السبت، 7 فبراير 2026

زبيدة /مقتطفات حصرية من رواية السقف الأحمر بقلم الكاتبة هادية آمنة

 زبيدة /مقتطفات حصرية من رواية

السقف الأحمر 

  

متهلّل الوجه، قال عمر لأمّه.

اليوم رجع سيّدي عبد الوهاب إلى المدرسة _


انفرجت أسارير زبيدة عن غبطة لم تستطع إخفاءها، ثمّ نكّست رأسها كالهاربة من عيون ابنها، قائلة بصوت خفيض:

_الحمد لله 


_مسكين سيّدي 


ثمّ التفت إلى أمّه راجيًا منها إعداد بعض الوجبات لمعلّمه، فقد صار وحيدًا بعد وفاة والدته

فقالت بفرح:

الدنيا باردة، ما خيرش من ماكلة سخونة دياري 


ثمّ قامت نشطة إلى المطبخ، تتفقّد ما فيه وما ينقصها لغداء الغد،


عجبتْ؛ فكلّما فرّقت الأيام بينهما جمعتْهما ثانية. وهبها القدر تلك الزيارة في بيته بقفصة، فعرفت عنه أكثر ممّا كانت تأمل: غرفته، سريره، مكتبه، وكتبه الكثيرة المرصوفة بعناية على رفوف مكتبته.


«أيّ الحماقات لم أرتكب حين غامرتُ بزيارته؟»


تحسّست ورقة مطويّة بعناية في جيبها، نشرتها أمام عينيها، وراحت تنقل بصرها على السطور القليلة التي علت صفحتها:


" هي سطور لم تعجبكَ فألقيتَها، وها أنا ذا أحتفظ بها.

عندما استمعتُ إلى روايتك بصوتك المثير الرصين، تكشّف لي سرّ انبهاري بك دون الرجال.

أنت لستَ كالعامة، أنتَ رجل كاتب.


أذكر تلك اللحظة التي ودّعتكَ فيها بعد مأتم أمّك؛ كانت نظرتك إليّ حالمة، خالصة الودّ، شبيهة بالعناق. نظرتك تلك هي نفسها لكلّ النساء. بها ودّعتَ زميلاتك، خاصّة تلك… نوال. حدسي يقول لي إنّها المرأة التي تريدها لمستقبلك.


أنا على يقين أنّ لا واحدة ستحبّك مثلي. كنتُ متوهّمة حين اختصصتُ زوجي بهذه العاطفة، معتقدةً أنّها من حقّه. لا شيء يُعادل الإخلاص في الحبّ؛ أخلصتُ له، ولكنّه خانني"


ارتعبت زبيدة من فكرة الخيانة.

" ما كان لي زاد في التعلّم، ولكن لي زاد لا بأس به في فساد الأخلاق" هكذا تقول عنّي خضرة


لذلك كنتُ كلّما خلوتُ إلى وحدتي، وما أكثر ساعاتها، أسجيك في ذاكرتي كما أفعل الآن، فأقول:


هو الآن جالس على مكتبه يكتب روايته، هو يسهر مستمعًا إلى الراديو في تلك الغرفة ذات الأرائك، هو في السقيفة يحتسي قهوة الصباح، يراجع ما كتب في الليل، هو في فراشه،


آه يا خضرة، لم أركِ لأكبّ في مسامعك ما حدث معي في تلك الليلة؛ في تلك الليلة التي بدأتِ فيها أنتِ حياة زوجيّة بعيدًا عن جنونك ومغامراتك، أمّا أنا فقد قفزتُ دون شعور منّي إلى الضفّة الأخرى، إلى الضفّة الخطرة.


آه يا خضرة، حواسي صارت متيقّظة بعد عناق وقبلة تلك الليلة. آه من قبلة تلك الليلة! فوران غريب متأجّج صار ملازمًا لي، يُمزّق شراييني في لذّة مترقّبة"


امتقع وجه زبيدة حين لمّ بها خاطر متوجّس

"هل كشفت خديجة أمري؟"


رأيتُ خديجة واقفة أمام باب الغرفة المُنغلق علينا، فقفزتُ خارجة؛ فكلّ لحظة بقاء أطول هي اتّهام بالجُرم المنكور


سألتني خديجة باستغراب:

زبيدة، آش تعملي هنا؟ –


تعثّر لساني، لم أستطع الإنكار، فقلت:

 - أخذت لسي عبدو كأس زهورات. في مثل هذا الوقت، أمّي حليمة كانت تفعل ذلك. هو، كما تعلمين، ما زال مريضًا.


الله يرحمها –


هكذا قالت خديجة، وعادت إلى الغرفة، واندسّت في مضجعها دون كلام.


مرتجفة الأوصال، متشنّجة العضلات، تكوّرتُ غير بعيد عنها، وأنا قابضة على تلك اللذّة التي ما فتئت تدفع بي إلى العودة إلى حضنه


هادية آمنة 

تونس



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق