الاثنين، 9 فبراير 2026

سقوط الحضارات: حين تتحول الروح..إلى أطلال بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 سقوط الحضارات: حين تتحول الروح..إلى أطلال

عبر دروب التاريخ الطويلة،وقفت حضارات عظيمة كالشوامخ،تبهر العيون بقوتها المادية وتُدهش العقل بإنجازاتها الملموسة.لكن صفحات الماضي لا تُسجل فقط قصة صعود هذه الصروح، بل تُحفر بإسهاب مأساوي قصة سقوطها.فالانهيار الحضاري،في حقيقته الأكثر إيلاما،ليس مجرد تحول للمباني الشاهقة إلى أطلال منسية،ولا تحول الثروات الوفيرة إلى فقر مدقع.إنه تحول أخطر وأعمق: التحول من كيان حي ينبض بقيم وأخلاق وروح جماعية،إلى مجرد هياكل خرسانية صماء،وأبراج تلمع في الظلام كأشباح،وصراعات عقيمة على أرقام في جداول اقتصادية جافة.

إن الانهيار الأعظم يبدأ من الداخل،حينما تتعطش الروح الجمعية إلى المعنى،وتضيع البوصلة التي ترشد المسيرة.والبوصلة ليست آلة ميكانيكية تدل على الشمال الجغرافي،إنما هي ذلك المركب المتوازن من الذاكرة والأخلاق والغاية.وأمة فقدت بوصلة ذاكرتها تصبح كشجرة اقتلعت من جذورها، ترفرف أوراقها لفترة ثم تذبل حتما..تنسى من أين أتت،فلا تعرف إلى أين تمضي.تستبدل حكاية أجدادها بصخب الآخرين،وتستبدل حكمة تراكمت عبر القرون بشعارات آنية تتبخر مع أول عاصفة.

تلك البوصلة تضيع في دوامة الازدواجية المريعة: ازدواجية القول والفعل،والشعار والواقع،والقداسة في الخطاب والانتهاك في الممارسة.وتصبح القيم سلعة استهلاكية نتفاخر بها في المحافل،بينما نغتالها في دهاليز حياتنا اليومية.

تضيع البوصلة حين يصبح "النجاح" هو الإتقان في اقتناص الفرص الشخصية،بغض النظر عن الثمن الجماعي.وتضيع حين يتحول "الوطن" من مشروع روحي ومصيري إلى مزرعة يستغلها الأقوى.عندها تتحول الحضارة إلى قشرة لامعة، تحتها فراغ هائل من الجشع والأنانية والغربة عن الذات.

الغريب في سقوط الحضارات أنه نادرا ما يأتي من عدو خارجي عارم،بل يأتي من عفن داخلي ينهش من الداخل.إنه التهاوي البطيء الذي يبدأ عندما يستسلم الفرد للقناعة بأنه لا يستطيع التغيير، فينكفئ على ذاته،ويُحكم غلق نافذة روحه.ويبدأ عندما تتحول "الأنا" إلى معبد،و"النحن"إلى مجرد تجمع مؤقت للمصالح.عندها تفقد الأمة مناعتها الأخلاقية،وتصبح عرضة لكل وباء فكري وكل انقسام اجتماعي.

لننظر إلى الآثار الشاخصة لحضارات سادت ثم بادت.الحجارة التي بقيت تحكي قصة واحدة: لم يسقط برج لأن حجارته ضعفت،بل لأن الأساس الذي يحمل القيم التي بنته قد تصدع.إنه صدأ الروح الذي يأكل معدن الإرادة. إنه نسيان السؤال الجوهري: لماذا نحن هنا؟ وما هو أثرنا الذي نتركه وراءنا على جدار الزمن؟

روما العظيمة لم تسقط فقط بسبب غزوات البرابرة،بل بسبب الترف الداخلي،واتساع الهوة بين الطبقات،وتحول المواطن المنتمي إلى فرد مستهلك يبحث عن مجرد رغيف..

حضارات وادي السند أو المايا تخبرنا بأن التدهور البيئي كان عرضا،أما المرض الحقيقي فكان التصدع في النسيج الاجتماعي والغموض الذي غطى غاياتهم الجماعية.

أمة أضاعت بوصلة روحها تعيش في زمن دائري عقيم.تتحرك بسرعة هائلة في كل الاتجاهات،إلا اتجاه بناء إنسانها.تنتج كل شيء،إلا المعنى الذي يجعل الحياة جديرة أن تُعاش.وتصبح كسفينة فاخرة،مزودة بأحدث التقنيات،لكن دون دفة أو نجم يهديها،فتهيم في لجّة مظلمة،وتتحطم على صخور صراعاتها الصغيرة،قبل أن تصلها عواصف التاريخ الكبيرة.

ربما تكون الهاوية الأكثر إيلاما،ليست سقوط المباني،بل صعود اليأس الجماعي،واستسلام الروح للتبعية والانسحاق.ولكن،حتى في قلب التيه،تبقى إمكانية الصحوة.فالبوصلة المفقودة لا تُشتَرى،بل تُصنع من جديد: بتواضع الاعتراف بالضلال،وبشجاعة استئناف السؤال عن الغاية، وبعمل صغير متواصل يبدأ بترميم الإنسان،حجرا حجرا،وقلبا قلبا.فالحضارة،في جوهرها،ليست إرثا نحمله،بل وعداً نصنعه.وهي لا تنهار عندما تتعثر، بل عندما تتوقف عن المحاولة.

خلاصة القول :تقف الحضارة الإنسانية دائما أمام محكّها الأصعب: ليس محك الغزاة أو النوائب،بل محكّ الذات والنفس.فالتاريخ يشهد أن القلاع الحصينة تسقط من أبوابها الداخلية أولا،حين يغيب الحراس الحقيقيون: حراس القيم،حراس الذاكرة،حراس المعنى المشترك.لذلك فإن خلاص أي أمة،وضمان استمرار أي حضارة،لا يكمن في تشييد أبراج أعلى،بل في بناء إنسان أعمق،وإعادة توليد ذلك "المركب المتوازن" من الذاكرة والأخلاق والغاية.والمستقبل لا يُبنى بالأسمنت المسلح وحده،بل بالإرادة المسلحة باليقين، وبالروح التي ترفض أن تكون قشرة لامعة على فراغ.

إن التحدي الأبدي للإنسان ليس الهيمنة على الأرض،بل الانتصار على عفن الذات،وصناعة بوصلة روحه من جديد،كي لا يصير تاريخه مجرد حكاية أحجار بلا قلب،وأطلال بلا دليل..

ختاما،قد لا أضيف جديدا إذا قلت أن النهضة لا تتقدم تلقائيا في ما يشبه الحتمية،والحضارة لا تتأثر بمجرد الإستخدام الميكانيكي للآلات، والثورة لا تنجز مهامها بالأدعية والأمنيات.بل الإنسان هو صاحب المعجزة.والمعجزة لا"تتحقق" إلا بإرادة الإنسان..حين ينتصر العقل الجديد والوجدان الجديد وكذا الرؤيا الجديدة نهائيا،على فجوة الإنحطاط..


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق