الجمعة، 6 فبراير 2026

ذاكرة الأمة وضمير المجتمع: جمعية الخير لرعاية المسنين بتطاوين..نموذجا للإحسان المتجدد.. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 ذاكرة الأمة وضمير المجتمع: جمعية الخير لرعاية المسنين بتطاوين..نموذجا للإحسان المتجدد..

في خضم زحف الحياة المعاصرة وتسارع إيقاعها، تبرز فئة كبار السن كذاكرة حية تحمل تراكم خبرات الأمة وعبق ماضيها،غير أنهم قد يصبحون، في غياب الرعاية،فئة منكشفة لجروح العزلة ورياح اليأس.هنا،يأتي دور العمل الخيري المنظم ليس كخدمة اجتماعية فحسب،بل كضرورة إنسانية وأخلاقية تحفظ كرامة من أسهموا في بناء الحاضر.وتجسيدا لهذا المبدأ،تنشط جمعية الخير لرعاية المسنين بجهة تطاوين،حاملة على عاتقها رسالة متعددة الأبعاد،تترجم قيم التكافل من حيز الشعار إلى فضاء الفعل الملموس.

ولا يقتصر دور الجمعية على توفير الأساسيات المادية،بل يتجاوزه إلى معالجة الجروح النفسية العميقة.فهي تعمل جاهدة لـ "احتضان المسنين" ومساعدتهم على تجاوز "حالات العزلة والشعور باليأس"،مما يضعها في موقع الطبيب لإراحة النفوس قبل أن تكون مزودة الاحتياجات.ومن أبرع أدواتها في هذه المهمة خلق "أرضية خصبة للترفيه والرحلات"،وهي أنشطة تبدو ترفيهية ظاهريا،لكنها في جوهرها إعادة ربط للمسن بمحيطه المجتمعي،وتذكير له وللمجتمع بأنه "جزء من المجتمع وذاكرة حية للأجيال المتعاقبة". 

إنه إحياء للقيمة المعنوية قبل إغاثة الحاجة المادية.

أما في مجال الرعاية الصحية والاجتماعية، فتظهر الجمعية منهجية متقدمة في العمل المؤسسي.ففضلا عن العناية اليومية،تمتد أياديها بـ "مساعدة المحتاجين والمرضى من كبار السن بتوفير مستلزمات العلاج"حتى الأساسية منها كـ "الحفاظات". ولا تكتفي بالتوزيع،بل ترافق ذلك بـ "زيارتهم رفقة طبيب ومراسل صحفي".وهذه الخطوة الذكية تجمع بين الفوائد: فهي تقدم فحصا طبيا مجانيا،وتكشف ظروفهم المعيشية للرأي العام عبر المراسل الصحفي،مما يخلق شفافية وتحسيسا مجتمعيا،دون أن يقع المسن في حرج الاستجداء المباشر.

ويبلغ بروز روح الجمعية الأصيلة ذروته في شهر رمضان الكريم،شهر المواساة والتعاطف. فـ "رغم امكانياتها المادية المتواضعة"،تتحول الجمعية إلى شريان حياة للفقراء والمحتاجين،بتوفير "مواد غذائية" وإقامة "موائد إفطار تقربا لله". إنها تقدم درسا في أن العطاء ليس مرتبطا بالوفرة،بل بالإرادة والإخلاص.وفي هذا الإطار،تطلق الجمعية نداءها الواعي إلى فاعلي الخير وأبناء الجهة سواء داخل تطاوين أو في المهجر،والتجار وأصحاب المؤسسات،لدعمها بـ "توفير المواد الغذائية والتبرع بما أمكن".هذا النداء ليس طلبا للصدقة العابرة،بل هو دعوة لشراكة في عمل مؤسسي "منظم في إطار القانون وفي كنف المسؤولية الضميرية"،يضمن وصول العون لمستحقيه "بمنأى عن الاستجداء والتسول"، محافظا على كرامة المتلقي والمعطي على السواء.

إن جمعية الخير لرعاية المسنين بتطاوين تمثل أكثر من مؤسسة خيرية،إنها ضمير المجتمع المجسد وساعده الممتد نحو شرائحه الأكثر حاجة للحماية والتقدير.وعملها ليس إحسانا موسميا،بل هو استثمار في الإنسانية،وصون لكرامة من أفنوا أعمارهم في العطاء.وفي هذا الشهر الفضيل،حيث تتضاعف أجور الأعمال الصالحة،يكون دعم مثل هذه الجمعيات من أسمى أنواع القربات،فهو إحسان مزدوج: يُغيث الفقراء ويحفظ كرامة المسنين.وليكن دافعنا في ذلك هو الاقتداء بهدي القرآن الكريم الذي يحضنا على البذل والعطاء في كل وقت،ويتأكد هذا الأمر في الشهر الكريم: "وافعلوا الخير لعلكم تفلحون" (الحج: 77).فلتكن هذه الآية الكريمة حافزا لنا جميعا لنكون عونا لهذه الجمعية وأمثالها،حتى تواصل رسالتها النبيلة في رعاية ذاكرة أمتنا الحية،وتحويل بركة رمضان إلى أمل دائم وسند قوي للمسنين والفقراء.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق