عن النقد والضمير: بين الرسالة النبيلة..ودكاكين الأجور..!
لا أجانب الصواب إذا قلت أن النقد،في جوهره الأصيل،ليس مجرد تفريغ لمشاعر ذاتية أو تسجيل لانطباعات عابرة،بل هو مسؤولية ضميرية جليلة والتزام أخلاقي رفيع.إنه رسالة نبيلة يحملها الناقد مثل شعلة تنير النصوص،وتكشف عن طبقاتها الخفية،وتقيم جسرا بين العمل والمتلقي.هذه الرسالة تقوم على مبادئ راسخة يعتنقها الناقد بنبل وإخلاص،حيث تكون الغاية هي الحقيقة الجمالية والفكرية،لا الاستعراض أو التسقيط.فهو يبني حكمه على أسس منهجية ومعرفة عميقة،مقدما قراءة تثري النص وتفتح آفاقا جديدة لفهمه.
في هذا المسار الوعر،كثيرا ما يصطدم الناقد الجاد بحملات أولئك الذين حوّلوا النقد إلى مهنة للتشهير الرخيص، "حفاة الضمير" الذين يدأبون على رمي التهم جزافا،ويستنقصون من قيمة كل من يخالفهم الرأي،بمعزل عن حقيقة تكوينه العلمي وجديّة إنتاجه.إن التجني على أي جهد نقدي مخلص،ووصفه بعمالة الأجر،أو الادعاء باختلاس الأفكار،هو ليس خطأ في التقدير فحسب،بل هو عنوان عريض للوقاحة وانحطاط الأخلاق الفكرية.فالناقد الحقيقي يحمل في يد سنداد علمه الذي اكتسبه من أعرق الجامعات،وفي اليد الأخرى ترتفع درع العفة الأخلاقية والاستقلالية الفكرية.هو مسؤول عن مقارباته، واثق من مسيرته التي شهدت منابر العلم من بغداد إلى دمشق مرورا ببيروت،مؤمنا بأن الأفكار الرصينة،كالباذنجانة المليئة بالبذور،تتحمل صقيع التهم البائسة وتنمو رغمها.
أما أولئك الذين يحولون النقد إلى "دكاكين" مدفوعة الأجر،هدفها الإساءة والابتزاز تحت غطاء التقييم،فإنهم لا يسيئون إلى أفراد فحسب،بل يسممون بئر الثقافة الجماعي.إنهم يمارسون الصيد في الماء العكر،محاولين تعويض نقص فادح في تكوينهم الأخلاقي والمعرفي،مستهدفين الكبير والصغير دون تمييز،وغايتهم الوحيدة هي تضخيم الذات عبر تحطيم الآخرين.وهم بفعلتهم هذه،تتبرأ منهم أوطانهم العظيمة،وتنبذهم الأوساط الفكرية الجادة التي تعرف أن النقد سلاح ذو حدين،يمكن أن يبني بحكمة ويمكن أن يدمر بغباء.
على سبيل الخاتمة:
نحو نقد أدبي بنّاء: هدم الأنا..وإعلاء النص :
لا يمكن لمستقبل ثقافتنا أن يُبنى إلا على أنقاض النرجسية المميتة والمقيتة التي تتلبس بعض من يمارسون النقد.فالنقد البناء،الحقيقي،هو ذلك الذي يضع النص في القلب،لا الأنا.وهو عملية تواضع فكري يجلس فيها الناقد أمام العمل كتلميذ شغوف أولا،قبل أن يقوم بدوره كقارئ متمرس وكاشف ثانياً.غايته ليست إثبات تفوقه الذهني،بل سبر أغوار التجربة الإبداعية وتقريبها من الجمهور، وتقديم رؤية تضيف للمعارف والذائقة.
هذا النقد يتطلب نكران الذات إلى حد كبير، وقدرة على التمييز بين الشخص والفكرة،وبين الهجوم والتحليل.إنه يدرك أن قوته مستمدة من صدقه ومنهجيته،لا من حدة لسانه أو قدرته على الإيذاء.إنه نور يسعى لكشف الجمال والقوة حتى في الأعمال التي يختلف معها،ويعترف بالهفوات والثغرات بنزاهة الباحث لا بطغيان الخصم.وعندما يتحرر النقد من أدران الحسد والانتقام والصراعات الشخصية،وعندما تتقلص الأنا لتحتل مساحة أكبر للحقيقة والفن،عندها فقط يصبح النقد رسالة نبيلة حقا،وركيزة من ركائز التقدم الحضاري،وساحة للتنافس الشريف على خدمة الفكر والإبداع،لا على تحطيم الأشخاص والمساس بسمعتهم الأدبية والثقافية.فليكن نقدنا شجرة مثمرة،ظلها ممدود للنص والقارئ معا،وليكن جذرها العميق هو الأخلاق،وساقها المتينة هي المعرفة،وثمرها الناضج هو الفهم والإثراء.
هكذا يتبين لنا،بكل جلاء،أن المعركة الحقيقية ليست بين الآراء،بل بين المنهجيات،وليست بين الحرية والنقد،بل بين المسؤولية والفوضى.فالنقد الأدبي الأكاديمي الصارم ليس ترفا فكريا،بل هو سياج الحضارة الذي يحمي العقل الجمعي من الانزياح والعبث.إنه القلعة التي تحرس تراث الفكر والإبداع من غزوات المتسلقين،وأولئك "المأجورين" الذين حوّلوا ساحة الفكر إلى سوق للمزايدات الرخيصة،ومسرحا للانتقام الشخصي وتصفية الحسابات تحت عباءة "الحرية النقدية".
إن ما يمارسه هؤلاء في فضاءات التواصل العابر ليس نقاشا،بل تشويها مقصودا،ليس حوارا،بل قذفا بالاتهامات الجاهزة،ليس بحثا عن الحقيقة، بل إعلانا عن إفلاس أخلاقي ومعرفي.وهم يقفون في الظل،يرمون الحجارة على كل من تسلّق بجهده وجديته منابر العلم،من امتلك الشجاعة لخوض غمار البحث الأكاديمي الشاق في أعرق الجامعات العربية والعالمية،وترك إرثا من الكتب والبحوث التي تُدرَّس وتُناقش،لا التي تُسقط بالسباب في تعليق سريع.
إن الناقد الأكاديمي الجاد هو حارس للذاكرة الثقافية ومهندس للمستقبل الفكري.وعمله ثمرة سهر وسنين وتفان،مبني على مراجعة الأقران والتمحيص والاحتكام إلى المنهج.أما "ناقد" الفيسبوك المأجور،فعمله ثمرة حقد وانتهازية، مبني على الإثارة والاصطفاف الأعمى،وهدفه الوحيد هو تحويل الثقافة إلى مشهد دُمى،يحرك خيوطها بأجندات ضيقة.
لذلك،فإن تمجيد النقد الأكاديمي الصارم ليس دفاعا عن فئة ضد أخرى،بل هو دفاع عن مفهوم "المعرفة" نفسها.دفاع عن فكرة أن للحقيقة ثمنا، وأن للعمق وزنا،وأن للجدية قيمة لا تقارعها صخب الصَّغار.إنه إعلاء لصوت العقل المؤسسي المنظم على همس الموالين والمأجورين في الظلام.
فليستمر أولئك الحفاة من الفكر في عربدتهم الافتراضية،فتاريخ الثقافة لا يسجله من يصنع الضجيج،بل من يبني الصروح.وتظل بصمة الباحث الجاد،الذي خاض غمار المكتبات والمحافل العلمية،محفورة في جدار العطاء الحقيقي.أما أولئك،فسيذهبون مع رياح التّيار،لا يتركون وراءهم سوى غبار الكلمات الفارغة وصدى الإساءات البالية.فالشمس لا تحجبها غربال.
والحقيقة لا تطمسها ضوضاء.وحدها الأعمال الراسخة هي التي تشق الظلام،كسفينة نوح تجتاز طوفان النسيان،حاملة بذرة المستقبل في جوفها. في النهاية،يبقى من يغوص في أعماق المعرفة ليستخرج اللآلئ،لا من يركب الأمواج السطحية ليلفت الأنظار.والثقافة الحقيقية هي التي تُبنى بلبنات الصبر والإخلاص،فتصير قلعة تحمي الإنسانية من برد الجهل ورياح العدمية..
وأرجو أن تصل رسالتي إلى عنوانها الصحيح..عبر الأبيض المتوسط،ووصولا إلى ضفاف النيل..فيتلقفها،ذاك الذي لا يقرأ من البحر،سوى سطحه الأزرق المتموج..!
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق