الجمعة، 6 فبراير 2026

سردية الوجع ومناجاة الوجود: قراءة في قصيدة الشاعرة الفلسطينية الأستاذة عزيزة بشير: رحلة..في بحر الحديد..والمطر بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 سردية الوجع ومناجاة الوجود:

قراءة في قصيدة الشاعرة الفلسطينية الأستاذة عزيزة بشير: رحلة..في بحر الحديد..والمطر


تصدير :


-جرح مفتوح،وعدالة شائخة،وضمير إنسانيّ كسول وضرير..لا يفعل غير أن يعدّ حصيلة الخراب ويتأفّف من وفرة دماء الموتى!..وأيضا: ينتظر.ضجرت ذاكرة التاريخ.ضجر الشهود.ضجرت الأسلحة والقوانين والمذاهب والسماوات،وضجرت أرواح الموتى..لكن-وحدها-شهوة القاتل إلى مزيد من الدم..لم تضجر..! الدّم يشحذ شهية الدّم..( الكاتب)


"طائراتٌ تقصِفْ وسجونٌ تخطِفْ ورياحٌ تعصِفْ وَسُيولٌ تجْرُفُ ما تبقى مِنَ الخيام والبشر وهُم جائعون! ولا حوْلَ ولا قوّةَ إلاّ باللهِ العليّ العظيم!


زاد البلاءُ وأهلُ غزّةَ يَغْرَقونْ  


 والرّوحُ تُزهق بالقنابلِ …..والسُّجونْ


غاراتُ فَوْقَهُمو  وطوفانٌ يجولْ


وَضَحايَا تغرَقُ والأحِبّةُ ……..جائعونْ


والماءُ غَطّى مَن تبقَّى ،مُشرَّداً


في خيْمَةٍ جرَفَتْهَا أمطارُ …….المَنونْ


مَن كان في شِبْهِ البيوت مُدارَياً


هَدمَتْها أمطارٌ ونيرانٌ …………خَئونْ


ألبيْتُ  هُدِّمَ  والخِيامُ تطايَرَتْ


والأمنُ طارَ مَعَ العَواصِفِ ……والبنونْ


والأُمُّ تحتَضِنُ  ابْنَها  مَرعوبَةً


غَرَقٌ وقصْفٌ لِلعدُوِّ ،……كَما الجُنونْ


والبردُ قارِسُ  والرّياحُ  شديدةٌ


والكُلُّ في وَسَطِ الزّوابعِ …….يرْجُفونْ 


ياربِّ  كلٌّ  في  حِماكَ   فَنَجِّهِ


فالرّيحُ ريحُك والزّوابِعُ ……والشّؤونْ


والنّصرُ وعدُكَ والعدوُّ  بأمرِكُمْ


والنّارُ نارُكَ تصْلِي فيها ……المُذنِبونْ


ربّاهُ  كلٌّ يستجيرُكَ  راجياً


والكوْنُ كوْنُكَ ، ما أردْتَ بِهِ…… يكون!


عزيزة بشير


في هذه القصيدة المؤثرة،تُصوِّر الشاعرة الفلسطينية الأستاذة عزيزة بشير مأساة إنسانية بكلمات تنبض بألم عميق،وتحمل في طياتها صوتا شعريا يجمع بين البساطة الجارحة وقوة التعبير. 


تبدأ القصيدة بمشاهد من الفوضى والعنف،حيث تتوالى الأفعال المضارعة (تقصف،تخطف،تعصف، تجرف) بسرعة وإلحاح،وكأنها تريد أن تنقل إلينا حالة الاستمرار واللانهائية في المعاناة.هذا التسارع في الأفعال يخلق إيقاعا داخليا يشبه دقات القلب المرتعش تحت القصف،أو أنفاسا متلاحقة في لحظة منفلتة من العقال.


ثمّ تتحول الصورة إلى مشهد طبيعي قاس يشارك في الدمار: الرياح والسيول والأمطار،لكنها هنا ليست أمطار خير،بل "أمطار المَنون".الطبيعة نفسها تتحول إلى عدو،وكأن الكون كله قد انقلب على الإنسان.وهذا الانزياح الدلالي يحوّل العناصر الطبيعية من معطيات الحياة إلى أدوات موت، مما يضاعف الشعور بالعزلة والضياع.


تظهر المفارقة المأساوية في عبارة "وهم جائعون"، فهي تختزل حالة من الحرمان الأساسي وسط هذا الدمار الشامل.فالجوع هنا ليس جوعا عاديا،بل هو رمز للحرمان من أبسط مقومات الوجود،وهو ما يجعل الدمار مزدوجا:دمار المكان ودمار الجسد.


تتكرر كلمة "جائعون" لاحقا كصدى مؤلم،وكأن الجوع يلاحق النص كما يلاحق الناس.وتتجلى العناية الفنية في استخدام الجناس غير التام بين "يَغْرَقون" و"تُزهق"،حيث يلتقي الغرق المادي بالغرق الروحي،والموت بالماء بالموت بالحديد.


ثم يأتي التحول في نبرة القصيدة من تصوير المأساة إلى الابتهال والمناجاة.فالخطاب ينتقل من وصف الخارج إلى حوار مع الذات الإلهية،حيث تظهر مفردات مثل "يارب"، "ربّاه"، "حماك".


 هذا التحول ليس هربا من الواقع،بل هو بحث عن ملاذ أخير حين تنقطع السبل.إنه صرخة استغاثة تأتي بعد استنفاد كل أسباب الأرض.


الشاعرة تستعيد هنا سلطة القدرة الإلهية على كل ما يحدث: "الريح ريحك"، "الزوابع"، "النار نارك". هذا الاستعادة توفر مساحة من الأمل في عدالة عليا،وتخلق توازنا نفسيا أمام فداحة المشهد.والنبرة تصبح أكثر حميمية وإيمانا،وكأن القصيدة تتحول إلى دعاء مكتوب بدماء القلب.


اللغة في القصيدة تتراوح بين البساطة المباشرة وقوة الصورة الشعرية.هناك استخدام لكلمات من الحياة اليومية (خيام،بيوت،جائعون،برد) مما يجعل الصور قريبة وملموسة.لكن هذه البساطة تتحول إلى شعرية عالية عندما تضعها في سياقها التراجيدي،فكلمة "خيمة" لم تعد مجرد سكن،بل أصبحت رمزا لللجوء والهشاشة والفقد.


القصيدة تُقرأ كأنها لوحة تعبيرية تكاد تسمع فيها أصوات القصف،وعويل الرياح،وبكاء الأطفال، وهمسات الدعاء.إنها سردية شعرية للمقاومة بالكلمة،وشهادة أدبية على زمن يصعب وصفه. الشاعرة لم تكتفِ بتصوير المأساة،بل حولتها إلى مناجاة وجودية،تسأل فيها عن معنى العدالة والإنسانية في عالم يبدو فيه كل شيء مُعرضا للزوال إلا الأمل الذي يولد من رحم الكلمات.


هكذا،تتحول القصيدة من شهادة مرئية على الدمار إلى صلاة وجودية تخترق صمت الكون. ليست الكلمات هنا مجرد وصف،بل هي فعل مقاومة أخير،مقاومة بالانتماء إلى إنسانية مهددة، وبالتشبث بلغة تتألم وتتضرع حين تعجز جميع اللغات.


الشاعرة،ببراعة فنية وألم صادق،لا تقدم لنا مشهدا فحسب،بل تُدخلنا في جوف التجربة ذاتها.ونحن أمام نصّ لا يروي المأساة،بل يجعلنا نعيش إيقاعها المرتعش،وبرد جوعها،وصقيع وحشتها،ثم ذلك الأمل المتواري كجمرة تحت الرماد في مناجاة الروح.


في النهاية،تتركنا القصيدة-ومعها قراءتي هذه- أمام سؤال مصيري: هل تكون الكلمة ملجأنا الأخير عندما تنهار كل الملاجئ؟ وهل يمكن للشعر أن يكون حصنا للإنسان عندما تتحول الحصون إلى غبار؟!


 يبدو أن أ-عزيزة بشير تجيب بنعم،ففي قلب العاصفة،تخلق من حروفها خيمة للروح،وتذكرنا أنه حتى في أقسى لحظات العجز،يبقى للقلب المكلوم أن يهمس،وللصوت المكسور أن يصرخ،ومن هذا الهمس وذلك الصراخ،قد تُولد معاني تظل تقاوم النسيان والعدم.والقصيدة،بهذا المعنى،هي نصب تذكاري حيّ للكرامة الإنسانية في مواجهة الفناء والعدم..


وإذا وضعنا هذه القصيدة ضمن مسار الشاعرة عزيزة بشير الشعري كما يظهر من أعمالها الأخرى، نجد اتساقا في توظيف الشعر كوسيلة للمقاومة والتوثيق والبقاء.ففي قصائد أخرى مثل "غزة العزة"،تنتقل نبرتها من تصوير المعاناة إلى التأكيد على حتمية النصر والإصرار على الحق ("فالأرض أرضي والسماء مظلتي/ثروات أرضي لن تكون لقاتلي"). هذا يقوي القراءة التي ترى في مناجاة القصيدة المدروسة ليس استسلاما،بل تحويلا للصراع إلى مستوى الوجود والعدالة الإلهية المطلقة،مما يوفر أرضية روحية للصمود


في الختام،لا يمكن فصل هذه القصيدة المؤثرة عن النضال الشخصي والفني للشاعرة الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير.فبصفتها شاعرة فلسطينية مغتربة،ترفع راية الوطن بشموخ من خلال حروفها.لقد انحازت قصائدها انحيازا مطلقا لشعبها الفلسطيني،ولم تتوانَ عن توثيق آلامه وصموده وأمله،محوّلة الجرح الوطني إلى "وردة" شعرية تحمل في ثناياها قوة الحزن وكرامة التحدي.


لقد اضطلعت أ-عزيزة بشير بدور رائد في تفعيل وتجديد أدب المقاومة الفلسطيني.فهي،كامرأة وكشاعرة معاصرة،تتابع المسيرة التي بدأها رواد هذا الأدب،مستخدمة أدوات تعبيرية تجمع بين صدق العاطفة وقوة الصورة ورمزية المعنى.لقد جعلت من القصيدة سلاحا في معركة الوجود والهوية،ووسيلة لإبقاء القضية حية في الضمير الإنساني.وقصيدتها التي حللناها ليست مجرد انفعال عاطفي أمام كارثة،بل هي فعل مقاومة بحد ذاته-مقاومة بالكلمة،بالذكرى،وبالإيمان الذي يعلو فوق عويل المدافع ونباح الرشاشات.بهذا تكون الأستاذة عزيزة بشير قد قدّمت نموذجا ملهِما للشاعر الملتزم،الذي تتحول فيه الكلمة إلى فعل،والألم إلى إرادة،والمناجاة إلى بصيرة تؤمن بأن النصر وعد لا بد آت.وحتما سوف يأتي..


لست أحلم لكنه الإيمان الأكثر دقة في لحظات التاريخ السوداء من حسابات السفاح نتنياهو..والمتعجرف دونالد ترامب..


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق