حوار مميز جدااااا ..الأديبة وحيدة المي تحاور الكاتب التونسي فنحي بن معمر ....
أكتب لأحفظ الذاكرة ... الكتابة إحيَاء
فتحي بن معمر
حاورته وحيدة المي
* بعض الأسماء الأدبية قد يُكفَّرُ الإنسانُ إذا ذكرها أو ذكر أعمالها بسوء
* 18 ديسمبر الإعلان عن نتائج جائزة توفيق بكّار للرواية ، والروايا ت المرشّحة للفوز: ثلاث من مصر ، روايتان من تونس ،و رواية من كلّ من الجزائر ،اليمن ،السودان ،ليبيا ،البحرين وألمانيا
هو قلم متعدد وحيّ ، يكتب في مختلف الأجناس وبلغات متعددة بما في ذلك الأمازيغية، كتب بها القصّة والشعر والأغاني ، وترجم منها وإليها ، وله مشروع رواية بهذه اللغة التي " أزاح عنها غبار النّسيان والتّهميش و قدّمها للنّاس" وبها يتصالح مع نفسه ويكتب بمهجته ولغته الأم حسب قوله . الدكتور فتحي بن معمر أيضا باحث وناقد وكاتب له ثقافة موسوعية وهو قارئ نهم ، لكنه يعمل في صمت لأنه " ليس متحمّسا لدور المثّقف الوطواط أو المثقّف بوق الدّعاية"... التقته الأنوار في هذا الحوار الممتع.
هنيئا حصولك على الدكتوراه، لماذا بحثت عن أصل الشر في الديانات، هل هو اعترافك الضمني بأن الكون ينبني على الشر؟
ليس من السّهل أن نجازف بالجزم بما ذهبت إليه من أنّ الكون ينبني على الشّر. ولكن دعينا نقول ببساطة إنّ الكون فيه خير وشر. والمبحث الذي شغلنا في هذه الرّسالة هو كيفيّة تمثّل كلّ من اليهودية والمسيحية والإسلام لأصل فكرة الشرّ ومدى تأثير هذا التمثّل على المناهج التربوية والقيم الأخلاقية وهي دراسة منهجية مقارنة انطلقنا فيها ممّا ورد في كتاب أخنوخ (إدريس (ع) في الإسلام) حول أصل فكرة الشرّ وتتبعنا حضورها وأثرها في اليهوديّة والمسيحية والإسلام.
الإبداع أيضا يعيد إنتاج الشرّ بالكتابة عنه واستحضاره، والكاتب ليس النبيّ ولا الإله، هل قدرنا أن نعيش بهذا الإرث الثقيل وما دور الإبداع إذن ؟
أعتقد أنّ كلّ كتابة مهما كان مضمونها فعلٌ خيِّرٌ لأنّ الكتابة تبني وتؤسّس وتوجّه مضمونيّا وجماليا. كما أعتقد أنّ الكاتب نبيٌّ بالضّرورة وأحذو حذو جبران في كتابه "النبيّ". نعم قد يكتب الكاتب أو المبدع عموما شاعرا كان أو ناثرا الشرّ أو قد يكتب عنه بل قد يُجريه حيّا، متوحشّا في فنّه حتّى يخشاه الناس ويرتهبون. لكنّ كتابته أو الكتابة عنه تؤسّس حتما لغد أفضل وتقدّم إبداعا ومقاربة خاصة لموضوع يشغل النّاس. وماذا يكون دور الأدب إن لم يكتب عن الشّرور ويصوّر أهلها وأصحابها بجمالية عالية وإن كانت مؤلمة أو مخيفة. فالكتابة الفنيّة أو الأدبيّة ليست نصوصا دينيّة مقدّسة يدين بها النّاس بل هي نصوص إبداعية يتمتّع بها النّاس ويناقشون مضامينها وينافحونها.
فتحي بن معمر، يفتح أجنحته في مدارات شاسعة من البحث إلى القصة ،إلى النقد ،وهو مغامر خاض تجربة التنقيب في الحضارة والهوية الأمازيغية، ما خلفية هذا الاختيار الانتقائي؟
ربّما لأن فتحي بن معمّر كما آلاف التونسيين أمازيغي المولد والمنشأ ومسقط الرأس والموطن والوطن. أنا من الذين تعلّموا العربية في المدرسة وما كنت أعرف قبلها غير اللغة الأمّ أي اللّغة الأمازيغية. إذن أنا لا أخوض تجربة ولا أمارس هواية. أنا ببساطة أتصالح مع نفسي حين أزيح ما ران على هذه اللّغة وهذه الحضارة من غبار النّسيان والتّهميش والإهمال وأحاول أن أقدّمها للنّاس. وأنا إذ أفعل ذلك أعتقد أنّي أصنع معروفا لهذا الشّعب بمصالحته مع لغته وتراثه وحضارته.
لك إصدارات بالأمازيغية بين سرد وشعر، أي رهان لكاتب يعوّل على الأقلية بدل الأغلبية؟
المسألة ههنا لا ينظر إليها من زاوية الأقليّة أو الأكثريّة. بل ينظر إليها من زاوية التأسيس وإعادة هذه اللّغة إلى أهلها حيّة نابضة. نعم الآن هناك مشكل مقروئية. ومن حقّك أن تسألي من يقرأ هذا؟ لكنّي أعتقد أنّه في مثل وضعيتنا التي يُفترض أن نجمع فيه تراثنا التليد العريق يجب أن نسأل "من يستطيع أن يكتب بهذه اللّغة ليخلّدها وفي هذه اللّغة لكي يُثريها وحول هذه اللّغة لكي يُقدّمها للنّاس ولكي يُقدّم ثقافة وحضارة أصيلتين ذات صلة وثيقة بها؟ وإنّه من المحزن فعلا أن نرى مراكز دراسات وباحثين أجانب يلتقطون ما يُكتب ويطلبونه قبل أن يصدر بينما يزدريه أهل البلد والأبناء الشّرعيون لهذه اللّغة وإن تعرّبوا.
ما سرّ اهتمامك باللغة الأمازيغية وبتقعيدها ونحوها ،هل تؤسس لقارئ بديل أم تبحث عن قارئ من "الغابرين" ؟
في الحقيقة لا أؤسّس لقارئ جديد ولا أبحث عن قارئ من الغابرين. أنا أكتب للمهتمين وأكتب للمُحتفين بلغتهم. وأكتب خاصة لأحفظ ذاكرة الشّعب. أكتب أيضا لأنّي أومن أنّ اللغة وعاء الفكر والثّقافة والحضارة. فكلّ لغة تموت، تموت معها أفكار وممارسات ثقافية وعادات وتقاليد. الكتابة حياة والكتابة فعل مؤسّس وبعبارة أدقّ الكتابة إحياء. ومن أحيا لغة كأنّما أحيا الناس جميعا. ولذا أنا أكتب إبداعا بلغتي وأكتب دراسات حول قواعدها وقضاياها اللسانية وأكتب حول بعض القضايا الحضارية المتّصلة بها. أفعل كلّ ذلك بحماس لأنّي على يقين أنّه ثمّة قارئ ما مهتمّ الآن وغدا ودوما.
هل هو اهتمام يأتي في إطار مشروع أدبي؟ ولماذا هي دون غيرها من اللغات؟
لا أستطيع أن أتحدّث عن مشروع أدبي. ولكنّي ببساطة أكتب بلغتي كما يكتب أيّ واحد في الكون بلغته. هل يُلام العربي أو الفرنسي أو الألماني أو غيره حين يكتب بلغته؟ فلمَ يستكثر علينا البعض أن نكتب بلغتنا، بمهجتنا، بروحنا الأمازيغية؟ وعموما سأظلّ أكتب بها كما أكتب بالعربيّة وبلغات أخرى. وقد ينضج مع الأيّام مشروع واضح. وقد كتبت إلى حدّ الآن بالأمازيغية القصّة والشعر والأغاني وقد لُحِّنت وغُنِّيَت وثمّة مشروع رواية كما ترجمت وأترجم منها وإليها.
أنت ناقد وقارئ نهم، لك دراية كبيرة بالأدب التونسي ما هي أحوال السرد التونسي؟
أتابع السّاحة الأدبية وما يصدر من أعمال شعرا وقصّة ورواية وأقرأ ما استطعت إليه سبيلا لأنّ وتيرة الكتابة والنّشر متسارعة والمطابع ترجمنا رجما جميلا بعشرات المؤلّفات شهريّا. ورغم أنّ ما نُرجَم به ليس كلّه بديعا ولا ذا جودة عالية أدبيّا إلا أنّي أعتقد أنّ ذلك يخدم الأدب التّونسي لأنّه يراكم تجارب لأصحابها ولغيرهم ويولّد سياقا عامّا من المحاكاة والمنافسة التي ستعود بالنّفع على السّاحة التونسية.
هل يمتلك فتحي بن معمر جرأة الطعن في النصوص الراكبة على الإبداع وإبداء رأيه فيها؟
الإشكال في تقديري في السّاحة الأدبية التونسية هو بالأساس في تحديد الرّاكب والمركوب. فما النصّ الحقّ وما الأدب الحقّ؟ ومن يحدّدهما؟ وما هي المعايير التي من خلالها نصنّف هذا النّص أدبا وذاك النصّ من درجة ثانية أو صفر؟ أنا أعتقد أنّه لا يخلو نصّ من جمالية وإبداع إلاّ النصّ الذي لم ينسجم ليكون نصّا. وهذا النّوع الأخير يخرج من دائرة النّصوص إلى دوائر أخرى من الابتذال والارتذال والخلط ويجب حينذاك أن يقول القارئ كلمته. طبعا أبدي رأيي وأرفض الكتابة عن عشرات النّصوص التي تصلني وأنصح بعض الأصدقاء صراحة بعدم الخوض مرّة أخرى في جنس من الأجناس بعد تجربة أو تجربتين.
النقد مسؤولية والنقاد غرابيل التاريخ، إلى أي مدى يمكن الوثوق في هذا القول؟
النّقاد غرابيل نعم، ولكنّهم مصاعد أيضا. وتلك هي المعضلة بالمعنيين الإيجابي والسّلبي. فالأمر يحتاج إلى تنسيب. فليس دور النّقد أن ينخل النّصوص بحثا عن الخطأ وسقط المتاع من المكتوب بل دوره أن يعالج هذه النّصوص من زاوية الخبرة الأكاديمية والحسّ الإبداعي المرهف بوعي تامّ وناضج بالسّياقات التي تكتب فيها هذه النّصوص. كما أنّ النّقد ليس من دوره أن يُجحف في مدح نصوص والعكوف عليها حتّى يغدو مصعدا لها ولأصحابها يبلغون بها ذروة المجد الإبداعي الشّاهقة وهم لا يستحقّون أن يكونوا على ظهر ربوة من ربى الإبداع. فبعض الأسماء قد يُكفَّر الإنسانُ إذا ذكرها أو ذكر أعمالها بسوء.
تعرف الرواية أوج الإقبال عليها من طرف الكتاب في السنوات الأخيرة، لماذا سحبت البساط من تحت القصة بأصنافها؟
لا أعتقد فعلا أنّ الرّواية قد سحبت البساط من تحت أي جنس. ولكلّ جنس أهله وقد تجد من يكتب في هذا كما يكتب في ذاك. وربّما هي موجات تزجر وتمدّ من حين لآخر في بحر الإبداع . وإن سلّمنا برأيك فالميل إلى الرّواية يعود ربّما إلى أنّها تعطي الكاتب مساحة أكبر للمناورة والتوسّع وممارسة كلّ الأجناس الأدبيّة داخلها.
جائزة توفيق بكار للرواية العربية تظاهرة تنتصر أيضا للرواية على حساب الأجناس الأخرى ، هل نعيش زمن الرواية إذن؟
تحتفي جمعية ألق الثقافية بالرّواية من خلال جائزة توفيق بكّار للرّواية العربية التي نجهّز للإعلان عن نتائج دورتها الثالثة خلال شهر تقريبا ( 18 ديسمبر ). ولكنّها تحتفي أيضا بالقصّة من خلال الندّوة الدولية للقصّة القصيرة التي تبلغ هذه السنة دورتها الخامسة بالشّراكة مع المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بأريانة. وبالمناسبة فقد حددّت لجنة تحكيم جائزة توفيق بكار للرواية العربية التي شاركت في دورتها الأخيرة 105 رواية القائمة القصيرة للروايات المرشّحة للفوز بالجوائز وفيها ثلاث روايات من مصر وروايتان من تونس ورواية من كلّ من الجزائر واليمن والسودان وليبيا والبحرين وألمانيا.
تطبع الأمكنة ذاكرة النص وتترك بصمتها ما هو المكان الذي ألهم نصوصك الإبداعية؟
أكيد طبعا. والقارئ يلاحظ حضورا بارزا لقريتي قلالة في جزيرة جربة في أغلب نصوصي. وهذا طبيعي وعادي. كما لكل الأماكن التي عشت فيها طويلا أو عايشتها لسبب ما حضورها أيضا.
تتسم بحضور بارز إبداعيا لكن لا نسمع صوتك السياسي لماذا تصر على وضع مسافة بينك وبين السياسة؟
أنا لا أضع مسافة بيني وبين السّياسة. لي مواقفي ككل النّاس لكنّي لست متحمّسا لدور المثّقف الوطواط أو المثقّف بوق الدّعاية. البلاد في تقديري ليست في حاجة إلى تأجيج الجدل بل هي في حاجة ماسة إلى العمل. أرى أنّ الأمر يحتاج إلى تأصيل قيميتين مهمّتين وترسيخهما وجعلهما حقيقة على الأرض فعلا وممارسة وهما قيمة المواطنة وقيم العمل. وهما بالمناسبة قيمتان لا تتعارضان مع القيم الدينية ولا مع القيم العلمانية. وبهما يصلح الوطن في ظرف وجيز. فلا مخرج إلا بإذكاء الضّمير الوطني والضمير العملي.. لأنّه كما قال منور صمادح : أمران في بلدي قد خيبا أملي الصّدق في القول والإخلاص في العمل.
إلى أين تمضي وهل ترى المناخ العام بالبلاد يشجّع على الكتابة... والحياة ؟
تمضي البلاد إلى الفعل والتأسيس والتغيير. وهذا المناخ العامّ بكلّ ما فيه من سوء وتعاسة ملهم للكتابة نقدا وأملا. أنا على يقين رغم هذه اللخبطة والضبابية وهي عندي الخطر الدّاهم الأكبر أنّه على هذه الأرض دائما ما يستحق الحياة. والكتابة حياة وإحياء. ما حدث في تونس 2011 زلزال لم يقوّض كلّ الأسس وما عشناه خلال عشر سنوات وما نعيشه الآن هي ارتدادات الرجّة الأرضية العنيفة وهي ارتدادات ستمضي لحال سبيلها لترسي سفينة البلاد على الجودي بعد هذا الطّوفان الذي لم يكتمل بعد في تقديري.







