التداخل الإشكالي بين الخطاب العلمي والسرد الروائي: رواية "الأرملة السوداء" للروائي التونسي محسن بن هنية-نموذجا..
يُطرح في المشهد النقدي المعاصر سؤال جوهري حول طبيعة الأدب وحدوده الوظيفية،يتجلى في إشكالية تداخل الخطاب العلمي مع السرد الروائي. هذه الإشكالية تتبلور من خلال نموذج رواية "الأرملة السوداء" للروائي التونسي محسن بن هنية،والتي تثير تساؤلا نقديا محوريا:هل الرواية أداة للتعبير الجمالي والتوثيق الاجتماعي فحسب، أم يمكنها أن تتحول إلى قناة لنقل المعرفة العلمية المتخصصة؟
ينطلق النقاش من التأكيد على الأصول الوثائقية والاجتماعية للرواية كجنس أدبي،مستحضرا دورها التاريخي في رصد التحولات المجتمعية كما في أعمال بلزاك وزولا ونجيب محفوظ.
ومع تطور وظيفة الأدب لتصبح وسيلة للمعرفة والتنمية الذاتية،توسعت دائرة فهم القارئ لتشمل العلوم الإنسانية.إلا أن التداخل الحاصل بين العلمي والسردي يختلف جذريا عن التداخل بين الأجناس الأدبية التقليدية،كالشعري والسردي، لكون الأخيرين ينتميان إلى "بوتقة الفن" الواحدة، مما يفتح الباب أمام إشكالية تصنيفية حادة تتجلى في مصطلحات مثل "الرواية العلمية" و"التعليمية" و"الخيال العلمي" و"السرد الثقافي".
وعند التطبيق على الرواية النموذج،يوجه النقد إلى تلك الوقفات السردية الطويلة التي يلجأ إليها بن هنية لشرح مفاهيم في الفيزياء الكمية والبكتيريولوجيا،محولا أجزاء من النص إلى ما يشبه "محاضرة جامعية" تهدد حيوية السرد وتدفقه.هذه الملاحظة التي يشارك فيها حتى مقدم الرواية محمد القاضي،تؤكد وجود ارتباك في الخلط بين وظيفة الرواية ووظيفة البحث العلمي.
ويقارن النص هذا الوضع مع السياق الغربي،حيث توجد محاولات للتمييز بين الأنواع المتداخلة مع العلم،كالفانتازيا والخيال العلمي،كما يشير إلى محاولات بعض الكتاب والفلاسفة مثل ميشيل سيريس لتجاوز الحواجز بين الحقلين.ويقدم رؤية نقدية متوازنة تعترف بإمكانية التوظيف المحدود للمعارف العلمية في النص الأدبي،لكنها ترفض تحول العمل الفني إلى "صورة عن العلم".فالعلم والرواية،وإن اشتركا في البحث عن الحقيقة، يختلفان في الوسائل: الأول يعتمد التحليل المباشر،بينما يعتمد الثاني التكثيف والتمثيل والتغريب.
-الانزياح الأجناسي وإعادة تشكيل حدود الأدب:
تمثل رواية "الأرملة السوداء" لحظة تحوّل في المسار الروائي العربي،تُختبر فيها حدود الجنس الأدبي ووظيفته في عصر تتداخل فيه المعارف وتتآكل الحواجز التقليدية.وما يُوصف بـ"الإنزياح" التي أحدثها بن هنية ليس مجرد خروج عن المألوف،بل تعبير عن أزمة هوية يعيشها الأدب في مواجهة طغيان الخطاب العلمي.من منظور ما بعد حداثي،يمكن قراءة هذا الانزياح الأجناسي كتعبير عن "اللامركزية" التي تطال البنى النصية الراسخة،وكمحاولة لخلق "كائن نصي هجين" يعكس تعقيد العصر.غير أن التحذير النقدي يبقى ضروريًا: عندما يتخلى النص الروائي عن لغته الشعرية وتكثيفه الجمالي ليصبح ناقلا مباشرا للمعارف،فإنه يفقد خصوصيته كفن.والحل لا يكمن في العودة إلى النموذج التقليدي،ولا في الاستسلام للانزياح الكامل نحو العلمية،بل في البحث عن صيغة تحافظ على الجوهر الأدبي مع استيعاب المعرفة العلمية بشكل عضوي لا إضافي. ففي النهاية،تظل الرواية أداة لفهم العالم عبر تجسيد المعرفة في عوالم بشرية حية.والعلم يقدم الحقائق،لكن الأدب يكشف المعاني،وهذه الثنائية هي ما يحفظ للرواية ضرورتها حتى في عصر السيولة المعرفية.
على سبيل الخاتمة:
تُمثِّل رواية "الأرملة السوداء" للروائي التونسي محسن بن هنية تجربة أدبيّة جريئة تستحقّ التوقُّف عندها والتحية لصاحبها.فبن هنية،من خلال هذا العمل،لا يكتفي بسرد حكاية أو توثيق واقع،بل يخوض مغامرة فكريّة وفنيّة معقّدة، يُصادم فيها الثوابت ويُعيد فيها النظر في حدود الأدب ووظيفته.إنَّ الجهدَ الواضح في تضمين مفاهيم علميّة دقيقة كالفيزياء الكمية والبكتيريولوجيا داخل نسيج سردي روائي،يشهد على سَعَة أفق الكاتب وروحه الاستقصائية، ورغبته في تقديم عمل يتناسب مع تعقيدات العصر الذي تتداخل فيه المعارف وتتآكل الحواجز بين التخصُّصات.
غير أنَّ هذه المغامرة المحمودة تضعنا،كنُقاد وقرّاء،أمام إشكاليّة عميقةٍ تتعلَّق بطبيعة الأدب نفسه.فالنصُّ الروائي،كما أظهر التحليل،يقف على حافّة حادة بين وظيفته الجماليّة والتعبيريّة من جهة،وإمكانية تحوُّله إلى قناة مباشرة لنقل المعرفة العلميّة من جهة أخرى.
الوقفاتُ التفسيرية المطوّلة التي تشبه "المحاضرات الجامعيّة" تُهدّد،بانسيابيّة السرد وحيويّته،وتُعيد طرح السؤال الجوهري: أيّة حقيقة نبحث عنها في الرواية؟ هل هي حقيقة العلم المجرَّدة،أم حقيقة الإنسان والتجربة الإنسانية المُركَّبة التي يصوغها الأدب عبر التخييل والتكثيف والانزياح؟
في الختام،يمكننا القول إنَّ رواية "الأرملة السوداء"،رغم ما أثاره تداخلُ الخطابين العلمي والسردي فيها من إشكالاتٍ تصنيفيّة وجمالية، تبقى تجربة ثرية وضرورية في المشهد الروائي العربي المعاصر.إنَّها تُجسّد لحظة تساؤل وانزياح عن المألوف،تُراجع فيها الرواية هويّتها في عالم يطغى فيه منطق الاختصاص والتقنية.
إنَّ الإشادة بالمجهود الكبير لمحسن بن هنية لا تعني الموافقة على كلّ خياراته الفنّيّة،بل هي اعتراف بشجاعته في فتح هذا النقاش الحيوي. فالقيمة الأعمق لهذا العمل قد لا تكمن في نجاحه الكامل في دمج العلم بالسرد،بل في كونه قد دفعنا إلى التفكير مليّا في مستقبل الرواية ودورها.فهو يذكّرنا بأنّ الرواية الجيّدة ليست ناقلا سلبيّا للمعارف،بل هي فضاء للحوار معها،حيث تُستوعب الحقائقُ العلميّة ثمَّ تُعاد صياغتُها جماليا لتغدو جزءا من عالمٍ إنسانيٍّ مكتمل.فبينما يقدِّم العلم الحقائقَ،تظلُّ الرواية أداة لا غنى عنها لكشفِ المعاني،وهذا التمايزُ في الوسائل هو ما يحفظ للأدب ضرورتَه وسحره،حتّى في زمن السيولة والتداخل المعرفي الشامل.
هكذا،بين حقول العلم وحدائق الأدب،تقف "الأرملة السوداء" ككائن نصي هجين،يحفر بتجربته الجريئة أخدودا عميقا في جدار التصنيفات الراسخة.إنها ليست مجرد رواية تشرح العلم،ولا بحثا علميا يكتسي ثوب الحكاية،بل هي استفهام كبير ومتجسد حول مصير السرد في عصر طغيان الاختصاص.لقد خاطر الروائي التونسي القدير محسن بن هنية بسلاسة الحكاية من أجل فتح نافذة على المعرفة،وبهذا الخطر نفسه أثار سؤالا وجوديا: أي لغة نستحقها كبشر؟ هل لغة المعادلات المجردة،أم لغة القلب والمخيلة؟!
ربما تكمن الإجابة في أن الرواية العظيمة لا تنقل المعرفة،بل تُنضجها في بوتقة التجربة الإنسانية، لتقدمها لنا عصارة نعيشها،لا معلوماتٍ نحفظها. وهكذا،بين "محاضرته الجامعية"وحكايته التراجيدية، يذكرنا هذا العمل بأن العلم قد يخبرنا كيف يعمل العالم،لكن الأدب وحده من يخبرنا كيف نعيش فيه..!
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق