الاثنين، 9 فبراير 2026

عمق الرؤية بقلم/نشأت البسيوني

 عمق الرؤية

بقلم/نشأت البسيوني 


في حياة كل انسان مرحلة يصل فيها الي درجة من الوعي تجعله يرى الاشياء بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي كان يراها بها من قبل فيدرك ان النظر ليس رؤية وان الملامح ليست حقيقة وان الصوت ليس معنى فالرؤية العميقة لا تأتي مع كثرة التجارب فقط بل مع قدرتنا على فهم تلك التجارب ومع الرموز التي نخفيها في داخلنا حتى يأتي الوقت المناسب لنفهمها كما يجب وفي عمق 


الرؤية يعرف الانسان ان بعض الاشياء تستحق ان نتوقف عندها طويلا وان بعض الامور لا تستحق لحظة واحدة من وقتنا وان هناك اشخاصا قد يمرون امامنا دون معنى لكن حضورهم كان يحمل اشارة صغيرة فهمناها بعد زمن طويل وان هناك مواقف بدت قاسية لكنها كانت المعلم الحقيقي الذي غير داخلنا دون ان نشعر وكل هذا لا يكتشفه الانسان وهو يعيش بعينه بل وهو يعيش ببصيرته


وفي اللحظة التي تتوسع فيها رؤية الانسان يبدأ في فهم خيوط حياته المبعثرة يبدأ في ربط احداث كانت تبدو بلا علاقة ويكتشف ان كل خطوة في طريقه كانت تقوده الى نقطة معينة وان كل شخص قابله كان يحمل رسالة ما رسالة دعم رسالة اختبار رسالة وعي رسالة نهاية وكل ذلك يجتمع في داخله ليصنع رؤية اوضح للعالم ولذاته وللناس وفي عمق الرؤية يتعلم الانسان ان ليس كل ما 


يلمع جميلا وليس كل ما يختفي سيئا وليس كل ما يقال صادقا وان هناك من يبتسم بقلب مغلق وهناك من يصمت بقلب ممتلئ وهناك من يقترب وهو لا يريد الا ان يختبر وهناك من يبتعد وهو يخاف ان يجرح وكل هذه الطبقات لا يراها من ينظر بعينه بل من ينظر بعقله وروحه وقلبه في وقت واحد ومع مرور الوقت يدرك الانسان ان الرؤية العميقة لا تمنحه فقط معرفة الناس بل تمنحه معرفة 


نفسه يعرف ما الذي يحركه وما الذي يؤذيه وما الذي يربكه وما الذي يجعله اقوى يعرف متى يصمت ومتى يتكلم ومتى ينسحب ومتى يتمسك ومتى يغلق بابا لن يفتحه مرة اخرى لان الرؤية التي تأتي بعد الالم اقوى من الرؤية التي تأتي بعد الفرح وفي عمق الرؤية يكتشف الانسان ان بعض الطرق لم تكن مغلقة كما كان يعتقد بل هو الذي لم يكن يرى مداخلها وان بعض الفرص لم تكن ضائعة 


بل كانت تنتظر ان يكون مستعدا لها وان بعض العلاقات لم تكن سيئة بل كانت اكبر من وعيه وقتها فرفضها وهو لا يعلم انه سيحتاج حكمتها يوما وكل هذه التفاصيل تصبح واضحة حين يتغير مستوى النظر ويتوقف عن رؤية العالم بعجلة يعرف الانسان ان اعمق ما في الحياة لا يُرى بالعين بل يرى بالداخل وان اعظم القرارات التي اتخذها لم تكن نتيجة كلام الاخرين بل نتيجة لحظة 


صدق رأى فيها الحقيقة كما هي دون تزييف ودون مجاملة ودون خوف فعمق الرؤية ليس هبة بل ثمرة وعي وصبر وتجارب وتخلي عن كل ما يعطل وضوح الروح لان من يرى بعمق يعيش بعمق ويفهم بعمق ويختار بعمق



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق