يعجز الحرف أن ينصف قامة نقدية شاهقة لا لأنها تناولت قصيدي المتواضع: "لا إمام سوى القوة"فحسب بل لاحتكامها على آليات النقد البناء الضارب في لججه و العارف بمطباته فيعري مكامن البوح و يستبطن مقاصده.
قراريط الياسمين أستاذ عبد الرحيم عبدالرحيم طالبة صقلي من المملكة المغربية الشقيقة
قراءة في قصيدة
«لا إمام سوى القوّة»
للشاعر الأستاذ داود بوحوش
الجمهورية التونسية
النص الشعري
(( لا إمام سوى القوّة ))
لكي تكون ملكًا
في حضيرة النعاج
فتهيّأ
كي تُفقأ عينك
ويزرورق
في أحداقك الدّم
ويُكمّمُ لك الفم
ولِمَ لا
فماء البحر لك تيمّم
ذر رمادًا هو القانون
بلّله وامضغه
فنِعم الشّراب
متى ألمّ بك السّقم
لا إمام سوى القوّة
هراء هي العُصبة
ووهمٌ هي الأُمم
فخاخ هي نواميسهم
على مقاسنا قُدّت
نعامٌ نحن
فأيّ شيءٍ عليه نحتكم
سوى مضغة لسان
وملء الشّدق كَلِم
أرى القبح فينا كامنًا
ما تضاءل يومًا
بل على النقيض أراه يتعاظم
حقيقٌ بنا الجَلْد
والرّجم والألم
تُبّعٌ نحن أتباع
لا وزن لنا ولا ثمن
فلنَشترِ لنا عِصيًّا
وليحكمنا الرعاع والبقر
بقلمي
ابن الخضراء
الأستاذ داود بوحوش
القراءة النقدية
قصيدة «لا إمام سوى القوّة» منذ عتبتها الأولى تشير الى صدمة دلالية واعية، بحيث لا يأتي العنوان بوصفه شعارًا يُعتنق أو أطروحة تُدافع عن نفسها، بل كمرآة قاتمة لواقعٍ أُفرغ من مرجعياته الأخلاقية والدينية والسياسية. يقوم العنوان على نفيٍ مطلق يُقصي فكرة الإمامة باعتبارها رمزًا للهداية والمعنى، ليُحِلّ محلها منطق القوّة، في انتقالٍ حاد من الشرعية الرمزية القائمة على القيم والقانون إلى شرعية غريزية عنيفة لا تعترف إلا بالغلبة. وبهذا المعنى، لا يصف العنوان واقعًا بقدر ما يُدينه ساخرًا، كاشفًا عن عالمٍ لم يعد يقوده سوى منطق البطش.
ضمن هذا الأفق، يتشكّل جسد القصيدة بوصفه خطابًا توبيخيًا موجّهًا إلى ذاتٍ جماعية تُدين نفسها بنفسها. فالإنسان لا يُقدَّم هنا كضحية بريئة، بل ككائنٍ مدجّن قابل للتكيّف مع القهر، يرضى بموقعه داخل «حضيرة النعاج». وتتكثّف الاستعارات الحيوانية لتؤسس شبكة رمزية متكاملة تُفرغ الإنسان من إنسانيته، وتُعيد تشكيله في صورة القطيع: النعاج دالّة على الطاعة العمياء، والنعام على الهروب من الحقيقة، والبقر على البلادة وانعدام الوعي. سيميائيًا، لا تعمل هذه الصور كتشبيهات عابرة، بل كآلية لهدم صورة الإنسان الفاعل وإحلال صورة الكائن المُساق، حيث يتحوّل ضمير «نحن» من أداة تضامن إلى ضمير اتهام جماعي.
ويغدو الجسد في القصيدة نصًّا مفتوحًا للقهر، لا كيانًا حيًّا بل مسرحًا للعقاب السياسي. فقء العين يعني تعطيل الرؤية، وتكميم الفم مصادرة القول، وزرقة الدم في الأحداق دمجٌ للعنف بالحياة حتى يصبح القهر جزءًا من البنية الداخلية للذات. هنا تتجلّى سلطة لا تكتفي بالتحكم في الفكر، بل تبدأ من الجسد بوصفه المدخل الأول للترويض، في انسجام مع رؤية سيميائية ترى في الجسد العلامة الأوضح للهيمنة.
وتبلغ المفارقة ذروتها حين تُفكَّك الرموز المقدّسة ويُعاد تدويرها ساخرًا؛ فالتيمم، رمز الطهارة والضرورة، يُستبدل بماء البحر المالح، في إشارة إلى فساد البديل وانقلابه على معناه الأصلي، بينما يُختزل القانون إلى رمادٍ محروق يُمضغ بدل أن يُحتكم إليه. في هذا الانزياح الدلالي، تتحوّل المقدّسات إلى أدوات تبرير لا عدالة، وتُعرّى المؤسسات الرمزية من وظيفتها القيمية، لتغدو مجرد آليات تخدير تُعيد إنتاج الخضوع.
كما تهدم القصيدة السرديات الكبرى التي لطالما شكّلت أفق الانتماء الجماعي؛ فالعصبة هراء، والأمم وهم، ولا مشروع خلاص ولا جماعة متخيّلة قادرة على الإنقاذ. جميعها علامات خاوية تُستعمل لإدامة السيطرة، في تقاطع واضح مع خطاب ما بعد الأيديولوجيا حيث ينهار المعنى الجمعي وتفقد المفاهيم الكبرى قدرتها على الإقناع.
لغويًا، لا تنجو اللغة نفسها من المحاكمة، إذ تُختزل إلى «مضغة لسان» و«ملء شدق كلم»، في وعيٍ مرير بعجز الخطاب حين يتحول إلى لغو بلا أثر. غير أن هذا الإقرار بالعجز لا يُفرغ النص من قيمته، بل يمنحه صدقه القاسي، إذ لا يدّعي الخلاص ولا يروّج للوهم، بل يفضح المشاركة الجماعية في إعادة إنتاج الرداءة بالصمت والتواطؤ.
إيقاعيًا، ترفض القصيدة أي انتظام موسيقي مريح. فغياب الوزن والقافية ليس اختيارًا شكليًا بقدر ما هو تجسيد لحالة التشظي والاختناق التي يعيشها الخطاب ذاته. يتولّد الإيقاع من التقطيع، ومن الجمل القصيرة الآمرة التي تحاكي لغة السلطة وتعليماتها، في مفارقة أسلوبية تجعل النص يعيد إنتاج بنية القهر التي ينتقدها. حتى البياض بين المقاطع يتحوّل إلى علامة دالة، بوصفه تمثيلًا للصمت الجمعي الطويل، لا فسحة للتأمل.
وحين يصرّح الصوت الشعري بأن القبح كامن فينا ويتعاظم، وأن الجلد والرجم والألم استحقاق أخلاقي، تبلغ القصيدة ذروة جلد الذات، حيث تسقط ثنائية الجلاد والضحية، ويُوضع الجميع داخل دائرة الاتهام. أما الخاتمة، التي تدعو ساخرًا إلى شراء العصي وتسليم الحكم للرعاع والبقر، فليست دعوة حقيقية بقدر ما هي مفارقة مغلقة تُعيد القارئ إلى العنوان وتُحكم الدائرة الدلالية: من يقبل منطق القطيع، لا يحكمه إلا القطيع.
بهذا التضافر بين الصورة واللغة والإيقاع والأسلوب، تُقدّم القصيدة نصًا احتجاجيًا قاتمًا لا يبحث عن الجمال بقدر ما يسعى إلى الوعي الصادم، نصًا يزعج قارئه بدل أن يطمئنه، ويدفعه إلى مواجهة السؤال المؤلم:
هل القوّة تحكمنا فقط، أم أننا ـ بصمتنا وتواطئنا ـ من نصبناها إمامًا؟
★ عبدالرحيم طالبة صقلي
المملكة المغربية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق