادر على مواجهة الحياة بمرونة وقوة ".


لقد استخدمت الشاعرة الواو(وأعبر) وقد تكون واو الاستئناف وقد تكون واو الحال:


- ان كانت  واو الاستئناف فالشاعرة تستأنف حديثا سابقا قبل رحلتها من الذات الى الذات.


- ان كانت واو الحال فالشاعرة تصف حالتها في رحلتها من الذات الى الذات.


ورحلة الانسان من ذاته الى ذاته هي أطول رحلة الى أقرب مكان.


وهذه  المسافة التي تفصل البداية (من الذات:منّي) عن النهاية (الى الذات:إليّ) هي رحلة بحث عن الذات الحقيقية .


هذا البحث للوصول الى الذات الحقيقية لبناء ذات متكاملة , واعية ومكتفية ذاتيا وقادرة على مواجهة الحياة بمرونة وقوّة جعلها تحدث القارئ على مغامرة وجدانية خاضتها مع الآخر.


وهذه المغامرة الوجدانية لا تخلُ من معاناة كما أشارت الى ذلك الفنانة التشكيلية  من خلال قراءتها للوحة بالغلاف.


ولعلنا نقف على هذه المعاناة التي تجسّد المسافة الفاصلة بين "منّي واليّ" في صلب التحليل:


4- التحليل: " الديوان الشعري بين الهروب من الذات والعودة اليها"


لقد تحدثت قارئة اللوحة الفنانة التشكيلة سعيدة بركلاتي عن "هروب ذات من ذاتها ، هو فعلا عبور منها إليها ".


ولعل العنوان يشي بهروب من الذات والعودة الى الذات خلال تجربة هذه الرحلة الداخلية:


ولا بد من الاشارة هنا الى الفرق بين "الهروب من الذات" و "العودة الى الذات" حسب المختصين:


- الهروب من الذات: يعني الهروب من الألم وتجنب المشاعر وهو سلوك قهري يؤدي الى مزيد من المعاناة.


- العودة الى الذات (شكل صحي) يكون من خلال مواجهة الذات بصدق والاعتراف بالخطأ والعمل على النمو الداخلي وهو ما يتطلب شجاعة وليس هروبا.


والشاعرة وهي تعيش هذا الصراع النفسي بين الهروب من الذات والعودة اليها قد جعلها تعكس هذا الصراع حتى في صلب القصيدة الواحدة.


أ- الهروب من الذات بالديوان الشعري:


لقد استخدمت الشاعرة العديد من التقنيات للتعبير عن هذا الهروب من الذات:


+ الثنائيات المتضادة:


- المشاعر واللامشاعر:


تستهل الشاعرة مجموعتها الشعرية بقصيدة "قلبي" ص(10) وكأني بها  في تجربتها الوجدانية تُدين قلبها الذي جنى عليها وجعلها ترغب في الهروب من الألم  وتجنب المشاعر فتقول:


مؤخرا صار قلبي يسقط مني في الطريق


وكلما أعدته مكانه تدحرج


وسقط مجددا وتبعثر


- وجع القرار غير الناضج مقابل الحب (الارادة والوجدان)


انها قاومت ضعف قلبها لتهب الحبيب حياتها وفي المقابل ينساها ويرميها لعبة لقدر قاس فتقول في قصيدة "قمر" ص (11):


سلمتك أحلامي وكل أيامي


وكنتُ ظلا لحرّ أيامك


فكيف نسيتَ وجهي


ورميتنا لقدر كان جلادا


وباستخدام ضمير المتكلم الجمع( رميتنا) تلومه على قرار غير واع وغير ناضج ليلاقيا معا قدرا عنيفا هو بمثابة جلاد يجعل منهما ضحية.


- نشيد الموت والحياة:


ان هذا القدر القاسي جعلها تنشد نشيد الموت للتخلص من استهتار الحبيب بمشاعرها ونسيانه لها بل وكادت تنتحر لكن حبها الجارف له منعها من ذلك فتقول  في قصيدة "نشيد الموت"ص (13/ 16).


أشد الحبل حول خصري بقوة


أضغط بإحكام شديد


وقبل أن أطلق سراح صوتي


في صراخ طويل


أفتح أبوابا في ذاكرتي


كان عليّ أن أحبك بهدوء


لكن الأمر خرج عن السيطرة


ومن وقتها بدأت عزفا منفردا


ب"احبك".


انها في صراع بين نشيد الموت وعزف الحياة.


انه قرار الحب من طرف واحد(منفردا) وهو أشرس أنواع الحب وأقساها.


- ثنائية الرجال والنساء في الحب:


كأني بالشاعرة تنتصر لحب متبادل بين النساء والرجال في المطلق فتقول في قصيدة " أهل الحب" ص(21):


للحب رجال ونساء


تشرق الشمس كل صباح من بين أصابعهم


وتنصاع الريح لجباههم العالية.


- ثنائية الحب والمعاناة:


تقول في قصيدة "أحبك"ص (22/ 23):


أحبك فكرة جميلة


وحياة تتشكل في داخلي


جنين شقي يرفس بكل قوّة


يريد الخروج


فأمسكه بشدة


كما تمسكني انت من البلاد البعيدة


وتقول في قصيدة " منتصف الليل" ص (24):


منتصف الليل توْقيتٌ فارق في حياة كل امرأة وغالبا ما يمرّ


الرجال سريعا للنوم من دون أن يلاحظوا اشتعال


الحريق في الجسد قربهم


ماذا لو أفرغ ماءه كله قبل أن ينام؟


- ثنائية السعادة والشقاء:


ان الشاعرة توقظ ضمير الحبيب المغرور لتنذره أن السعادة وهْمٌ فتقول في قصيدة "غدا"ص(34/ 35)


يقف طويلا أمام المرآة


يحصي عدد نسائه


ويلعن حظه في الحب


حين تحترق فراشات قلبك غدا


ستبقى وحيدا في صورة يتيمة


ان الشاعرة لا تخفي عن القارئ نار غيرتها بسبب خيانة الحبيب لها.


+ الثنائية المتقاربة:


لقد لعبت الشاعرة على الثنايات المتضادة لتحوّلها الى ثنائيات متقاربة لتتحوّل الضغوطات الى موارد  فتقول في قصيدة "شوق" ص(35/ 36):


تتفجر داخلي موسيقى الغجر الغافين في دمي فتتحول تضاريس


جسدي الى أرض بكر في انتظارك


نكتب القدر بيدين من جمر فالطريق خدعة الضباب يسلّمنا


لدروب بعيدة وكلما ابتعدنا اقتربنا أكثر.


صوتك نهر صاخب في عمري


وانا صراطك الذي ما زلّتْ عنه قدمك


- ثنائية الحب والغرق


لئن يُعتبر الغرق موْتا فالشاعر ة تشبّه الغرق بمرأة انكسر قلبها وكأني بها تعتبر الحياة بالحب والغرق باللاحب فتقول في قصيدة "ساعة حب" ص (38):


الغرق فعل الهي بحت


انه يشبه كثيرا


امرأة انكسر قلبها.


- الحب الكذبة الاجمل : تقول في قصيدة " وحدي" ص(51)


والحب كذبتنا الاجمل


تردد جوقة النساء


كنت تقول:


أكرهك كثيرا و أحبك اكثر


وتقول في قصيدة "كان عليكم قتلي" ص(54)


أنا لا احبكم لكنني أنوي ان أفعل فما أنا الا كاذبة كبيرة


أبحث عن عشاق أقتلهم لأعيد كتابتهم في نصوص تخلد اسمي لكنني


فشلت في كل مرة.


- النشوة كذبة بيضاء فتقول في قصيدة "عندما أتجرد من جسدي" ص (55)


النشوة كذبة بيضاء بحجم الكون


عندما فقدت الأمل في العثور على الحب


عرفت رجالا كثيرين


لقد كان تعويضا تافها ومغرقا في الحسية


كمن يحرث أرضا بورا


وكان جسدي ميّتا


بعد معركة الأجساد


وفي هذا الاطار فان الشاعرة قد خاضت تجربة وجدانية واسعة باستخدام:


- الثنائيات المتضادة


- الثنائيات المتقاربة


- تنوع الخطاب باستخدام ضمير المتكلم المفرد والجمع وضمير الغائب الجمع واستدعاء النساء والرجال.


- استخدام الأسلوب الانزياحي الذي غطّى كل الديوان مع توظيف الصور الشعرية الحسية لايقاظ شعور القارئ  وفضوله في التأويل...


- تحديد الزمان والمكان باعتبار الرحلة لإضفاء الواقعية عليها:


المكان: البحر/ ابواب المدينة/ تونس/سجنان/ الهوارية...


الزمان: الاحد/ الاثنين/ الخريف/ الشتاء/ الربيع/ ليالي الصيف...


ان هذه التجربة الوجدانية الموسومة بالفشل والوجع أرادت الشاعرة من طرحها لتجعل القارئ شاهد عيان عليها ليُنصفها في اتخاذ قرار العودة للذات.


ب- العودة للذات:


ان الشاعرة بهروبها من الذات المتألمة لا تخفي عن القارئ الأزمة الوجدانية والنفسية التي تعيشها لاتخاذ قرار العودة الى الذات.


ان هذا الصراع بين الهروب والعودة هو ما عبّر عنه بامتياز الفنان التشكيلي المصري عبد الرزاق عكاشة بالتدرج في اللون الازرق ولقد تفطنت اليه قارئة اللوحة  الفنانة التشكيلية التونسية سعيدة بركاتي بأنه بحث عن الاستقرار والطمأنينة النفسية.


وبالتالي فان هذا الهروب الى الذات في سياقات الأزمات النفسية كما يرى بعض المختصين " يعني التواري عن الواقع الأليم وتجاهل الذات المتألمة مما يعمق المشكلة , بينما العودة للذات هو شكل صحّي يدعو الى التصالح مع الذات ومواجهتها"


وفي هذا الاطار فيما تجلت العودة الى الذات؟


1- تجليات العودة الى الذات من خلال:


+ استعادة الهوية الأصيلة: اعادة اكتشاف القيم الاساسية والجوهر الانساني:


- انطلاقا من العنوان الذي يدعم التجذّر والتشبث بالذات الحقيقية وبجوهرها "وأعبر مني اليّ".


 - في متن الديوان الشعري :


* تقول في "رحلة الأزل ص (100):


مذ صاغتني يد الاله من عدم


نفسا هائمة في ظلمات الرحم


احببتك ولم أكن روحا


ولدت جسما رآه الناس جسدا


* تقول في قصيدة "البلاد" ص(95):


أحبك أحبك أحبك


أغنية الأرواح في الأجساد الفانية


* تقول في قصيدة "موت" ص(95):


انه موعدهم المقدس مع الموت


أخف من نسائم الصباح يرحلون


* تقول في قصيدة "رجل ينتعل قلبه" ص(73/ 74):


نعاتب التاريخ ونلعن الجغرافيا


وننسى أننا صدفة حياة


كذبة في سياق الحاضر


هذا العالم فقدَ جدواه


فمن نحن؟


غضب الشوارع


وجوع الشعوب


وثورة قتيلة..


وحرب لا تشبع من دماء ابنائها


+ التحرر الداخلي:


التحرر من الخوف والعقد النفسية والشعور بالنقص مما يفتح الطريق نحو الحرية الحقيقة:


- تقول في قصيدة: "رجل ينتعل قلبه" ص(73):


لست مسؤولة عن خراب العالم


لكني تكفلتُ بتخريب قلبي


و الآن أعيد كتابته على شكل قصائد


لا يقرؤها الا المهزومون


حبّا مثلي.


- تقول في قصيدة "تحرر" ص(77).


أحرر نفسي من رغبتي فيك


وأحرر صوتي من اسمك


كنت أبحث عن طريق لا يؤدي اليك


ولا تطاله يداك


+ الوعي النقدي: تطويرعقلية نقدية لا تتقبل الافكار دون تمحيص وتميز بين ما هو أصيل وما هو دخيل فتقول في قصيدة "قط أسود" ص(93):


كل هذه الحكايات داخلي لعنات انها أوزاري أحملها أحيانا


وأتأبّطها أحيانا أخرى ثم أتدحرج معها نحو الهاوية


+المسؤولية والتمكين: مسامحة الذات وجمع أجزاها المتناثرة وتحويل القوة الى رقة.


تقول في قصيدة "مطر" ص(87):


وكنت هاربة من وجه ذكرياتي الكريه


أجمع شظايا قلبي المكسور


+الصلة بالآخر وفهم الذات الحقيقية كشرط للتواصل الصحي مع الاخرين والوعي بحدود الذات دون وهم.


تقول في قصيدة "رثاء" ص (31/ 32)


كل من أحببتهم أورثوني أوزارا


كل من أحبوني انتصروا لقلوبهم


ثمّ رحلوا عني


سبرت أغوار جسدي


حفظت مواطن قوته وضعفه


وشمت أسماء كل من خذلوني


فوق معصم القلب


2- مظاهر العودة الى الذات:


+التأمل الداخلي لتحرير الذات: تقول في قصيدة "رثاء" ص(32).


                                                                                         وقلت اليوم


لا عاصم لي منّي


إلّاي.


+النقد الذاتي : مراجعة السلوك والفهم لتصحيح الأخطاء بدلا من لوم الاخرين


تقول في قصيدة "رثاء" ص(30):


لا شريك لي الا قلبي


على حافة الصباح


أضحك كثيرا


لكل الوجوه العابرة


حتى لا تبللني غيمة البكاء


التي تظلل روحي


+ تقدير الذات: الاعتراف بالفرادة والتميز دون غرور:


 تقول في قصيدة "كان عليكم قتلي" ص(54):


تركتكم كل مرة تحتفلون في صخب بانتصاراتكم الوهمية وانسحبتُ ولم


أكتب عنكم وأنتم تمارسون المدّ والجزر فوق بحري الصاخب فقط كان


عليكم قتلي لأكتبكم ولكنكم فشلتم.


+الاستلهام من التراث: الرجوع الى الاصول الفكرية والحضارية كمرجعية:


 استدعاء النص الديني و ملحمة الكوميديا الالهية.


*استدعت النص الديني وقصة الغراب مع قابيل حتى تتفادى قتل الحبيب فتقول في قصيدة "رغبة"ص(48):


الشامة الغريبة على رقبتك تغريني بقتلك


مرة أخرى أحاول أن أحرّر نفسي من رغبتي بدمك


يحوم الغراب فوق رأسي ويصرخ قابيل مجددا, لا تجعلوني قاتلا مرة ثانية.


*كما استدعت الكوميديا الالاهية للشاعر الايطالي دانتي(1) والتي مزجت الاسطورة والتاريخ والفكر الديني في رحلة رمزية لإصلاح النفس البشرية والبحث عن الخلاص والمعرفة


تقول في قصيدة "خلف الوجوه" ص(50):


ما كان بيننا


كوميديا الهية ينقصها حضور الاله


ولم نكن نحتاج حضوره


كنا أربابا نعتلي صهوة النشوة


وفي هذا الاطار فان العودة الى الذات هي شكل صحي للمصالحة مع الذات المتألمة وهي رحلة نحو التحرر وهو ما يجسد البعد الفلسفي والصوفي في المجموعة الشعرية (2).


3- البعد الفلسفي والصوفي والنفسي:


 فالفلاسفة والمتصوفة رأوا في العودة الى الذات الطريق الأعمق لاكتشاف  حقيقة الوجود.


فمن سقراط الذي قال :" اعرف نفسك" الى ابن عربي الذي اعتبر معرفة النفس طريق لمعرفة الله.


أما فيودور دوستويفسكي المحلل النفسي فيرى أن العودة الى الذات هي اكتشاف الذات الحقيقية بعيدا عن الاوهام وأن الانسان لا يعود كما كان بل يصبح أعمق وأصدق بعد تجربته.


في العودة الى الذات نجد البعد التحرري وهو كسر لقيود التبعية وهي فعل تحرر


تصبح العودة الى الذات مشروعا تحرريا من الاغتراب ويمكن من بناء مستقبل يعبر عن الارادة الحرة.


الخاتمة:


وخلاصة القول فان الشاعرة ريم القمري قد ارتقت بديوانها "وأعبر مني اليّ" نحو العالمية بتقاطعها مع سقراط الفيلسوف وابن عربي المتصوف ودوستويفسكي المحلل النفسي.


سلم قلم المبدعة ريم القمري المتفرد والذي جمع بين القلب والعقل وبين الوجدان والفكر .


لقد أنهيت قراءتي النقدية لهذا الديوان ونبْعُ الامتاع و المؤانسة لم ينضُبْ بعْدُ.


 المرجع:


(1) الكوميديا الالهية للشاعر دانتي أليغييري - ويكيبيديا-


(2) د.كمال عبد العزيز- العودة الى الذات رحلة نحو التحرر-20/ اوت/ 2025


الفهرس:


1- التقديم المادي


2- في قراءة للوحة التشكيلية بالغلاف


3- في قراءة للعنوان(وأعبر مني اليّ)


4- التحليل : "الديوان الشعري بين الهروب من الذات والعودة اليها"


أ- الهروب من الذات .


- الثنائيات المتضادة


- الثنائيات المتقاربة


ب- العودة الى الذات:


1- تجليات العودة الى الذات


2- مظاهر العودة الى الذات


3- البعد الفلسفي والصوفي والنفسي


 الخاتمة.



....لا تكن أسير هوى نفسك.. بقلم عامري جمال الجزائري.. المسمى فرحي بوعلام نورالدين.

 ....لا تكن أسير هوى نفسك..


     فلا تكن للنفس كالعبد في هواها مطيعا


           ولاتقسو عليها مغال فتقتل فيها الربيعا.


     هو حزم مرة و مرة رفق في سلالسة 


          كأنما غلام تأدب تخشى عليه أن  يضيعا.


      يا عجبا للنفس كم في مكرها العجب


          كم أوقعت بذي سلطان عند الناس رفيعا.


       تلح على المرء في إصرار تطلبه


                   لسوء تزينه ثم تنزله مقام الوضيعا.


      تجر الجاهلين وهم لها تبع وفيها  


                من الفجور والتقوى صنع الله البديعا.


            ..بقلم عامري جمال الجزائري..


            المسمى فرحي بوعلام نورالدين.


     الجزائر ولاية سعيدة يوم 09-01-2026.



الله يعرفهم بقلم الكاتب عبد الكريم يوسفي

 الله يعرفهم 

مسكينٌ واحدٌ قادرٌ على مقاضاةِ العالَم كلّه 

لم يمرَّ أحدٌ حتّى، ليعرف أنه إنسان 

و طفل صغير يخوض بمحفظته وحل الطين بقدمين حافيتين 

لا يخطر ببال أحد أنها قدم لها خمسة أصابع مثلنا تحتاج لحذاء 

هل هناك من يظنهم ماعز 

( الفصلُ يومَ التغابن) 

وامرأة ثكلى ليست لها شِعر الخنساء 

تبكي جمعا من أولادها و أختها و صاحبها و أمها و أبيها 

وليس لها شَعر الحسناء 

ظلت تعوي بجنب الركام كذئبة جائعة ( إنسان ما معنى إنسان ) 


إنهار كل شيء ..

رجل مرتجل برجل واحدة و يرمي بقوةِ غضبه كيسَ الدقيق على كتفه فليست له ذراعان لتحمله ..( عرجته تدخل سباقا عالميا في تقدير الذات ..أما هو فيسابق ابن الجموح يرى رجله يطأ بها الجنة سليمة ) 

و مقاوم يشتعل كالنار ليضيء ..

قبس تلوى قبس و جذوة يحملها 

كما يحملها النبي لأهله في ليلة صحراء باردة..لكن شيئا ما يطفئ أبصار هذا العالم ) 

شلال من الدم يغزو قصيدتي ..

في أنهار من الدمع تغرق..

يشهق الحرف حين يذكر الشهادة 

يتحسر لأن كل صور البيان التي تولد بداخلي 

تدفن شهيدة..يقتلها الحياء 

( دخلت النار عجوز في هرة حبستها) 

وأمّة يُحبس عنها الحساء .

عبد الكريم يوسفي



قصيدة بعنوان ***بعيدا عن حاضر غيابي بقلم الشاعر // محمد الليثي محمد مصر – أسوان .

         قصيدة بعنوان ***بعيدا عن حاضر غيابي

من يحمل ظلي عني

من يحمل صورتي

 الجديدة

تعبت من المسير

وتعب المسير مني

لا قمر يضيئان نفسي

ولا مقعد يريح جسدي

سقطت شعيرات الغياب

عن  راسي

حتى أنني أعيش وحيدا

وجع صغير ،  يشق صدري

وبي رعشة في كلمات الفصحى

أدون في كسل أحلامي

كأني مهزوم بانتصاراتي

وواقع يترك يدي

ليدفعني إلي هاوية شكي

أنا لا أحب ذاتيا

ولا أحب ملابسي

كأني مطر أسود

بين الشرفات

حين تصاب الزهور بالعطب

والريح تمر على مهل

في البعيد

عودي إلي أيتها الطفولة

وخذيني إلي تلال البراءة

واجعلي كتابي  

أبيض هنا

 وأبيض هنا .. في قلبي

ولا تكتبي عني شيئا

قبل أن أرى الحكاية

وأنا أطل على المدينة

من مخيلة الخلود

هل لي روح

تبحث عن روح

لتخلد في السكون

أصعد   وأصعد

على عتبات تاريخي

فأجد قتلي وقتلي

جثث تمسك بالدماء

والدماء متجددة الألوان

وأنا أبحث عن النوم

 ساعة

ساعة واحدة .. أغفوا فيها

حتى تعود الروح

إلي غيمتا بيضاء

أشرب تحتها قهوتي

وأشد من أعدائي

دخان الكراهية

وأنا أزرع

وردة بيضاء ترقص

في المدينة

في يوم

على حافة الموت

وأنا أنسي الحياة

على درج التابوت

وهو يسقط بين الحجارة

ونبته صغيرة

تخرج من تراب

يتغذى على نخلة جسدي

لا بد  من  الصمت

صمت

يأخذك إلى ذكريات

الصمت

ليس هناك شيطان

يدفعك إلى نهر الذنوب

حين تتحول إلى تراب

هناك خروج ودخول

ليس من البيت إلى البيت

وأنما فتحات في سلم الذاكرة

وطرق تتعرج في مسافات

ليس هناك صوت

غير صوت الغياب

_____*****************______________________

الشاعر // محمد الليثي محمد مصر – أسوان .



الراعي، واللحن الوحيد بقلم الكاتب *عدنان يحيى الحلقي

 الراعي، واللحن الوحيد

******************

في الليلِ

تعبرُني الحدودُ..

أعيدُ إنتاجَ النوافذِ..

لمْ تعدْ تتمسَّكُ الجدرانُ بالأبوابِ...

لا بلْ لمْ يعدْ قلبي يدقُّ لأستريحَ..

علىٰ مدارِ العمرِ ننشرُ عريَنا المبتلّ بالضوضاءِ...

تحتَ لباسِنا المنسيّ 

أشعرُ كمْ أنا في الريحِ منغلقٌ علىٰ الأوهامِ 

في أنّي البديلُ.!!

سأعيدُ تنضيدَ النّوابذِ. 

زَيّنَتْ دربي الهباتُ..

أرحْتُ ذاكرتي من اللغةِ العنيدةِ..

لعبةِ الأيَّامِ..ليلِ شتائنا ..

الدفءِ الملوَّنِ بالغناءِ..

ورودِنا، العينِ البعيدةِ..

والصراخِ علىٰ حقولِ الغيمِ..في فرحٍ يطولُ.......

*******

أيَّانَ مبتدأُ الحكايةِ..

والخطيئةُ أوَّلُ الثمراتِ في شجرِ الكلامِ..!؟

حامتْ بناتُ البوحِ حولَ الماءِ..

والأنواءُ تنذرُ بالوحامِ..وأولُّ الغيثِ الندامة..!

أيَّانَ مبتدأُ السلامة..؟!...

في الليلِ

 أرَّقني الهبوطُ علىٰ هواي..

ولسْتُ بالمنسيِّ في سفرِ السَّنابلِ..

أفركُ الأحلامَ متَّكئاً علىٰ نبضِ الجداولِ ..

بينما تمتصُّني الأيَّامُ..

لاأدري متىٰ يصلُ الدَّليلُ..! 

وليسَ مِنْ طبعي الوصولُ..!

أيَّان مبتدأُ القيامةِ..؟!

كمْ أنا في الوجدِ كالرَّاعي.. علىٰ لحني أصولُ..

ياسهلُ ..سرُّكَ مِنْ رحيقِ البحرِ..

مِنْ حقِّي علىٰ الشطآنِ أنْ تصغي..

وترجعَ ماأقولُ..

************

*عدنان يحيى الحلقي



الرمادية" رواية جديدة تروي جرح مدينة..وتكشف صراع الأجيال في تونس.. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الرمادية" رواية جديدة تروي جرح مدينة..وتكشف صراع الأجيال في تونس..

يستعد الكاتب والروائي التونسي مختار الورغمي،أصيل جهة مدنين لإصدار روايته الموسومة بز"الرمادية"،والتي قدّمها الدكتور مصطفى بوقطف.

الرواية المكونة من 9 فصول و180 صفحة،تسرد قصة مدينة داخلية مهملة عبر حقب تاريخية متعاقبة (من الاستعمار إلى بداية الدولة الوطنية). تتركز الأحداث حول صراع بين أبٍ تعلّم في زمن قديم وأبنائه الذين نشأوا في واقع مختلف، ليكشف هذا الصراع عن جراح مدينة ووطن وهوية متعبة.

يشار إلى أن المختار الورغمي روائي وليس مؤرخا،وهو يسلط الضوء في روايته على تفاصيل دقيقة قد تكون مجهولة للأجيال الحالية.

" الرمادية" رواية واعدة تتنفس إبداعا،صاغ فصولها كاتبها المختار الورغي بأسلوب ينم عن دراية بهذا الفن الخلاق ( الرواية) إذ وراء كل حجر في تلك المدينة "الرمادية" حكاية تنتظر من يلتقطها،ووراء كل صمت في بيوتها القديمة همسٌ تاريخي يُروى.

في روايته الجديدة،لا يكتفي مختار الورغمي بسرد أحداث الماضي،بل ينقب في ذاكرة المكان كما ينقب الأثريّ في طبقات الأرض،باحثا عن اللحظات الإنسانية الهاربة التي لا تذكرها الكتب الكبيرة.إنها رحلة إلى قلب الجغرافيا المنسية، حيث يصبح صراع الأب وأبنائه مرآة عاكسة لصراع أكبر:صراع بين زمنين،بين ذاكرة تتشبث بأهداب الماضي وواقع يحمل أسئلة لم تُجب بعد. هنا،يصبح الأدب جغرافيا آخر للمدينة،يكتبها من داخلها،بلغة الجراح والأحلام. 

فهل تكون "الرمادية" شمعة تُضيء عتمة مدينة، أم ندبة تذكرنا أن بعض الجروح لا تندمل إلا عندما نتوقف عن نسيانها..؟

ويظل السؤال عاريا،حافيا ينخر شفيف الروح..إلى أن ترى هذه الرواية الشيقة شعاع النور ولمعانه الخلاب..


متابعة محمد المحسن



الجمعة، 9 يناير 2026

شعراء عرب رفعوا الصوت لفلسطين..وكتبوا عن غزة الجريحة بمداد الروح.. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 شعراء عرب رفعوا الصوت لفلسطين..وكتبوا عن غزة الجريحة بمداد الروح..

قصيدة الشاعرة الفلسطينية الأستاذة عزيزة بشير"طوفان الريح والنار"*-نموذجا


تتعدى الكتابة الشعرية في السياق الفلسطيني مفهوم "الأدب الهادف"لتصبح ضرورة وجودية، وشكلا من أشكال المقاومة الثقافية التي تحمي الهوية وترفض طمس الرواية.فمنذ نكبة 1948 وما تلاها من أحداث جسام،ظل الشعر الفلسطيني سجلا حيا لأحلام الشعب ومعاناته،وصرخة مدوية تدافع عن حقه في العودة والحرية.ويحمل هذا الشعر في طياته ليس فقط ألم التشرد،بل أيضا إصرارا لا يلين على الحياة،كما عبّر محمود درويش: "أن يكون المرء فلسطينيًا..تأكيد على أنّ الكائن البشري،حتى في شقائه،يستطيع أن يحبّ شروق الشمس".

واليوم..

يواصل الشعر الفلسطيني،بوصفه صوت الذاكرة والوجدان الجمعي،مهمته في مواكبة الألم والمواجهة،مُترجِما فداحة العدوان البربري على غزة.فتحت وطأة القصف اليومي والنزوح والمجازر،يتحول الشعر إلى فعل وجودي ووسيلة توثيق عاجلة،تُكتب قصائده بمداد الروح..إذ لم يعد (الشعر) هنا ترف جمالي،بل صار شكلا من أشكال المقاومة بالذاكرة،وصرخة ضد

الإبادة،ووسيلة للحفاظ على إنسانية مستهدفة،مما يؤكد أن القصيدة،في زمن المحارق،تبقى سلاحا لا ينفد.على غرار قصيدة الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير..راجيا من القراء الكرام حبس دموعهم..فالدموع لا تمسح تراب الأسى..

"طائراتٌ تقصِفْ وسجونٌ تخطِفْ ورياحٌ تعصِفْ وَسُيولٌ تجْرُفُ ما تبقى مِنَ الخيام والبشر وهُم جائعون! ولا حوْلَ ولا قوّةَ إلاّ باللهِ العليّ العظيم!


زاد البلاءُ وأهلُ غزّةَ يَغْرَقونْ  

 والرّوحُ تُزهق بالقنابلِ …..والسُّجونْ


غاراتُ فَوْقَهُمو  وطوفانٌ يجولْ

وَضَحايَا تغرَقُ والأحِبّةُ ……..جائعونْ


والماءُ غَطّى مَن تبقَّى ،مُشرَّداً

في خيْمَةٍ جرَفَتْهَا أمطارُ …….المَنونْ


مَن كان في شِبْهِ البيوت مُدارَياً

هَدمَتْها أمطارٌ ونيرانٌ …………خَئونْ


ألبيْتُ  هُدِّمَ  والخِيامُ تطايَرَتْ

والأمنُ طارَ مَعَ العَواصِفِ ……والبنونْ


والأُمُّ تحتَضِنُ  ابْنَها  مَرعوبَةً

غَرَقٌ وقصْفٌ لِلعدُوِّ ،……كَما الجُنونْ


والبردُ قارِسُ  والرّياحُ  شديدةٌ

والكُلُّ في وَسَطِ الزّوابعِ …….يرْجُفونْ 


ياربِّ  كلٌّ  في  حِماكَ   فَنَجِّهِ

فالرّيحُ ريحُك والزّوابِعُ ……والشّؤونْ


والنّصرُ وعدُكَ والعدوُّ  بأمرِكُمْ

والنّارُ نارُكَ تصْلِي فيها ……المُذنِبونْ


ربّاهُ  كلٌّ يستجيرُكَ  راجياً

والكوْنُ كوْنُكَ ، ما أردْتَ بِهِ…… يكون!


عزيزة بشير


في قصيدتها النارية "طوفان الريح..والنار"،تنسج الشاعرة الكبيرة الأستاذة  عزيزة بشير لوحة مروعة وكثيفة للمأساة،لا تستخدم فيها الكلمات فحسب،بل تستدعي القوى الكونية نفسها لتكون شواهد على الدمار.وليست هذه القصيدة مجرد رثاء،بل هي نقشٌ للكارثة على جدار الزمن،حيث تذوب فيها الحدود بين القصف البشري وغضب الطبيعة.

تفتتح الشاعرة الفذة الأستاذة عزيزة بشير القصيدة بجملة اسمية سريعة ومتتالية كطلقات الرصاص: "طائراتٌ تقصفْ وسجونٌ تخطفْ ورياحٌ تعصفْ".هنا يبدأ الخلط المدمر بين فعل الإنسان وفعل الكون. فـ "الرياح" و"السيول" ليست مجرد ظواهر مناخية،بل تبدو كأذرع ميكانيكية للموت،تتعاون مع الطائرات والسجون في عملية إبادة شاملة "تجرفُ ما تبقى". فالطبيعة لم تعد ملجأ،بل أصبحت جزءا من آلة الحرب،وكأن الكون كله قد انقلب على الإنسان.وبعد استنفاد وصف الدنيا،يتحول الخطاب فجأة من المشهد الأرضي المرعب إلى السماء.فالنداء "ياربّ" يأتي كتنفس أخير،كحبل خلاص من هذا الطوفان المركب..

"طوفان الريح والنار" قصيدة وجدانية الطابع، تصوغ المأساة المعاصرة بلغة ملحمية قديمة.إنها ليست استعطافا،بل هي توثيق فني-صوفي للدمار. والشاعرة ترفع الحدث من كونه مجزرة إخبارية إلى مصير كوني،حيث الإنسان محاصر بين مطرقة غضب البشر وسندان غضب الطبيعة،فلا ملجأ إلا إلى رب الطبيعة والناس.

هكذا،تظل الكلمة الشعرية الصادقة سلاحا لا ينضب،حاملا للرواية،حارسا للذاكرة،ومُعبِّرا عن إرادة حياة لا تُقهَر.إنه الشعر الذي،كما أراده غسان كنفاني، "لا ينوح ولا يبكي،لا يستسلم ولا ييأس"، بل يظل منارة للأجيال القادمة في درب التحرر والعودة.والشاعرة الفلسطينية المغتربة،يمامة حطت على غير سربها..لكنها حتما ستعود إلى -وكرها-بجنين الشامخة،بل إلى فلسطين العجيبة..

لست أحلم،لكنه الإيمان الأكثر دقة في لحظات التاريخ السوداء من حسابات السفاح نتنياهو..والمتعجرف دونالد ترامب..


متابعة محمد المحسن  


* "طوفان الريح..والنار" يلتقط هذا التحالف المشؤوم بين القوة الجوية (الريح/الطائرات) والقوة الحارقة (النار/القنابل)،في إعادة تشكيل لأسطورة الطوفان،لكن هنا الطوفان ليس ماء نقيا،بل هو خليط من الحديد والنار والماء والريح.إنه طوفان المجازر المتنقلة..والموت الذي يتراءى في هيئة قطيع من غربان،يحلق فوق أنقاض غزة الأبية..



بصمات أفريقية بقلم الشاعر أحمد محمد حشالفية

 بصمات أفريقية


وقف شامخا بين الجموع رافعا اليدا

متشبها بالثائر الحر "باتريس لومومبا"


وقف صامتا دون حراك ليظهر للعدا 

أن الصمت والسكون لا يمكن أن يغلبا


نظرت إليه الجموع و منهم كان مقلدا

ظنا أنها طقوسا أفريقية و مليئة عجبا


ليس عيبا أن يجهل أبناؤنا رموزا للفدا

لأن هذا الجيل قاطع المكتبات والكتبا 


احترام الغير عقيدة جعلناها لنا عهدا 

نقدم الاعتذار إذا بدر منا خطأ له سببا


لا الحدث يسمح أن تكون لنا منتقدا 

المناسبة مباراة كروية هييء لها ملعبا


العيب فيمن زاغ وظن أنه على هدى

يعادي إخوته ويحضر لهم كمينا ومقلبا 


هي لعبة يضيع الوقت  خلالها سدى

ملهاة الشعوب قد تحدث نزاعا وحربا


الأحرار ينتفضون دون أن يهزهم أحدا

لأن الحرية فداء بالنفوس ينتج مكسبا


يخطئ الأخ بحق أخيه ويجاوز المدى

فيقدم له أعذارا لأنهم إخوة دما ومذهبا


لكن إذا خان العهود وقطع سلاما وودا

فحقت له االقطيعة  لا أما بينهما ولا أبا


"ترفع اليد للسماء لتصنع للمجد مصعدا

وأن تقبيلها لغير الوالدين لن يكون أصوبا "


سلام وأمن لقارتنا يكون دائما وأبدا

وتحايا لكل الأحرار فرادى كانوا أو موكبا


بقلمي

أحمد محمد حشالفية 

الجزائر



ذُبُولُ الرُّوح بقلم الكاتبة سلوى مناعي

 ذُبُولُ الرُّوح

الروح تذبل، مثل الأزهارِ إن ظمِئَتْ،

فمَن يسقي الرّوحَ، ومَن يُحييها؟

جفّت ينابيعُ الفؤادِ، وماتَ ساقيها،

وأصبحتِ الرّوحُ في الأعماقِ تبكيها.

أين الوعود؟ أين نهرُ محبتِنا؟

صارت سرابًا للرياحِ تذريها.

هذا الفؤادُ قد كنت ساكنا فيه،

وفي الشرايينِ دومًا كنت تسريها.

قل لي، بربّك، كيف خذلت محبتَنا؟

وأيَّ دربٍ من الدروبِ تاهتْ فيها؟؟

هل أصبت بداء الغرور

وامتثلت للخوف من ناس

لا قيمة ليها

سلّمتك الرّوحَ لتحيا في منازلِها،

وفي يديك خنجرٌ أثخنتني فيها.

إني أخطّ، ودمعُ العينِ يسبقني،

على فؤادٍ بهواه كنتُ راعيه.

لكن قلبي تعافى من ألم كنت السبب فيه،

كانت سرابًا كلُّ أحلامٍ نسيها.

إن كان لك عتابٌ، فالروحُ أعاتبُها،

وكبرياءٌ يفوقُ كلَّ دنياها.

غدًا ستُسقى من كأسٍ أنت عاصرُه،

وتشرب القهرَ حين ترتوى.

نمضي وقلوبُنا أعلى من الجرحِ الذي نزفوا،

فالروحُ تعرف دربَها… وتداويها.

ما عاد في صدري سوى صمتٍ يعلّمني

أن الكرامةَ إن بكتْ… نُحييها.

سلوى مناعي

05/01/2026



سقيتك لهاف عشقي بقلم المفكر العربي عيسى نجيب حداد

 سقيتك لهاف عشقي


تنبهت نيرانك

بين ضلوع قلبك

حرقت ما بين تفرعه

لهيب فج بعنونة غرام صارخ

نسج حروف لهاف بوح عميق قصيد

ترنم لسمعه معجب ذاب بين حنايا جمالك

يا فاتنة مراقي قفي نلتاع مع عصافير نيسان

لنهزم  ما تبقى من مربعانية شتاء قارص هزنا

حصد دفء نبض ينضب بين قلبين همسا رقة

تغافيا على بطانية خضراء بوقت سهر مزدوج

كان خجل نائم على شاشة تلفاز لفلم ما عابر

درج فيه لمس يداي لعيون تناعست لي كذب

غرف صحوي كأس نشواي فصاحت سريرتك

كانت رجفة غادرة تضاجع عتمة ربيعية هبت

على مسارح خصر رجوف يعتز بكل نفس حر

ذاقت شفاهك قبل نعاس ما هزمت من ليلك

بين خريفي حلم صاعق يهتز عنفوان ليتبدل

عبر ثواني سكون مزيف هرع عليه طلب هبة

فاق خيالي ذبولك بين حلم غاص برعونة نذر

زوجتك بند مرورك عقود لمعرفة سقوطك هنا

ليذبل ياسمين خمولك بعد عناء بين ممتلكي

جميل هو زرع ذكرانا على لونها وهي معرقة

لتبوح لكل ساعة ومض وخاطرك مكسور بندم

كل شعابك لففتها بضمور بعد نسجها لمستهلك

غزلت خيط لريح مع مسحوق طهر لفك سرك

نثرت تعابيرك على دروب ذكرى فاشلة لملمتك

هناك قصة غوتني بمحراب واحدة ليذيل حظ

تناقش بين مفرداته هجين قدمت له تفاصيل

ليركن بلون حكاية منهوشة على سنن طعناتك

بلحظة رحيلي في ساعة فجاءة عصرت ذهني

لعنة حمقاء تطاردك بقية عمرك في سجل لمس

يوم جيرتي نهج غدرك على مفاصل زيف نعقك

مسلوب نزعه من لم يفهم حرفي روي بعطاشك


                      المفكر العربي

                  عيسى نجيب حداد

               موسوعة اوراق الصمت



الفِـيلُ والقُبَّرَةُ بقلم الأديب حمدان حمّودة الوصيّف... (تونس)

 الفِـيلُ والقُبَّرَةُ 

الفِـيلُ:

إنَّنِـي فِـيلٌ عَظِيمٌ

جُـثَّتِي مِـثــلُ الجِبَـــالِ

أَتَهَـادَى فِي مَسِيرِي

بِعَـــدُوِّي لاَ أُبَالِــــــي

لَمْ يُوَاجِهْنِي قَــوِيٌّ

هَيْـبَتِي فِي الغَابِ دَوْمَــا

 القُبَّرَةُ:

أَيُّهَا

المُخْتَالُ مَهْـلاً

إِنَّ فِي العُشِّ صِـــغَــارِي

بَـيْنَ أَعْشَابٍ و زَرْعٍ

 لاَ تَطَأْهُـمْ وَ حَـــذَارِ

لاَتَغُـرَّنْكَ قُـــواكَ

إِنَّ لِلظّـالِــمِ يَوْمَــــا

 الفِـيلُ:

سَرَّنِـي هَذاَ التَّحَـدِّي

 أَيُّهَــا العُـصْفُـورُ خُذْهَا

هَـكَذا أَرْفُسُ أَعْشَـا

...شًا أُرِيـحُ الغَـابَ مِنْـهَا

أَرِنِـي التَّهْدِيدَ فِعْـلاً

هَـا أَنَـا أَشْبَــعُ نَـوْمَا

 القُبّرة:

أَيُّـهَاالطَّـيْرُ هَـلُمُّوا

أَدِّبُـوا الفِيلَ الظَّـلُومَا

اِفْقَـؤُوا عَـيْنَيْهِ نَقْـرًا

وأَذِيقُـوهُ الـهُـمُــومَا

إِنَّ فِي الـوِحْدَةِ حَزْمًـا

   بَطْـشُهُ يَنْصُـرُ قَـوْمَــا

 الفِيـلُ:(بَعْدَ أَنْ فَقَأَتْ الطُّيُورُعَيْنَيْهِ)

آهِ مِنْ كَـيْدِ الضِّعَـافِ

قَدْ قُهِـرْتُ اليَوْمَ قَهْــرَا

مَـنْ تُرَى كَـانَ يَظُـنُّ

لِذَوِي الرِّيشِ اقْتِـــدَارَا

قُـوَّتِي دُونَ ذَكَــــــاءِ

 أَصْبَحَتْ لِلطَّيْـرِ هُــزْءًا

 القُبَّرَة :

أَيُّهَا الضِّـفْدَعُ سَـاعِدْ

بِـنَقـــِيقِ ِمُتَــــوَاصِــلْ

اِنْـطَلِقْ لِلْجُرْفِ واصْحَبْ

جَمْعَـكَ الدَّاوِي وَوَاصِـلْ

كَـيْ يَظُنَّ الفِيلُ سَمْعًا

أَنَّ فِي الحُفْـرَةِ مَــاءَ.

 الفِـيل:

إِنَّنِي ظَمْــــآنُ جِـــدًّا

قَدْ عَلِمْـتُ المَاءَ سَمْـعَا

عَلّنِـي أَرْوِي غَلِيلِي

وَأَرَى فِي النَّبْعِ جَمْعَـا

مِنْ بَنِي جِنْسِي فَأثْأرْ

مِنْ طُـيورِ الشُّـؤْمِ ثَأْرَا...


 الطُّـيُورُ وَالضَّفادِع:

سَقَطَ الظَّالِمُ ،تَـبًّــا

فِي تَجَـاوِيـفِ الجِـبَـالْ

وَانْتَهَـى قَهْرُهُ,فَافْهَمْ

لَيْسَ فِي الكَوْنِ مُـحَـالْ

إِنَّ لِلْـوِحْدَةِ دَوْرًا

فِـي انْتِـصَارِ الضَّعْفِ دَوْمَا.

حمدان حمّودة الوصيّف... (تونس)

ديوان "الباقة": أناشيد وأوبيرات للأطفال



مازلت بقلم الكاتب عبد المنعم مرعي

 مازلت 

أبحث عنك هنا بكل الاماكن

حتى في أعماق ذاتي محاولًا ايجاد فجوةٍ

او طريقه للخلاص لكل مايدور بذهني

وداخل عقلي طرق كثيرة غير الطريقة التي اعتدنا

عليها للوصول اليك دون الحاجة لإخفاء مابداخلنا

من خوف نفسي او عاطفي يجعل نبضات قلبي

 تتصارع في داخلي خشية ما يظهر عليها من ملامح 

الضياع أو الهلاك لكنه احساس بالطبع فظيع

 يكاد يفتك باحساس عاجز عن التفكير متصدر

 للمشهد وهذا غيرمُرضٍي بعض الشيء للأشياء 

 فكل ماحولي هنا يدبر مكيدة صيد لفرض السطوة 

المنشودة فحينما زادت اتسعت مساحة البُعد

وطالت هناك سنين الغياب

 لم تتباطأ يوماً عيوني عن زرف الدموع 

ولم تتوانٓ عن سؤالها أحاضر يأتي وجاء هنا

 لمواساتي  فاانا دونك أرى صنوف العذاب 

ألوان فحسب بل مرار وهوان

فكيف تعني لي الحياة وأنت لست معي هنا

لم تكن غير موت محقق بعالم تكسوه صرخات

تذيب في القلب مرارة الفقد ولهيب بلا جدوى 

وصبر وحرمان دون انقطاع  لعذاب 

تعالت فيه أصوات الفتنة  بحدةٍ دون الوقوع 

في مستنقع الوقيعة الوحشية والضياع 

لحظة  الاغتراب 

بقلم عبد المنعم مرعي



الشّخصيّة في المنجز القصصيّ السّياسيّ العربيّ (قصة-السفير-للروائي والقاص التونسي القدير المحسن بن هنية-نموذجا). بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الشّخصيّة في المنجز القصصيّ السّياسيّ العربيّ (قصة-السفير-للروائي والقاص التونسي القدير المحسن بن هنية-نموذجا).

من المعروف أن السيطرة الفنية على أبعاد الشكل فى الفن مسألة فى غاية الأهمية والصعوبة لايستطيعها غير فنان قادر على السيطرة على أدوات فنه خاصة فى فن مرهف مراوغ كفن القصة القصيرة،ومن الطبيعى أن ثمة أعمالا قصصية يحتل فيها الشكل البنائى حيزا يخل بالعلاقة بين الشكل والمضمون أوـ بتعبير أدق يخل بالنسب الدلالية لمكونات الشكل الفنى غير أن هذا الخلل لايجعل العمل الفنى شكليا فقط، وإنما يخل بأحد مقومات بنية الشكل، وهو الانسجام الجمالى لمكونات الشكل،وهذا الخلل هو دليل حسى على اضطراب المضمون لدى القاص أو قل اضطراب التجربة لديه فهى مشوشة لم تتبلور وضبابية لم تتحدد، وهذا يؤكد أن (شكل القصة أو القصيدة مرتبط أصلا بالوظيفة التى تشكل من أجلها مادام قد كتب لقارىءفى مجتمع قائم الآن أو سيقوم فى المستقبل،وهذا التواشج بين الشكل والوظيفة يؤكد على أن الاهتمام بالشكل ليس مجانيا وإنما هو تعبير عن مدى الاهتمام بمدى قدرة المبدع على تحقيق أغراضه) ( 1)

هنا أريد أن أشير إلى أن مفهوم الشكل ليس على معنى الوعاء المجرد الذى ينصب فيه المضمون بل الشكل هو التعبير والبناء معا والقدرة على-توتير الجدل-إن صح التعبير بين العناصر الجمالية الشكلية لخلق الدلالات الإنسانية للقصة وذلك من خلال الاستجابة سواء-لدى الكاتب أو القارئ- لمفاهيم التوازن والوحدة والاستمرار فى بنية الشكل نفسه بمعنى أن يتحقق فى النص هذا التوازن بين العناصر الجمالية التى تتفاعل من خلال وحدة انطباع إنسانى ما فى كافة مكونات الشكل القصصى، وعندما يتجادل الرمز وما له من محددات فنية مع الشكل القصصى وما له من محددات جمالية،يصير الشكل الرمزى للقصة ذا دلالة خاصة (فالشكل ليس الرموز وإنما هو التعبير الكلى بالرموز..فليس المخطط الهندسى للقصيدة ـ أو القصة-هو شكل القصيدة أو القصة-بل الشكل فى العمل الأدبى التعبير البنائى وليس المخطط الهندسى)  (2)

فإذا انتقلنا إلى المجموعة القصصية(أحوال) للروائي والقاص التونسي المحسن بن هنية وجدنا القاص فى قصة ( السفير) يدخلنا إلى عالم الطفولة العذبة الذى يظل أفق ابتسام على مدى عمرنا كله،والكاتب يبنى قصته من مواد الواقع الحسية من حكايا الجدة:” “حضرت الجدّة لم تتغيّر كما هي تحنو على حفيدتها.أنا الذي تغيّر..فأصبحت طفلا يتوسّد ركبة الجدّة.أصابعها تبحث عن فريسة تختبئ في شعري.

وهي تقول:”علّي إسمو بالصّاد و مشى يصطاد لقاها هي… لحقوا خوه جابوها حيّة..”

هكذا تفعل معنا قبل كلّ حكاية.تختبر مدى قدرتنا على الفهم والتأويل.فتطرح لغزا كهذا.فإن توصّلنا إلى حلّه حكت لنا حكاية.أو تحجم عن الحكي ولكن قليلا ما تفعل”.جميع هذه المفردات التى تشكل أفق الطفولة تنير وتسطع لدى الكاتب الذي يتركنا منفتحين على إيحاءات جمة ودلالات خصبة،أو هو يتركنا فى مفترق طرق جمالى-إن صح التعبير-ولنا أن نسلك طريقنا الجمالى حيث شئنا فى الفهم والإدراك،وهذا من ميزات الرمز الكبرى التى يختلف بها عن كافة صور المجاز فى التشبيه والاستعارة والكناية،وإذا رجعنا إلى المنهجيات اللسانية فى تحليل الخطاب الأدبى وجدنا ما يساعد على التمييز بين بنائية الرمز وبنائية الصور الجمالية الجمالية الأخرى( فالفارق الأساسى بين الرمز والاستعارة يكمن فى الوظيفة التى يسبغها كل منها على التمثل الذهنى الذى يطابق المدلول الشائع للكلمة المستعملة وهذا يمكن أن ندعوه بلفظة (صورة) ففى البناء الرمزى،يكون إدراك الصورة ضروريا لفهم المعلومة المنطقية التى تتضمنها المقولة.على العكس من ذلك البته انتقال المعلومة وفهمها فى الاستعارة وجود هذا الوسيط..وفى حين يتوجب فهم الصورة الرمزية فهما عقلانيا لكى يتم تفسير المرسلة،لا تدخل الصورة الاستعارية فى البناء العقلانى للمقولة ذلك لأن المضمون الإعلامى لهذه الأخيرة يستخرج دون اللجوء إلى التمثل العقلانى (3)

وهذا يعنى أن علمنا المسبق بالمواضعات اللغوية والاجتماعية لرمز (البراءة) له توجيه أساسى فى مدى وعينا بالدلالات الحسية التى جسدها السرد فى القصة،حيث تتجسد البراءة في العذوبة والطلاقة والبساطة،ويدفع بنا الكاتب (المحسن بن هنية) إلى أعماق إنسانية أخرى للبراءة لينتقل الرمز إلى أبعاد كونية أكثر عمقا واتساعا،فتصير البراءة بذلك اتحاد المخلوقات بالمخلوقات، واستدماج الذات الإنساية الصافية..”حضرت الجدّة لم تتغيّر كما هي تحنو على حفيدتها.أنا الذي تغيّر..فأصبحت طفلا يتوسّد ركبة الجدّة. أصابعها تبحث عن فريسة تختبئ في شعري.وهي تقول:”علّي إسمو بالصّاد و مشى يصطاد لقاها هي..لحقوا خوه جابوها حيّة..”

هكذا تفعل معنا قبل كلّ حكاية.تختبر مدى قدرتنا على الفهم والتأويل. فتطرح لغزا كهذا.فإن توصّلنا إلى حلّه حكت لنا حكاية.أو تحجم عن الحكي ولكن قليلا ما تفعل.

” كان سلطان برّ العرب من سلالة سلاطين هذا يخلف هذا الابن يخلف الأب.أمّا إذا كان للسّلطان أكثر من ولد.

-إمّا أن يقتل الأخ أخاه حتى ينفرد بالسّلطة بعد حرب ضروس أو تقسّم البلاد والعباد والمدن والمواني والمطارات فتصبح السّلطة ذا حريم واسع وأمّا إذا أنجب أكثر من اثنين فبلاد العرب واسعة وقابلة للتّقسيم فما العيب وهم أمة واحدة أن يصبح فوق كل ّبيت علم، فيحتلّون كراسي في مجلس الأمم.

توقّفت جدّتي لعلّها تستردّ أنفاسها أو توشّي الحكاية بالتّشويق لتزيد بذلك لهفتنا ورغبتنا في معرفة تطوّرات الأحداث…”

مأ أرغب فيه..؟

أرغب قبل الحديث عن الشّخصيّة في المنجز القصصيّ السّياسيّ العربيّ (قصة-السفير-للروائي والقاص التونسي المحسن بن هنية-نموذجا)، في توضيح مرادي بإيجاز من ثلاثة مصطلحات أساسيّة، هي: السّياسة والشّخصيّة والقصّة.

مصطلح (السّياسة) مصطلح واسع في الواقع الحقيقيّ غير الفنّيّ،يشمل القرارات المتحكِّمة بقضايا المجتمع، من الطّعام والزّواج والتّعليم إلى الصِّناعة والاقتصاد.فأمور المجتمع تخضع كلّها للقرار السّياسيّ الذي يصنعه الحاكم لضبط حياة المحكومين.

وهذا ما أشار إليه بأسلوب فني الكاتب-بن هنية- ولكنّني،في التّحليل الفنّيّ للنّصوص المتخيَّلة،سأكتفي بقضيّة واحدة،هي قضيّة العلاقة بين المحكوم والحاكم،وخصوصاً أسلوب الحاكم العربيّ،صانع القرار،ومُنفِّذه،وعلاقات أعوانه بالنّاس.وليس المقصود بالسّياسة هنا وفي الواقع الخارجيّ الحقيقيّ (علم السّياسة)،ولا (الفلسفة السّياسيّة) لأنّ علم السّياسة يعني النُّظم السّياسيّة الهادفة إلى تحديد المبادئ العامّة،والمناهج العلميّة المستخدمة في الوصول إلى التّعميمات الخاصّة بالحياة السّياسيّة. 

في حين تعني الفلسفة السياسيّة دراسة الأفكار السّياسية،وتأمُّل منظومة قيمها وأبعادها الزّمنيّة.

أمّا مصطلح القصّة فأقصد به النّصوص الإبداعيّة التّخييليّة الحكائيّة التي رصدت علاقة المحكوم بالحاكم وأعوانه،ولن أهتمّ بالقصص الوعظيّة غير التّخييليّة،لأنّ الإبداع القصصيّ شرط لتجسيد الإمتاع والإقناع والتّأثير،أي أنّ السّياسة في المنجز القصصيّ السّياسيّ،في حدود الحديث الرّاهن،هي التّعبير الأدبيّ الإبداعيّ عن طبيعة الحُكْم وأسلوبه وتجلّياته كلّها في المجتمع العربيّ.

أمّا الشّخصيّة فأقصد بها ما صنعته لغة القاص على هيئة الإنسان القادر على ابتداع الحدث القصصيّ والتّفاعل معه، وتجسيد فكرته،وقد أبدع (للأمانة) المحسن بن هنية في هكذا أسلوب فني سردي. 

هذه الشخصيّة الفنّيّة التي صنعها القاصّ-بن هنية- باللّغة تختلف عن الإنسان في الواقع الخارجيّ الحقيقيّ في أنّها معروضة من جانب واحد ضيِّق مناسب للحدث أو الفكرة التي يرغب القاصّ في التّعبير عنها،وليست معروضة من جوانبها كلّها.أمّا متعلّقاتها،كالإسم والصِّفات الجسديّة والأخلاقيّة،التي تحاكي الإنسان في الواقع الخارجيّ المحيط بالقاصّ وقرّائه فالغرض منها إيهام المتلقّي بأنّه يقرأ شيئاً حقيقيّاً عن إنسان حقيقيّ…

في هذا السياق نقرأ شذرات من

قصة-السفير-للمحسن بن هنية”رأيت أنّ الأمر تجاوز مجرّد الحكاية وتجاوز ذهنية النّائم فاستفقت غاضبا مذعورا أدرت زرّ جهاز التلفزيون فهجم الظّلام على الغرفة فتطايرت الصّور والخيالات. 

فلا سفير ولا سلطان ولا حتى أنفاس جدّتي أو صوت أنديرة غاندي إلا ّبعض الدّفء في أحضان السّرير وأفكار شاردة تدور في ذهني أدفعها حينا فتعاودني آخر لتنفجّر في شكل أسئلة حارقة ومحيّرة. فاستنجت بمنجد الطلاّب حتى أحدّد جذور و مصدر كلمة “سلطة” فقرأت:

“السُّلطَةُ” هي “المُلك والقُدرة” ثم بحثت عن الجذر فلم أجد جذرا واضحا فاكتفيت بهذا النّعت “سَلطَ”..كان سليطا.وفي أُخرى أسلّطُ،سلّط عليه  وأطلق له القدرةَ و القهرَ” و أرى أيضا، “تسلّط”أي صار مُسلّطا عليه.

و عند الصّباح مررت بالمقهى ووددت أن أسرد على مسامعي بعض ممن أعرف كوابيس حكاية السّفير والسّلطان فكانت دهشتي أكبر عندما رأيت هؤلاء المعارف كل يبتعد عنّي ويُشيح بوجهه مدبر وعندما أمسكت أحدهم من كتفه تأفّف منّي و ردّ عليّ وكأنّه لا يعرفني من قبل.

-.. تجنّبني يا هذا…إنّ للجدران مسامع وعيون.”

ما أريد أن أقول؟

أردت القول:

لقد جابهت الشّخصيّات في المنجز القصصيّ السّياسيّ السّلطة مكتفيةً بالإيحاء الرّمزيّ بأنّها ظالمة قاهرة مستبدّة (يتجلى هذا الأمر في قصة السفير لبن هنية)،وكأنّها كانت تدعو بشكل غير مباشر إلى سلطة ديمقراطيّة يعيش النّاس فيها بحرّيّة، ويتمتَّعون بالكرامة الإنسانيّة.وهذه هي الحدود التي تقف الشّخصيّة القصصيّة عندها،ولا تجاوزها إلى تحديد ماهيّة السّلطة بدلاً من تعميم شخصيّتها الاعتباريّة التي تمسّ كلّ سلطة ولا تحدِّد سلطة معيَّنة،أو تُحدِّد المكان والزّمان القصصيّين بدلاً من تجريدهما،هرباً من التّخصيص الذي يقود إلى المساءلة.

أعتقد،أيضاً،(وهذا الرأي يخصني) أنّ القاصّين العرب لم يتّعظوا من إخفاق تجاربهم في زعزعة السّلطة في ثمانينيّات القرن العشرين وتسعينيّاته، أو قيادتها إلى سياسة حكيمة عمادها الحرّيّة وحقوق الإنسان. 

وليس السّبب في ذلك أنّ صوت منجزهم القصصيّ السّياسيّ كان ضعيفاً،ولكنّ السّبب هو أنّ بنية السّلطة كانت من الصَّوَّان،بحيث تكسرت عليها الرّموز الشَّفيفة وغير الشّفيفة،والتّفصيلات القصصيّة السّاخرة وغير السَّاخرة.أو قُلْ إنّ السّلطة العربيّة لم تكترث بالنّقد الرّمزيّ مادام بعيداً عن تسميتها،وعن الإشارة إليها مباشرة. وعلى الرّغم من أنّ الاقتراب الرّوائيّ العربيّ كان أكثر غزارة وتفصيلاً وإيلاماً للسّلطة بتقديمه ما أصبح يُعرَف في الدّراسات النّقديّة بروايات السّجن السّياسي(4)،فإنّ الاقتراب الرّمزيّ التّعبيريّ بقي العلامة البارزة للمنجز القصصيّ السّياسيّ العربيّ. 

ويُخيَّل إليَّ أنّ القصّة القصيرة جدّاً التي ازدهرت في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين (القاص التونسي المحسن بن هنية أبرز روادها)، كانت أكثر بلاغة في أثناء اقترابها من قضايا السّياسة،وفي أثناء ترسيخها الرّمز على أنّه الوسيلة الفضلى في نقد العلاقة السّياسيّة الشّائكة داخل المجتمع العربيّ.يُضاف إلى ذلك كلّه أنّ المرء يدعو لعبد اللّه العروي*بالخير،لأنّه طرح في وقت مبكِّر من حياته الفكريّة مسألة (هويّة الحاكم)،دون أن يسمعه أحد،لأنّ العرب كانوا في خمسينيّات القرن العشرين وستينياته مشغولين بالدّعوة إلى التّحرُّر من التّبعيّة للغرب،فقبلوا حُكْم العسكر دون أن يفكِّروا بأبعاد هذا القبول وتبعاته. وللسّبب نفسه يتساءل بعض المفكِّرين العرب الآن عمّا إذا كان الحاضر،حاضر الثّورات العربيّة،الذي يُهدَّم بكلّ هذا العنف والقسوة،قادراً على أن يُحرِّرنا من أغلال التّقديس للبطل والعسكر والغرب..

قبعتي..أيها المبدع التونسي المحسن بن هنية..

ولنا عودة إلى قصتك-اللذيذة-عبر مقاربة أخرى مستفيضة..


محمد المحسن


المصادر والمراجع:

1) فؤاد دوّارة: نجيب محفوظ من القومية إلى العالمية، الهيئة المصرية العامة للكتاب،القاهرة 1989، ص 243

2) فاضل السباعي: حزن حتى الموت، الأهلية للنشر والتوزيع،بيروت،1975.

3) عبد الرحمن مجيد الربيعي: الشاطئ الآخر، قراءة في كتاب القصة العربية،الدار العربية للكتاب،ليبيا/ تونس،1983،ص 167

4) انظر حول هذا الموضوع:

-نزيه أبو نضال: أدب السجون، دار

الحداثة،بيروت 1981

-سمر روحي الفيصل (د): السجن السياسي في الرواية العربية،اتحاد الكتاب العرب،دمشق، 1983 (صدرت الطبعة الثانية عام 1994 عن دار جروس برس، طرابلس/ لبنان)

-طه وادي (د): الرواية السياسية،دار النشر للجامعات المصرية،القاهرة 1996

*عبد الله العروي (مواليد 7 نوفمبر 1933) هو مؤرخ وروائي ومفكر مغربي،يُعتبر من المفكرين الذين اتخذوا التاريخانية الجديدة مذهبا وفلسفة ومنهجا للتحليل،كما يُعد العروي أيضا من أنصار القطيعة مع التراث العربي والإسلامي ومن دعاة تبني الحداثة الغربية كقيمة انسانية.حصل على جائزة شخصية العام الثقافية في الدورة الحادية عشرة لجائزة الشيخ زايد للكتاب 2017.



بَينَ اثنَينِ بقلم الشاعر محمد جعيجع

 بَينَ اثنَينِ :

.............................. 

سَمِيرٌ جَلِيسٌ نَدِيمٌ وَ تِربٌ ... 

أَنِيسٌ زَمِيلٌ صُحَيبٌ صَدِیقُ 

صَفِيٌّ نَجِيٌّ خَلِيلٌ وَ خِلٌّ ... 

 عَشِيرٌ حَمِيمٌ قَرِینٌ رَفِيقُ  

.............................. 

محمد جعيجع من الجزائر  - 05 ديسمبر 2025م 

.............................. 

مراتب الصداقة (من الأقل للأعلى) : 

.............................. 

التِّربُ : مَثِيلُكَ فِي السِّنِّ. 

الزَّمِيلُ : رَفِيقُكَ فِي العَمَلِ أَوِ الدِّرَاسَةِ. 

الجَلِيسُ : مَن تُشَارِكُهُ المَجَالِسَ. 

السَّمِيرُ : مَن يُحَدِّثُكَ لَيلًا. 

النَّدِيمُ : رَفِيقُكَ فِي الشَّرَابِ. 

الصَّاحِبُ : مَن يُلَازِمُكَ فِي أَغلَبِ الأَوقَاتِ. 

الرَّفِيقُ : مَن يُرَافِقُكَ فِي السَّفَرِ. 

الصَّدِيقُ : مَن يُصَاحِبُكَ بِصِدقٍ. 

الخِلُّ : مَن يُبَادِلُكَ الوُدَّ وَالصِّدقَ والمَحَبَّةَ الخَالِصَةَ. 

الخَلِيلُ : مَن أَصفَى المَوَدَّةَ وَأَخلَصَهَا، وَلَيسَ فِي مَحَبَّتِهِ خَلَلٌ عَلَى الإِطلَاقِ.   

الأَنِيسُ : مَن يَأنَسُ بِهِ قَلبُكَ وَتَسعَدُ بِوُجُودِهِ. 

النَّجِيُّ : مَن يُمكِنُكَ مُنَاجَاتُهُ بِأَسرَارِكَ الخَاصَّةِ. 

الصَّفِيُّ : مَن يَكُونُ لَكَ مُخلِصًا نَقِيًّا. 

القَرِينُ : مَن يَكُونُ فِي مُعامَلَاتِهِ الرُّوحِيَّةِ وَالعَمَلِيَّةِ قَوِيًّا وَاتِّصَالُهُ بِكَ عَمِيقًا.  

الحَمِيمُ : قَرِيبٌ تُحِبُّهُ وَيُحِبُّكَ. 

العَشِيرُ : مَن يُشَارِكُكَ شَيئًا مُعَيَّنًا يَجعَلُهُ مُقَرَّبًا مِنكَ، وَتَرتَاحُ إِلَيهِ.



الخميس، 8 يناير 2026

طائراتٌ تقصِفْ وسجونٌ تخطِفْ ورياحٌ تعصِفْ وَسُيولٌ تجْرُفُ ما تبقى مِنَ الخيام والبشر وهُم جائعون! ولا حوْلَ ولا قوّةَ إلاّ باللهِ العليّ العظيم! بقلم الشاعرة عزيزة بشير

 طائراتٌ تقصِفْ وسجونٌ تخطِفْ ورياحٌ تعصِفْ وَسُيولٌ تجْرُفُ ما تبقى مِنَ الخيام والبشر وهُم جائعون! ولا حوْلَ ولا قوّةَ إلاّ باللهِ العليّ العظيم!


زاد البلاءُ وأهلُ غزّةَ يَغْرَقونْ  

 والرّوحُ تُزهق بالقنابلِ …..والسُّجونْ


غاراتُ فَوْقَهُمو  وطوفانٌ يجولْ

وَضَحايَا تغرَقُ والأحِبّةُ ……..جائعونْ


والماءُ غَطّى مَن تبقَّى ،مُشرَّداً

في خيْمَةٍ جرَفَتْهَا أمطارُ …….المَنونْ


مَن كان في شِبْهِ البيوت مُدارَياً

هَدمَتْها أمطارٌ ونيرانٌ …………خَئونْ


ألبيْتُ  هُدِّمَ  والخِيامُ تطايَرَتْ

والأمنُ طارَ مَعَ العَواصِفِ ……والبنونْ


والأُمُّ تحتَضِنُ  ابْنَها  مَرعوبَةً

غَرَقٌ وقصْفٌ لِلعدُوِّ ،……كَما الجُنونْ


والبردُ قارِسُ  والرّياحُ  شديدةٌ

والكُلُّ في وَسَطِ الزّوابعِ …….يرْجُفونْ 


ياربِّ  كلٌّ  في  حِماكَ   فَنَجِّهِ

فالرّيحُ ريحُك والزّوابِعُ ……والشّؤونْ


والنّصرُ وعدُكَ والعدوُّ  بأمرِكُمْ

والنّارُ نارُكَ تصْلِي فيها ……المُذنِبونْ


ربّاهُ  كلٌّ يستجيرُكَ  راجياً

والكوْنُ كوْنُكَ ، ما أردْتَ بِهِ…… يكون!


عزيزة بشير



حين يغيب الحاضر ويخلد الغياب بقلم الكاتبة حنان أحمد الصادق الجوهري

 حين يغيب الحاضر ويخلد الغياب

**************************

نمر في الحياة بلحظات نعيشها بخفة العابرين.. لا ننتبه لوهجها ولا نمنحها ما تستحق من انتباه. تمر علينا بلا ضجيج نعيشها ببراءة ونظن أن السعادة شيئاً أكبر سيأتي لاحقاً.. بينما كانت السعادة معنا.. تضحك في وجوهنا.. تنتظر ان نراها.. ثم يمضي العمر خطوة خطوة

ويأتي وعيٌ متأخر كضوء خافت يسلط نفسه  فجأة علي

الماضي فنكتشف أن تلك اللحظات التي لم نتوقف عندها كانت أبهى ما امتلكناه يوما

نكتشف أننا لو أدركنا قيمتها وقتها لاحتضنا الوقت بكل ما فينا من قوة وشددنا عقارب الساعة بأيدينا المرتعشة.. ولقلنا للثواني تمهلي.. فنحن لم نأخذ كفايتنا بعد.. لم نأخذ كفايتنا من الضحك والقرب والتفاصيل الصغيرة التي بدت وقتها بلا أهمية وكانت في الحقيقة هي روح الحياة

نفسها.. كم من وجوهٍ عبرت حياتنا ونحن نظنها ثابتة.. فإذا بها تتحول مع الزمن لذكرى ساكنة  لا تغادر القلب مهما غابت عن الطريق وكم من أصواتٍ كانت تملأ المكان ثم صارت همساً بعيدًا نستحضره في لحظات الصمت الطويل.. لم نكن نعلم أن بعض الناس ينسحبون من المشهد بهدوء.. ثم يقيموا في الذاكرة.. إلى الأبد

المؤلم الجميل.. أننا الآن نعيش مشاهد لن تعود إلينا يوماً ما..نعيش لحظات سنراها لاحقاً من مسافة العمر

فنبتسم بحنين موجع وتدمع أعيننا دون استئذان ونقول بصوت مرتجف.. آهٍ لو تعود تلك اللحظات نعيشها بوعيٍ أكثر ونحتضنها بالروح

سنشتاق لأيام حاضرنا الآن.. لأناسٍ نحبهم إلى حد الإمتلاء دون أن ندرك أن الزمن قد يأخذهم إلى اتجاهٍ آخر.. أو يأخذنا نحن..

لعل أفضل الحكمة التي تعلمتها مع العمر.. أن نحب ببطء ونحضر في حياة أحبتنا بعمق ونحافظ على سلامة قلوب من نحبهم  من الحزن ونشبع قلوبنا و أرواحنا من حضورهم قبل أن يغير الزمن شكله في حياتنا فبعض اللحظات لا تعاد.. وبعض الأشخاص لا يعود منهم بعد حين إلا ذكري قادرة أن تذيب القلب وترفعه إلى سماواتٍ بعيدة من الشوق والحنين

ولا زلنا نمضي في الحياة.. نحمل في قلوبنا ماضياً نشتاق إليه.. وحاضراً لا ندرك قيمته بعد.. ومستقبلاً سيمنحنا يوماً ما ذاكرةً أخرى.. نبكيهاونبتسم في آنٍ واحد.. كأن الحياة تدريب طويل على الحب والوداع وتعلم كيف تحتضن اللحظة قبل أن تتحول إلى حنين.

                       بقلم :حنان أحمد الصادق الجوهري



قَلْبٌ لا يُبارِك بقلم الكاتبة هدى عز الدين

 قَلْبٌ لا يُبارِك


ضِيقُ صَدري

كَمَمَرّاتِ أَنْفاقِ قَسْوَتِكُم،

أَيُّها العَابِرونَ قَلبي.

تَثَلَّجَتْ دِمائي

بَعْدَ مُرورِكُمُ الأَخير،

وأُعْلِنُ

ارْتِجاعًا جَديدًا

لِمِتْراليِّ الأَلَم.

لا أَبَ لَكُم،

قُلْتُها

لا شَتْمًا،

بَلْ سَحْبًا لِلْمَعْنى،

لَعَلَّ الفَضيحَةَ

أَكْثَرُ رَحْمَةً

مِنْ رُوتينِكُمُ اليَوْمِيِّ.

نَصّي عَبَثيٌّ

كَما العَالَمُ،

وأَنا

ابْنَةُ الجَريمَة،

مُنذُ أُودِعت في رَحِمي

نُطْفَتُكُمُ الخَبيثَة.

أَيُّها الرَّبُّ،

لَنْ أُبارِكَ تِلْكَ العَطِيَّة،

لَنْ أُبارِكَ

ما وُلِدَ

بِلا رَحْمَة.

هدى عز الدين



يا حلّة الحبّ ... بقلم الكاتب: دخان لحسن. الجزائر

 يا حلّة الحبّ ...

 

البسي غضبي أو صمتي

واقطفي من البستان أزهاري

دعيني أقتبس

من الانتظار قاموس جماري

لا تنطفئي فالأشواق 

وقود ناري

دعيني أرى وجهك بين الرّبى

قربه حدود أمتاري

دعيني أسافر تدلّني إليك

مصابيح فتيلها أنواري

دعيني أرحل إلى عزلتي

ولا أعيش دونك بين الماء والنّار

دعيني أشرب رضاب الغيّاب

على البوح بأسرار سمّاري

طيفك موج يرتجف

كأنه عبابُ بحر حجب أنظاري

منايا كالسحب 

تولد وتمطر دمعَ أشفاري

كم أحدّق في سراب الحضور

لأختزل مسافات مساري

ولظلامك ألوذ سابحا في عتماته

لا ينافسني عليك إلّا اختياري

أريدك تمشّطين السّماء

وتصلّين بالتسبيح وراء أقماري

دموعك في الكون

ترسم لوحة توشح ليلي ونهاري

يا حلّة الحبّ فكّي القيد 

واجلسي على ضفاف أنهاري

ولا تختبئي وراء قلب 

احترق بين عواصفك وإعصاري

متى تندمل جراح شوقك

وتأتيني يقينا مثل نغم أوتاري...؟

متى تقتربين ...؟

أو أفتّش عن مقصلة الغياب

أثبتها عمدا بين فجوات الديّار

إذا ما سهادك تمرّد

أردّ عليه بعنادي وإصراري

لقد ألفتك امرأة 

تحت جناح الحبّ مسالمة 

تفكّين طلاسم فنجاني

وتقرئين بين السّطور أذكاري

ألفتك تبدّدين مخاوفي

 وتوزعين على عواطفك أخطاري

فاكتبي سلامي في دفاتر اللقاء 

بين حضوري أو احتضاري 


بقلمي: دخان لحسن. الجزائر

          05.01.2026



قبلة الصباح المؤجلة بقلم الشاعر محمد علي الفرجاوي

 قبلة  الصباح  المؤجلة 


في هدأة الصباح،

حين ينساب الضوء

على خصلاتك المتعبة

من الحلم،

يجلس الفنجان بين يديك

 كعاشقٍ صغيرٍ

يترقّب موعد القبلة الأولى.


يختبئ البخار خجلاً،

يتلعثم

 بين شفاه الفنجان

 ولهيب أنفاسك،

ويكتب على سطح القهوة

 حروفًا من لهفةٍ لا تُقال.


تقتربين برهافةٍ أنثوية،

توشك الشفاه

 أن تلامس الحافة،

فيصمت العالم…

تتوقف اللحظة

 بين نكهة البنّ،

وعطر أنفاسك

 الذي يسكب

 الصباح في عروق الورد.


يا امرأةً،

لو رآك الشعراء

 لاكتفوا بفنجانك عن كل القصائد،

ففي ابتسامتك يذوب السُّكر،

وفي حضورك تفقد القهوة مرارتها،

وفي نظرتك…

يُصبح الصباح أجمل من الحلم

 بقلم محمد علي الفرجاوي



~~ لأجلكِ غزة ~~ بقلم الكاتبة لطيفة الشامخي _ تونس

 ~~  لأجلكِ غزة ~~

أجلكِ غزة..

    لأجلكِ أكتب

    لأجل أطفالك العالقين

    في طٓمِّ المياه

    لأجل الرّضّع الذين نفقوا

    لأجل بيت كان الملاذ

    من برد الشتاء

    فصار سؤالا تجمّد

   على الشفاه

    لأجل رائحة الخبز

    في أفواه الرياح

    أكتب..

    لأجل الحدائق النافقة

    لأجل الشوارع

    و الأرصفة الغائبة

    لأجل الرجال المنتصبين

    وراء البنادق

    و الأمهات اللواتي

    أضناهن الكٓمٓد و الموت

    لأجلكِ غزة..

   لأجل الأسير المسحوق

    في زنزانته

    لأجل سماءك الغائمة

    و أرضك مبتورة الأطراف

    لأجلكِ أيتها البعيدة.. الوحيدة

    أكتب..

    و يرسمك قلمي

    بحبر الوجع

    لترتسمي في الذاكرة

    و لِتٓبقى الذاكرة

    ذاكرة.


 بقلمي: لطيفة الشامخي _ تونس

    كتب في 14 ديسمبر 2025



"بين نارين" بقلم الشاعرة أحلام العفيف تونس

 "بين نارين"

تعبت من الحبّ الذي ما أنصف 

أحياني شوقا ثمّ أمسى مُتلفا 

أمضي إليك فأعود أحمل خيبة 

وأغدو أقاوم  بين الضلوع تحرّقا

مابين خوف الاقتراب ومرّه

ضعت، فلا القرب أنجاني 

ولا البعد أشفق

أدنو فأخشى أن أذوب تعلّقا 

وأغيب عندا فيصير البعد أشقى 

وأفرّ منك فيحتويني صمتنا

رجفُ الحنين يُفيق القلب قلقا

إن غبت صار الوقت فراغا موحشا 

وتكسّرت أيّامي ذكرى وأرقا 

وإذا آقتربت خفت صوت لهيبنا

 فالحبّ يفضح في الفؤاد ما انغلقا 

علّمتني كيف أكون قصيدة 

ثمّ آنصرفت وتركت الحرف معلّقا 

إن جئت أبحث عنك ضيّعني المدى 

وإن هربت ألقاك في جميع الطّرقا 

لا الليل يرحم دمع عيني إن بكت 

ولا الصّباح أعاد الحلم مشرقا

وإن قلت يكفيني يفيض حنيننا 

ويعود الفؤاد لعشقك متشوّقا 

حتّى الدعاء ،إذا رفعت به يدي

عاد إليّ منكسرا،مختنقا

علّمت قلبي أن يقاتل صبره 

حتّى غدا بالصّبر أشدّ تمزّقا 

ما عاد في صدري مكان للرّجا 

آحترت في حبّك أغيب أم أبقى؟

بين نارين ما نجوت من الهوى 

في القرب نار وفي البعد آحترقت حرقا


بقلمي أحلام العفيف تونس


النّهرُ الخَالد.. (( هو ذَا الفُرات ..)) بقلم الشاعر هادي مسلم الهداد

 النّهرُ الخَالد..

(( هو ذَا الفُرات ..))

======***======

 هو ذَا الفراتُ  العذْبُ  ياأحبابُ

 إبنٌ وفيٌّ للعراقِ شَبابُ !


رَضَعَ الحياةَ منَ الشّموخِ عَواليا

ثمَّ اسْتَوى فوقَ الثّرى مُنْسَابُ 


بَدأ الخُطى حَيْثُ الورى ترحابُ

حتّى ارتَدى أفْقَ المَدى جلبابُ 


أضحى مَلاكاً سائراً مُتهاديا 

 يَروي الظّما  مَلأَ الفَلا أطيابُ! 


  شَفتاهُ من عطرِ الزّهورِ رضَابُ

 والزّهو رفقٌ والجمالُ خطابُ 

 

   تَتَلأْلَأُ الأضْوَاءُ في جَنباتهِ

   فَيلوحُ من خَللِ الظّلامِ شهابُ! 


  كالعَسْجدِ المَنثورِ يُضفي بَهْجةً

   ويَضوعُ شَهْداً والنَّسَيْمُ رحَابُ


   ولطَالما أمسى المَلاذَ مَساءهُ

 فَدَعَا الأَنامَ إلى الضّفافِ فَطَابوا

........ 

   هذَا أنا المَفتونُ دونكَ ظَامئا

  فَاجْعَلْ رَجائي  والمُنىٰ أقطابُ


  دَعْ مَاءكَ العَذبَ النّميرَ مُساقيا

  وارْحَمْ فََنبْضي عاشق ٌ مُرتَابُ

....... 

   يانَهرُ لاتُخْفي المَشاعرَ بيْنَنا

         دَعها ودَعْنَا إنّنَا .. أَصلابُ 


 نَازَعتُ أفكاري لديكَ وهَا أَنا

        أَدعوكَ عَزماً  للعراقِ عُبابُ! 

 

 شَمّرْ رِدَاءكَ يافراتُ وهَاتنا 

    إنَّ الدّعاءَ من الفراتِ مُجابُ !

  

وجدٌ فَريدٌ يافراتُ شَواردي

          أرنو جَفَاءً والهوى غَلّابُ


  دَهرٌ يشدُّ على العَريْقِ تَجاهلا

       وتَراهُ سَمْعاً للسَفيهِ جَوابُ!


  زَخمٌ هي اللّاآتُ بينَ خَوافقي

         كُثرٌ همُ  الأربابُ والأَذنَابُ! 


  إنَّ الخطابَ معَ الفراتِ تَواصلٌ

      إنَّ العتابَ معَ الزّمانِ  كتابُ! 

بقلم..  

//هادي مسلم الهداد//

البحر الكامل..



من سيقول لنا… بقلم الكاتب سعيد إبراهيم زعلوك

 من سيقول لنا…


من…

من يفتحُ الظلَّ،

فتتساقطُ ضحكاتُنا كحَبّاتِ ضوءٍ،

تدور… تطفو… تختفي…

يهمسُ الهواء باسمِنا،

والنجومُ تُعادُ ترتيباتُها بلا علمِنا.


من…

من يقرأُ أحلامَنا،

فتنبثقُ الزهورُ من المطرِ،

تجلسُ على حافةِ الغيابِ،

تراقبُ خطواتَنا الخفية،

تسرقُ الصمت… وتعيدهُ للليل… خافتًا… خافتًا.


من…

من يرسمُ وجوهَنا على مرايا الهواءِ،

فتصبحُ أشباحًا تغني باسمِنا للأرضِ البعيدةِ،

تزرعُ لنا عيونًا لم نعرفها بعدُ،

وجودُنا حكايةٌ لم تُحكَ،

وشريطٌ بلا بداية… بلا نهاية.


من…

من يسمعُ صدى القلوبِ كما يسمعُ البحرُ صراخَ النجوم؟

تتموجُ أشباحُنا… أشرعةٌ بلا قوارب…

يتراقصُ الصمتُ بين أصابعِ الليل،

ويكتبُ قصصًا لا يعرفها أحد.


من…

من يزرعُ ضوءَنا بين ظلالِ الصمت؟

يعرفُنا قبل أن يعرفنا أحد…

ويجعلُنا نبتسم للظلام،

نطفو فوقَ الوقتِ،

نختبرُ اللحظة… اللحظة… أبدية.


من…

من سيحكي عنّا؟

أم يرقصُ كلُّ شيءٍ وحده؟

بين نهرِ الغيابِ والسماءِ المتعبةِ،

قوسُ المطرِ المنسي… وصوتُنا لم يُسمع بعد…

كطفلٍ يصرخُ في غرفةٍ بلا جدران،

تتساقطُ الكلمات… أوراقُ خريف…

وتتلاشى بين أصابعِ الزمن.


من…

من يقطفُ قلبَ الليل،

ويضعه في كفِّ الغياب؟

ليعلّمنا أن الحياةَ حلمٌ مستمر…

نعيش بينَ الضوءِ والمطرِ،

بين صرخاتِ النجوم وصمتٍ يبتلعنا،

نتحرك بلا أجساد،

ونتذكر كل شيء… ونفقد كل شيء… في آنٍ واحد.


سعيد إبراهيم زعلوك



نفاق غانيتي لم يكتمل*** بقلم الشاعر علي مباركي

 نفاق غانيتي لم يكتمل*** بقلم علي مباركي


ركع الفؤاد غوى لحب قد أفل

بنفاقها قيد السجون بها أحل 

ولها كرامة كاذب أبها الخلل 

ورصيدها في الحب خبث متصل

كانت تحوك نسيجها وبلا خجل

بهتانها لم يفته بند مضل

شابت غصون مناصر ولها العلل 

وعلى غنائم تذرف دمع المقل

خوانة لوعودها والوجد ثمل

قد صاده صدأ الزمان وما ارتحل

ولها المناهج في ابتكار المنتحل 

فخبائث قد تصدق ما لم تزل

تتجاسر كذبا على صحو أثل

شيطانة في همسها ترعى الذلل

في غنجها صخب الجمال المعتزل

وتمردت تتجاهر وصفا اكتمل

ما  تنطق  إلا  بدمع  منهمل

يضوي طريق العطف في قلب مغل 

فوشاح غانيتي طلاسم عقرت جمل 

أ ولم يكن باع لها في ما حصل 

ففواجعي حاكت لها كل السبل

ونواظري أمست ذنوبا لا تجل

وعلى هواجس نبضتي صغت الغزل

إحساس شاعرها بها لم يختزل


علي مباركي

سوسة في 07 جانفي

حين تحبس الأنفاس بقلم الكاتبة نفيسة التريكي

 حين تحبس الأنفاس 


و ...تاتي على النفس

أنفاس

بزفير النوى 

تهبّ بلفحة  

وتنفخ بفحيح 

لمجرّد

 ذكرى مظلمة 

ونزيف عمر جريح

 

نفيسة التريكي

سوسة

7@1@2025


اِرحَـلـي بقلم الكاتبة زهيدة أبشر سعيد - السُّودانُ .

 اِرحَـلـي


رحلَتْ  و  لمْ  تأخُذْ معَها أثـرَ

عطرِها و بهجةَ بقايا الشُّموعِ


كانَتْ  تتعطَّرُ  و تتنسَّمُ  دوماً

بجميلِ أثرِها الشَّهيِّ المرجوعِ


رحلَتْ دونَ دُموعٍ و هو ساكِنٌ

في الخاطـرِ  كالوردِ  المـزروعِ


مزروعٌ  هُنا  في حنايا   الرُّوحِ 

المُطربةِ بكُلِّ الأدواءِ والجُروحِ


أضـحَتْ  تبحَـثُ  عنْ  سـكينةٍ

بقلبِها الرَّقيقِ الهَزيلِ المفجوعِ


لا تسلمُ  منْ  زيفِ  الأشخاصِ

و  العهدِ  المُضطرِبِ  المخلوعِ


لمْ ترجَعْ تلكَ الأنثى المرسومةُ

كالفراشةِ في ثنايا  كُلِّ الرُّبوعِ


لكنْ  لمْ   تصمُدْ  و لنْ  تُجـادِلَ

تيَّاراتِ القلبِ الهمومِ المخلوعِ


ستعيشُ كمُجسَّـمٍ فارِهٍ جذَّابٍ

جمـيلِ   الحـياةِ   دونَ الـرُّوحِ


تتنقلُ   بينَ  ضجيجِ   الذِّكرى

و القلبِ   المطعونِ   المذبوحِ


سيَّانَ  عندَها  جبالُ   الحُـزنِ

و إنْ طالَتْ  في كُلِّ  السُّفوحِ


و سـتضحَـكُ أكثرُ   و   تمرَحُ 

منْ  كذبِ   الدُّنيا    المبحوحِ


 زهيدة أبشر سعيد - السُّودانُ .


العنونة..نافذة للولوج لعوالم النص الداخلية.. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 العنونة..نافذة للولوج لعوالم النص الداخلية..

يعد العنوان ركناً أساساً في العمل الأدبي،ذلك أنه يشكل المفتاح الإجرائي الذي تتجمع فيه الإنساق المكونة للعمل الإبداعي التي تصب في البؤرة ذات الحالة التكثيفية لمجريات الحدث داخل البنية النصية، ومن خلال هذه البؤرة تتشظى رؤى القاريء التي يكشف من خلالها عن جمالية الترابط بين عنوان العمل الأدبي وبين تلاحق الإنساق في الأحداث المتبلورة في بؤرة ذلك العمل. وقد أخذ العنوان أهمية بالغة الأثر في النتاج الأدبي من خلال عناية النقاد بهذا الجزء من العمل الأدبي كونه يمثل الصورة المكثفة التي تخبر القاريء عما تريد ان تقوله الأحداث عبر إشارات وقرائن تتشابك مثل نسيج العنكبوت لتضع القاريء أمام تجربة تفاعلية مع النص الأدبي،ونعني بالتجربة التفاعلية تلك التجربة التي يخوض غمارها القاريء من أجل الوقوف على جماليات النص عبر سلسلة من الإجراءات القرائية التي تبدأ من العنوان وتنتهي بخاتمة العمل الأدبي،وبذلك يكون القاريء قد وقف على رؤية إبداعية جديدة من خلال قراءته النص الأدبي منطلقاً من العنوان،ويمكن ان نطلق على هذه الرؤية الجديدة الهجينة بين معطيات النص الأدبي، وبين معطيات القاريء الثقافية القراءة الإنتاجية.

فالعنوان هو العتبة الأولى للنص الأدبي،وهو في الوقت نفسه العتبة الأخيرة التي يقف القاريء عند حدودها مطلعاً على النص من فوقية ليضع يده على مواطن الجمال التي أفصح عنها العنوان أولاً،لذلك فالعنوان يمثل الحركة الدائرية للعمل الأدبي،إذ ان نقطة البدء والانتهاء واحدة،ومن الجدير بالذكر ان العنوان في العمل الإبداعي لم يأخذ أهميته في الإبداع الأدبي الحديث والمعاصر فحسب،بل ان العناية بالعنوان قديمة قدم النقد العربي،وهذا واضح من خلال ما تعرض له نقادنا القدامى في كتاباتهم التي ذكروا فيها آراءهم عن أهمية العنوان،ولعل أبا بكر الصولي (335هـ) يعد أول من ذكر العنوان وبين حده، فقال :"والعنوان العلامة كأنك علمته حتى عُرِف مَنْ كتبه ومن كُتِبَ إليه"(1). فهو يجعل من العنوان علامة،ونحن نعرف ان العلامة هي الإشارة التي تتميز بها الأشياء عن بعضها..

وإذن؟

فالعنوان إذا،عند الصولي هو هوية الشيء أو الكتاب أو الرسالة،وهذا لا يختلف عما قلناه من ان العنوان هو المفتاح الذي من خلاله يمكن للقاريء الولوج إلى معطيات النص.

ولعل أول من أعطى العنوان استفاضة بالتحليل والأهمية من النقاد القدامى هو أبو القاسم محمد بن عبد الغفور الكلاعي (542هـ)(2)،إذ أعطى شرحاً وافياً لأهمية العنوان في أي نتاج أدبي،ذلك أنه يعد الدليل على فحوى ومحتوى الشيء،فيقول الكلاعي في العنوان إنه "ما دل على الشيء"(3). وهو بهذا التعريف لا نراه ابتعد عما ذهب إليه أبو بكر الصولي،فهما يقتربان في ان العنوان هو ما يدل على ما هية الشيء،ويكون علامة دالة عليه أي ان العنوان يشكل نقطة استثارة القاريء، واستفزازه لأجل تحقق الإمكانية التفاعلية بين معطيات كل من القاريء،والنص،والخروج فيما بعد بالقيمة الجمالية التي أوحى بها العنوان

وهنا أضيف:

يكتسي العنوان أهمية بالغة مع انتشار الطباعة ودخول المجتمعات مرحلة الحداثة الثقافية،وازدادت هذه الأهمية مع انتشار مجموعة من الأبحاث والدراسات التي حاولت أن تقارب إشكالية العنوان،وما تثيره على المستوى النظري والإجرائي،باعتبار أن لحظة قراءة العنوان مرحلة مهمة في العبور إلى قراءة النص وفهمه واستيعابه،ومما لا شك فيه أن احتقار اللحظة العنوانية وعدم تجشم قراءة العنوان بما تقتضيه من الاهتمام الكافي،والتركيز الشديد،قد يقود إلى فهم خاطئ لكلية النص،لذلك اتجهت هذه الدراسات والبحوث إلى دراسة العنوان كنص مستقل بذاته،ومن هذه البحوث دراستا ليو هوك Leo hoek: (نوعية العنوان La marque du titre،وسيميولوجيا العنوان La sémiotique du titre،بالإضافة إلى ما جاء به جيرار جنيث في الموضوع في كتابه معمار النص.

يتحدث جيرار جنيث في كتابه معمار النص عن العنوان باعتباره نصا صغيرا يختزل ويختصر النص الكبي،هذه الاستقلالية تقود إلى اعتبار العنوان وخاصة العنوان الشعري بنية لغوية يتركب من مفردات ينبغي دراستها تركيبيا ودلاليا للوصول إلى المرامي التي يتغيا الشاعر إبلاغها،هذا العنوان يتمظهر من خلال خطوط يمكن قراءتها سيميائيا على المستوى الخطي الكاليغرافي،وكذلك حيزه على مستوى الصفحة، بالإضافة إلى المرجعيات الثقافية والاجتماعية والإديولوجية التي يحيل عليها، بما يجعله بؤرة تختزل النص بكامله،إن احتقار اللحظة العنوانية، والقفز عليها،وعدم الاحتفال بها،يخفي العديد من القضايا المتصلة بمجال الأدب نظريا وتطبيقيا، فالعنوان-حسب ليو هوك Leo hoek-ليس فقط هو أول ما نلاحظ من الكتاب/ النص في (شكله المادي)،ولكنه عنصر سلطوي منظم للقراءة،ولهذا التفوق تأثيره الواضح على كل تأويل ممكن للنص..

وإذا تساءل القارئ ما أهمية العنونة؟

أولت الدراسات الحديثة العنونة بوصفها الإشارة الأولى للنص والعتبة الموازية لدلالات النص وهي القدرة الاحترافية من الكاتب بإشهار نصه وتمييزه عن غيره فضلا أنها علامة سيميائية للنص وجنسه ودلالاته وخطابه ناهيك عن وظيفية العنوان التداولية بين الملقي والمتلقي والسياق العام للدراسة والعنونة هو تلك الأيقونة والنافذة للولوج لعوالم النص الداخلية فضلا عن الوظيفة التأثيرية للعنوان ومن شروط العنوان أن يكون مثيرا جاذابا وملغزا وليس بالواضح كل الوضوح ليحيل لدلالة صفرية.

ولأن العنوان نص مواز فما المقصود بالنص بالنص الموازي؟

النص الموازي هو "تلك العتبات والمحلقات التي نطأها قبل الولوج لعالم النص".ومن خلال المفهوم يلحظ "العتبات التي نطأها قبل الولوج "بمعنى تثير مخيلة المتلقي لقراءة النص وتفسيره وتهدي القارئ لسبر الدلالات العميقة في النص ولذلك قيل في موازٍ:

- يشابه النص من حيث جنس النص ومن حيث دلالته ونعلم أن العلاقة المشتركة بين المشبه والمشبه وجه الشبه ولا يشبه في كل شيء.

- يماثل النص: أي يوازنه بحيث يختزل نسيج النص ولا يشترك في شتات الخطاب عبر نسيج النص.

- يجانس النص : يأتيه متوائما مع جنسه وليس من خيث الخصائص والمميزات فعلى سبيل المثال في الققج من الضرورة بمكان أن يكون النص مختزلا مكثفا لكن في الرواية قد يكون طويلا إما يأخذ عنوانا يهتم بالمكان لأن مكثفا قد يختار الأحداث والشخصيات.

ولأن العتبة هي "المكان الأول في البيت ومن خلالها نصل لأي مكان في البيت" فإن العتبات عموما من العنوان لعلامات الترقيم والألوان ونوعية الغلاف والتواريخ والتمهيد والخاتمة كلها عتبات توصل المتلقي للغاية من النص وقراءة أسراره وكشف دلالته وكل ترتبط بالنص والكتاب وليس بعيدة فلا يكون العنوان في واد والغلاف في واد آخر،فعلم النص يهتم بتلك الإشارات.

يمكن للعناوين أن تشتغل دلائل مزدوجة،فهي تقدم القصيدة التي تتوجها وتحيل في الوقت نفسه إلى نص غيرها..وبإحالة العنوان المزدوج إلى نص آخر فإنه يشـير إلى الموضوع الذي تفسر فيه دلالة القصيدة التي يقدمها القارئ عبر المقارنة..

ودراسة العنوان من الآليات التي اهتمّت بها الدّراسات السّيميائية فكانت دراسة مجموع «النّصوص التي تحيط بمتن الكتاب من جميع جوانبه: حواشٍ وهوامش وعناوين رئيسة وأخرى فرعية وفهارس ومقدمات وخاتمة وغيرها من بيانات النشر المعروفة التي تشكل في الوقت ذاته نظامًا إشاريًّا ومعرفيًّا لا يقل أهمية عن المتن الذي يحيط به، بل إنّه يؤدّي دورًا مهمًّا في نوعية القراءة وتوجيهها.والعنوان من أهم النّصوص الموازية للنّص إذ إنه أوّل ما يصافح بصر المتلقي وسمعه.وهو المفتاح-كما أشرنا-الذي ستُفتح به مغاليق النّص.

وخلاصة القول :  العنوان مفتاح أساسي يتسلّح به المحلّل للولوج إلى أغوار النّص العميقة قصد استنطاقها وتأويلها.وقد يكون العنوان في الخطاب الشعري خادعاً مراوغاً،فيحيل عنوان قصيدة ما إلى قصيدة أخرى،إذ يتناسلان من بنية عنوانية واحدة،لذلك يتم الفهم وبناء المعنى عبر إقامة جسور رابطة بين النصين،وهكذا ففي الوقت الذي يرتبط العنوان توثيقياً،وخطياً،ونصياً بقصيدة معينة،فإنه يكون تنويرياً لأخرى،هادياً إليها.أما في غير الخطاب الشعري فإنه في أغلب الأحيان يكون دالاً على موضوع النص،مبيناً عن مقاصده.

وإذا تبعنا ما يقوله جيرار جينت (4) بأنّ العنوان مجموعة من العلامات اللسانيّة يمكن أن توضع على رأس النّص لتحدّده،وتدلّ على

محتواه،ويساعد ذلك على إغراء الجمهور المقصود بقراءته، فإنّنا نحتاج إلى دراسة علاماته السّيميائيّة من نواحٍ عدّة،ودراسة بنيته التي تعتمد على بنية العنوان اللغويّة.

فالعنوان علامة،إشارة تواصليّة له وجود مادي يتمثل في صياغته ونحته من مفردات لغة الكاتب أو لغة الكتاب.

أمّا البنية الثانيّة فهي البنية الصّرفيّة والنّحويّة للعنوان،أي ما يختصّ صرفيًّا بدراسة بنية الكلمات مراعى فيها التّشكيل الدّاخلي من حركات ضمة،فتحة،كسرة أو سكون،ومـن حيث صورها وهيئاتها كالإعلال والإدغام،أمّا النحو فهو يبحث عن أحوال المركبات الموضوعة وضعاً نوعياً،لنوع من المعاني التّركيبيّة النّسبيّة، من حيث دلالتها عليها.والبنية الثالثة هي البنيّة الدّلاليّة أي الشّكل العام لتنظيم مختلف العوالم الدّلاليّة-الحقيقية أو الممكنة-ذات الطّبيعة الاجتماعيّة والفرديّة ثقافات أو أشخاص..

ومن هنا يمكن القول إنّ العنوان هو من أهم العتبات النّصيّة التي توضّح دلالات النّصّ، واكتشاف معانيه الظاهرة والخفيّة،من خلال التفسير والتّفكيك والتّركيب،وعليه يُشكّل العنوان المفتاح القادر على فهم النّص،وسبر أغواره.

وقد حدّد جيرار جينيت وظائف عديدة للعنوان منها الوظيفة التعيينيّة/التسمويّة،والوظيفة الإغرائيّة،والوظيفة الوصفيّة والوظيفة الدّلاليّة الضمنيّة.وقد تتحقّق هذه الوظائف كلّها في عنوان واحد،بحيث يصف المحتوى،ويوحي بأشياء أخرى،ويغري المتلقين بالقراءة،وأكثر من ذلك فهو اسم محدّد للكتاب يميّزه عن غيره.

وكما قيل في موروثنا الثقافيّ"المكتوب يُقرأ من عنوانه"،لهذا يمدّنا العنوان بما نريده قبل الولوج إلى قراءة النّصّ،ويدفعنا إلى تصوّر ما سيكون عليه المتن.وهو الدّليل الذي يرشدنا إلى مسالك النصّ،فيكون الرّكيزة التي تثبت تفكير المتلقي مع الحفاظ على العالم المتخيّل في ذهن القارئ،وسيبقى في الذّاكرة محفورًا يُشير إلى النصّ الإبداعيّ.

ختاما أنوه : العنوان قدرات كاتب يكشف عن قدراته الإبداعية وثقافية النقدية.

وتبعا لذلك نلتمس من الشعراء والشاعرات وكل حاملي الأقلام ممن يوافوننا بقصائدهم وابداعاتهم الأدبية بغية مقاربتها من منظور نقدي،أن لا يغفلوا عن عنونة قصائدهم حتى لا نضطر إلى عدم قبولها والنظر فيها،سيما وقد لاحظنا أن العديد من النصوص الشعرية ترد علينا مفتقرة للعنوان..


 محمد المحسن


هوامش البحث:

1-أدب الكاتب: أبو بكر الصولي 143.

2-أبو قاسم محمد بن عبد الغفور الكلاعي الاشبیلي الأندلسي،من أعلام القرن السادس

3-إحكام صنعة الكلام: 51.م.ن: 52.

4-جيرار جينيت (1930-2018)ناقد ومنظر أدب فرنسي،يعتبر أحد أبرز من كتبوا في نظرية الأجناس الأدبية،وبخاصة السردية منها،تاركاً أكثر من عشرين كتاباً نقدياً بدأت مع "أشكال" عام 1966 وانتهت مع كتابه "حاشية" الذي صدر عام 2016.



الكوجيتو بقلم الكاتب محمد مجيد حسين

 الكوجيتو

​طه حسين.. يتغنى بامرئِ القيس،

والزيرُ سالم.. ينحتُ في ثأرِ كُليب،

بريجيت باردو.. تحاورُ برجَ إيفل،

وأنا أجلسُ شامخاً على بقايا أطلالِ تنورِ أمي..

​وفي يقظتي..

أرى بريجيت باردو تنصتُ إليّ،

وطه حسين يرى تمردي عبرَ عيونِ "سوزان"،

بهدوءِ الأساطيرِ..

وكأنّ سيفَ الزيرِ يساندني خارجَ مساراتِ الانتقام،

وتحتفلُ الآلهةُ بعودةِ أمي..

إلى الحياة.

محمد مجيد حسين



الروح في محنة الجسد: كلمات تُكتب من خلف الشغاف.. ( قصة قصيرة..مستوحاة من نسيج الواقع الأليم ) بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الروح في محنة الجسد: كلمات تُكتب من خلف الشغاف..

( قصة قصيرة..مستوحاة من نسيج الواقع الأليم )


تصدير :

ووحـــدي

كنت وحدي عندما قاومت وحــدي

وحدة الروح الأخيــرة 

عندما لا تستطيع أن تقترب ولا أن تبتعد ولا

تستطيع أن تنسى

ولا تستطيع أن تتجاوز،فأهلا بك في المنتصف المميت.

(محمود درويش)


 كان الكرسي المتحرك هو عالمه الآن،مساحة من خشب ومعدن تتحرك ببطء بين رفوف مكتبته العالية.كانت أصابعه،المرتعشة،تتحسس مفاتيح الكومبيوتر المخصص له ببراعة،فتنساب الكلمات على الشاشة كما كانت تنساب على الورق ذات يوم.لكن الفارق كان هائلا.ا الفارق هو جسده.

(م) الذي كانت مقالاته وأدبه تُؤثث الصحف العربية والدولية،والذي كان يخطب في مؤتمرات الأدب ببعض البلدان العربية ويُستقبل بحفاوة،يجد الآن أن مجرد الذهاب إلى الحمام معركة يومية...! كان المرض قد تسلل كسارق محترف،وسلب منه شيئا فشيئا :أولا مشيه السريع الواثق،ثم وقفته الطويلة أمام البحر وهو يفكر،وأخيرا،وقفته أمام الوجود نفسه.!

في الصباح،بينما كانت"عجوزه"*تضع كوب الشاي بجانبه،سقط نظرُه على صورة قديمة معلقة على الجدار:هو في باريس،بمعطفه الأسود وشعره الأشعث،محاطا بكتّاب ومثقفين،عيناه تشعان بثقة من يمتلك العالم بكلماته.كانت تلك العيون نفسها تنظر الآن من المرآة أمامه،لكنها صارت أعمق، وأكثر حزنا،كبئر جفّ ماؤه لكن ظل عمقه مخيفا..!

يتذكر ذلك اليوم في "الجماهيرية العظمى" بمدينة الخمس تحديدا،حين ألقى محاضرته أمام جمهور غفير من الطلبة،وصافحه النقاد باحترام يليق برؤية نادرة.كانت الصحف تتسابق لنشر مقالاته، وكانت إحدى المجلات العربية الفاخرة تطلبه لنصوص أدبية تختزل آلام الشرق ببلاغة صادمة. كان جسده وقتها وعاء قويا لروح ثائرة،يكتب حتى الفجر عن فلسطين،بغداد،دمشق،التداعيات الدراماتيكية بالشرق الأوسط..إلخ،يسافر بين العواصم،يشرب القهوة بلا حساب،كأن الطاقة لا تنضب.

أما الآن،فكل طاقته تتركز في إصبعيه على المفاتيح،وفي رأسه الذي ما يزال مترعا بالعوالم. لكن الصور تأتيه كالخيالات المؤلمة:رائحة المطر في شوارع دمشق وهو يمشي تحت المظلة،شعور الأرض تحت قدميه وهو يتسلق تلة في شمال لبنان،دفء المصافحة القوية مع محبيه.كل هذه الأحاسيس الجسدية التي كانت تغذي إبداعه صارت ذكريات لا يُعوّض عنها.

ذات مساء،بينما كان يكتب مقالا عن "خريف العمر..ومحنة الجسد" انهار.لم يبكِ،فقد تعلم كبح الدموع كي لا تبلل الشاشة.شعر بألم حاد يخترق صدره،ألم ليس من وخزة المرض،بل من لسعة الحسرة.حسرته على الجسد الذي خانه،وعلى الأيام التي طارت كالدخان..!

تساءل: هل كان ذلك المجد الجميل حقيقيا أم حلما؟! وهل ما يزال هو "م" ذاته إذ لم يعد قادرا حتى على حمل كتاب ثقيل..؟!

كان يشعر أن المرض لم يسلب جسده فحسب،بل سرق منه الجغرافيا أيضا،إذ صار العالم كله بحجم هذه الغرفة،وصراخاته كلها تتحول إلى أحرف صامتة على شاشة باردة.

في الليل،وفي هدأة الصمت حين يهدأ الألم قليلا، كانت تأتيه ذكريات الجسد السليم كالخيانات: تذكر كيف كان يستند بثقل على المنضدة وهو يكتب باندفاع،دون أن يدري أن تلك اليد الحاملة لقلمه ستُحمل هي ذات يوم.

لقد تعلم لغة جديدة من الألم،لغة لا تترجمها القواميس،لكنها تنحت عمقا جديدا في كل كلمة يكتبها.

كان المجد الذي جمعه مثل أوراق الخريف الذابلة، جميلة في ذكراها،لكن لا يمكن لأي ريح أن تعيدها إلى أغصانها.

أقسى ما في الأمر لم يكن العجز عن المشي،بل العجز عن الهرب.الهرب من هذا الجسد الذي صار سجناً لا باب له..!

..يكتب الآن ليس ليُضيف إلى رصيد مجده،بل ليُثبت لنفسه أنه ما زال موجودا..أن هناك روحا ما تتنفس خلف هذا الجدار المنهار.!

عاد إلى الكومبيوتر.كانت المقالة عن"خريف العمر..ومحنة الجسد" تنتظره.أخذ نفسا عميقا،وبدأ يكتب،ولكن هذه المرة،ليس كمن يتذكر الأوج،بل كمن يعيش في قلب الضعف نفسه ويكتشف،كلمة كلمة،أن للإنسانية لغة أعمق حين تُختبر بالنقص.ربما لن تنشره مجلة دولية كبرى اليوم،لكنه كان يكتب بأصالة الجرح،لا بأبهة المجد..

أدار كرسيه ببطء ليواجه رفا مزدحما بكتبه وذكرياته..مدّ يده المرتجفة قليلا ولمس غلاف أول ديوان شعري كتبه،وكأنه يلمس وجه طفله البكر.

في تلك اللحظة،أدرك شيئا.ربما لم يكن الجسد القوي هو من كتب تلك الروائع،بل الروح التي سكنته.وروحه ما تزال هنا،محاصَرة،لكنها حية..!

نقر بإصبعه على ذراع الكرسي،إيقاعا مميزا،كما كان يفعل حين يبحث عن إلهام.

في صمت الغرفة الذي يكاد يطبق على أذنيه،كان يسمع صدى ضحكات إبنه المسافر عبر الغيوم الماطرة  تأتيه من بعيد،صوت يأتي من عالم آخر كان يملك تذكرة ذهاب إليه،لكن ليس هناك تذكرة عودة..!

في هذا الصمت الأخرس،لم يعد هناك أصداء التصفيق الحاشد في قاعات المحاضرات،لكن هناك صدى آخر: صوت ضمير يكتب بحقيقة

مكتملة..وكفى.

وأدرك في صميم وجدانه أن الجسد،ذلك الخادم الأمين الذي طالما حمله عبر المدن والأحلام،قد تحول إلى خصمٍ صامت.لكن الروح التي أضاءت كلماته يوما،والتي لا تزال تتأجج تحت رماد الأعصاب المتعبة،ترفض أن تتنفس إلا عبر الشقوق التي أحدثها الألم.فهي تكتب الآن لا لينتصر الأدب على النسيان فحسب،بل لتصرخ في وجه العطب: "ها أنا ذا.. ما زلتُ هنا"..! ففي العجز المُطلق عن الهرب من السجن الجسدي،وُلدت حرية جديدة: حرية الوجود الكامل في كلمة واحدة،تنبض بكل ما فُقد،وكل ما بقي..

وكفى..!


محمد المحسن


*"عجوزه" مصطلح شائع الإستعمال في الجنوب التونسي،ويشير إلى الزوجة التي هرمت..ونالت منها السنون العجاف..!