الاثنين، 9 فبراير 2026

الهايكو والعمق الفلسفي والصوفي بقلم: الكاتب سلام السيد

 الهايكو والعمق الفلسفي والصوفي

بقلم: سلام السيد


رغم بساطته، يحمل الهايكو أعمق مستويات التركيز والحكمة، إذ يعتمد على اختزال لفظي يمكّن القارئ من الدخول في تأمل صامت. النص المضغوط إلى حد الانفجار والكلمات المعدودة يفتح المجال للحظة العابرة، التي تمثل محور العمق الوجداني وفن التصوير، وتصل بالدلالة إلى البعد الصوفي والفلسفي كما في ثقافة الزن. كما لا يغيب التساؤل الميتافيزيقي حول الموت والحياة، الانفراد، التواجد، وتجاوز الذات باتصالها بالكون والموجودات.


برزخ يمتد،

كلانا في قيامته يترقب،

صمت المناداة.


إن الصياغة الثلاثية للهايكو لا تخلو من السكون، أو ما يُعرف بـ الفراغ المضيء؛ تلك اللحظة التي تتوقف فيها اللغة ليبدأ الإدراك، أي ما بعد الأثر، في الصمت الذي يليه. هذا الصمت يمنح النص زمنه الداخلي ويجعله أقرب إلى التأمل منه إلى الوصف.

وهذا السكون ليس مجرد بعد جمالي، بل حالة وعي تتجلّى في البعدين الصوفي والفلسفي للهايكو:

صوفيًا، السكون هو مقام التسليم بعد المجاهدة؛ حين يسكت السالك، يتكلّم المعنى. وهو ما يوازي روح الهايكو: لا صوت للذات، ولا تكلّف في الكشف… فيُكشف.

فلسفيًا، السكون هو لحظة ما قبل المعنى أو ما بعده؛ فالهايكو لا يقول ما الشيء، بل يضمّن حضوره، ويتيح له أن يكون.

وبمعنى أدق: الهايكو في عمقه تصوّف بلا مصطلحات، وفلسفة بلا أطروحة.


في التيه

يداهمني يقينٌ

بوصلةُ أمان


غالبًا ما يقدّم الهايكو سؤالًا ظاهرًا، يضع القارئ أمام مشهد يكاد يكتمل، ثم يتركه معلّقًا فيما يُعرف بـ الحيرة الإدراكية: لحظة انتباه الوعي إلى نفسه. جوهر التجربة لا يكمن في البنية الثلاثية وحدها، بل فيما بين أسطرها؛ ذلك الفراغ الذي يشبه الصمت الصوفي، ليس غيابًا للمعنى، بل امتناعًا مقصودًا عنه.

فالهايكو ليس تفسيرًا، بل إحساس داخلي، أو أثرًا خفيفًا يسبق الفهم. وهنا يلتقي بالعمق الصوفي، حيث يحضر المعنى حضورًا شفيفًا، ويهب الوجود حقّ الاستنطاق ليقول نفسه بنفسه. إنه ممارسة روحية مقنّعة بالشعر، أقرب إلى مفهوم التجلّي أكثر من كونها وصفًا للمشهد.


الخيط الأبيض

آخر ما تبقّى وتبدأ

تباشير الصباح


سلام السيد



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق