رحيل..في حضرة الوطن
الإهداء : إلى روح الشهيد الذي رحل جسده،وبقيت ذكراه شمعة تضيء دروب الأحرار.إلى من سقط جسدا،ونهض معنى،وإلى دمه الذي صار حبرا يكتب به التاريخ مجد الأوفياء.إليك أيها الذي صرت في تراب الوطن بذرة للكرامة،وغصنا أخضر في شجرة الحرية،نهدي دمعنا وإكليل الوفاء.
إليك يا سيف الإسلام..وفي رحيلك الشامخ..أهدي لروحك الطاهرة هذه الكلمات المضمخة بالوجع..
تصدير :
ليست العظمة في طول العمر،بل في سَعته. وليست القيمة في عدد الأنفاس،بل في ما تملأه هذه الأنفاس من معاني تبقى حين يغيب الجسد. ها نحن اليوم إزاء رحيل حوَّله الشعب إلى ميلاد، وإزاء جنازة لم تكن مشهد حزن عابر،بل كانت محفَّة يحمل عليها الوطن أحد أبنائه الذين صاروا وجدانه النابض.هنا،حيث تسير الجموع بحشودها الصامتة المزلزلة،لا لتودع جسدا فحسب،بل لتروي بخطواتها قصة إنسان صار رمزا،وقضية صارت مصيرا.في هذه اللحظة التاريخية،يتجلى الدرس الأكبر: إن بعض الرحيل لا يعني غيابا،بل تحولا إلى أسطورة تنمو كلما مر الزمن.
لم يسرْ خلف نعشه أبٌ يندبه،ولا أمّ تترنَّح من لوعة الفقدان،ولا إخوة تحملهم صرخات الحزن. سار خلفه شعب بأكمله،في مسيرة وداع أرعدت أرض ليبيا،محفورة في ذاكرة الزمن،شاهدة على أن بعض الرحيل لا يعني غيابا،بل تحولا إلى أسطورة.
لطالما كانت الجنازات الكبرى درسا قاسيا : العظمة لا تُقاس بعدد السنين،بل بعمق الأثر الذي ينحته الإنسان في وجدان أمته،وبالذكرى التي تظل تنبض في صدر التاريخ،حيّة تتوارثها الأجيال.
هنا..في البقعة ذاتها التي مزّقها صليل صواريخ الناتو.
وفي ذات الرقعة التي رنت فيها أصوات الإعلام تهليل.
وفي ظلِّ "ربيعٍ" زَعموا أنه عربي.!
وحول الرجل الذي حاولوا تشويهَه في سجلات التاريخ.
ها هو الحقّ يعلو أخيرا،ويزهق الباطل،فما كان الباطل إلا زهوقا.
ليست المحبة سلعة تُقتنى،ولا غنيمة تُستَلَب بقوة الحديد والنار.إنها تُكتَسَب بورقة عدل،وبكلمة صدق،وبيد تترك أثرا طيبا في الأرض.
من ظنّ أن القلوب تُشرَع بالأموال أو تُقهر بالسلطان،فإنه لم يفهم قطُّ أن مفتاحها الوحيد هو الكرامة والإنصاف.
يمكن للنفوذ أن يُفرض،وللرعب أن يُنسَج،لكن المحبة..المحبة وحدها لا تُخلق إلا من فعل إنسانيّ صادق،يلمس القلوب في صميم إنسانيتها،ويبقى نورا بعد ذهاب الجسد.
الآن يرحل الجسد،ويبقى السّند.فالوداع ليس للشخص،بل للرحلة الأرضية.أما الأثر…فأبقى من صخر،وأخلد من نجم.
طوبى لمن رحلوا وهم في قلوب الملايين..وويل لمن ظنوا أن الموت نهاية.
وهكذا...
بين ركام الصواريخ وصدى التهليلات الكاذبة،
يثبت القلب أنّ الحبّ لا يُدفن تحت تراب المقابر.
تغيب الجثمان،وتتوارى الأجساد،لكنّ الأساطير تولد من رحم الألم.
ها هو التاريخ يُسجِّل اليوم،ليس بمداد من حزن، بل بنار من نور:
أنَّ من يزرع الكرامة في قلوب الناس،يحصد الخلود في سجلّ الأزل.
طوبى للأرواح التي تتسع للعالمين...
وويل للأحياء الذين يموتون كلّ يوم وهم لا يدرون.
لأنَّ الرحيل الحقيقي ليس ذلك الذي يُعلن عند القبر،بل ذلك الذي يحدث حين تخلو القلوب..ولا تجد من يملؤُها.
ويبقى الحُب شاهدا أبديا...
والذكرى دمعة لا تجفّ..
والوجع إكليلا من نور على جبين الزمن.
ختاما سأعزف لروحك الطاهرة-يا سيف-لحن الحرية والإنعتاق:
هناك كثيرون أمثالك
أعلوا وشادوا
وفي كل حال أجادوا..
ونحن كذلك ضحينا بما كان عزيزا علينا
عظيما..جليلا..وما عرف المستحيل الطريق إلينا..
لأننا نؤمن أنّ القلوب إن فاضت قليلا..
ستصبح رفضا..ونصرا نبيلا..
تمنيت أن يعيش شعبك عزيزا كريما..تمنيت أن يرفع الظلم عنك..
لذا..
فعلت الذي كان حتما عليك..
وما كان قدرا على الثائرين جيلا..فجيلا..
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق