لوحة" الامل " للرسام عبد اللطيف كوساني هل هي صراع بين الموجود والمنشود ام هي تجسيد لقولة الشابي :
ومن لم يتعلم صعود الجبال ...يعش ابد الدهر بين الحفر.؟
قراءة في لوحة "الامل" بتقنية الحفر على المرآة للرسام والفنان عبد اللطيف كوساني.
والمراة في المتخيل الشعبي أو القييم الفني هي مجال أوحد وهي التي تشترك مع الظل في تجسيم الشكل غير أنها اكمل وأصدق في نقل الملامح بل هي تجعل لك توأما افتراضيا يخاطبك بلغتك ويتحرك بتحركك ويواجهك بما ظهر منك وما بطن
.هي إذن المجال الاصدق في مواجهة الذات ونقل صنو قولك وحركاتك وملامحك وهياتك، إذن هي تخلق لك بديلا يتغير بتغيرك ويسكت بسكوتك .
لكن الرسام والذي لم يترك مجالا ولا مسرحا ولا موطئا فيه ذرة فن الا اقتحمه وداعبه بفرشاته وألوانه وأشكاله .غير أن الامر في هذه اللوحة قد تعدى المألوف فالتقنية حفر والركح مرآة واامجسم ا"امل"
هذا الأمل الذي أراده أن يكون محفورا بكل تجسيداته باللون الاسود ،لون وان صنفته الذاكرة الإنسانية بأنه للحداد والعنف والنهابات فأن علماء النفس يرون في كل نهاية بداية لشيء جديد قد يكون بقوة القتامة المطلقة للتجذر والدوام وهو لون الطاقة الجبارة مادام يتحدى كل الالوان قتامة واطلاقا ولا يدخل معها في مقارنة ندية إلا الابيض لون الطهر وعذرية الاشياء .لون له ضد واحد يخلد بخلوده .واللون الأسود اختاره الرسام لكل المنقولات المتغيرات المتجددات في توحيد وتلاؤم لكل المؤثثات المشهدية ..تأكيدا منه على التساوي والتكامل تجاه الامل.
والفضاء مرآة مستطيلة بخط وهمي تمويهي قسم اللوحة مثلثين ..
المثلث الاول سفلي وهو الأكثر تمددا في المساحة يبدو رماديا متربا يشقه خط اسود رقيق به تكسرات دقيقة. والبطل شخص غابت ملامحه وهو في حركة تاهبية بخطوة نصفها على بداية الطريق والأخرى في الفضاء تتأهب لاتمام مشروع الصعود غير أن حملا في اليد اليسرى يشد البطل إلى الواجب الارضي وهي في تقابل مع العصا المشرعة باليمنى نحو الأعلى لتكون في تواز عمودي مع الطريق المشجر. هذه الشجيرات المحفورة وسط الطريق لم تخل من شحنات دلالية تبرر العنوان فهي أشجار تبدو للمتلقي كما تبدو للبطل الذي يهم بالصعود فكان المتلقي يصطف معه فيصبح الفرد دالا على الجمع بل هو جزء من كل .والأشجار كعنصر بارز ذي رمزية عالية تبدو الاولى اكبر من الثانية والثانية اكبر من الثالثة بيد أن الأهم هي تلك التجويفات في قلب الشجرة وهي لعمري مقصودة بدقة قصوى .أنه الامل في المرور والمضي نحو شمس بدت كئيبة في أعلى المثلث تحجبها جوارح وكواسر لكنها تلح على الاشراق بخطوط ثابتة منطلقة في تحد إلى الاعلى لتنير دروب طيور محلقة بحرية .طيور لم يظهر منها الرسام الا الأجنحة فالتقاصيل ثانوية جدا .الحرية والتحليق والابتعاد عن واقع مترب يزداد قتامة كلما غصنا في مجاهل الحاضر المعتم . هذا الامتداد اثث له الرسام مثلثا بزرقة سماء تنيرها شمس معتمة ،هذه الزرقة المبشرة بحرية وامل في غد أفضل وأكثر اشراقا وجمالا لن يتحقق إلا بالصعود وبشحنة إرادة صلبة لا تهاب المصاعب كي لا تظل بين الحفر . فالصغود نحو النور والضياء مشروع حياة ورقي رغم المصاعب والمعاناة التي تتربص بالإنسان ذي الهدف الأسمى .
لوحة ثرية بشحنات امل وتناغم مع الطبيعة يؤثث لغد أفضل .كم نحن في عطش لارتشاف بعض جرعات تشفينا من كدر مقيت ،وتنتشلنا من واقع مترب قاتم .
حبيبة المحرزي
تونس








