الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

خير نسل بقلم محمدأمين عبيد

 خير نسل

بقلمي :

       محمدأمين عبيد


 كسانا  الهم في صبح  و ليل 

 وفي حلم بساعات  التجلي

و نابلس    تنادي   كل  أهلي

فقد ضاع الجمال بحسن ظل 

و أشجاري  و  خضرتها  بذل

 فوا أسفا على ماض  و خل

 فقد مات الهنا في غير وصل

 بلادي  في  بلاء  في ابتذال

  رماها  حاضر   أعلى  لسفل

 و بتنا في البراري  مثل  كل

و شعبي قد تضوع  مثل فل 

 يناجي   ربه    يدعو    بغل   

 سئمنا  العار  إنا خير  نسل 

نباري  النجم  أضواء بفضل


ضحكت بقلم الكاتب عبدالرحيم الهيكي

 ضحكت.. 


ضَحِكَتْ بِهَمْسٍ وَعَيْنَاهَا بِهَا جَمَالَهْ

تُصْبِحُ بِخَيْرٍ فِي الْفَجْرِ تُظْهِرُ احلامه 

تُنْشِدُ مَوْالًا تَغَنَّتْ بِهِ بِلَحْنِهَا

لِلْبَسْمَةِ الْحُسْنَى لَدَيْهَا دَلَالَهْ

تُعَاكِسُ الْقَلْبَ عَيْنَاهَا السَّاحِرَهْ

كُلَّ يَوْمٍ أَرَى فِيهَا حُسْنًا وَخَيَالَهْ

نَجْمُ اللَّيَالِي وَالْقَمَرُ الْهِلَالِي سَطَعَهْ

بُلْبُلٌ شَادٍ عَلَى الزَّهْرِ يَحْكِي أَمَالَهْ

رِيشٌ نَضِيرٌ وَالنَّدَى فَوْقَهُ مَا زَالَهْ

وَالرَّمْشُ يُبْدِي سِحْرًا يُلَهِّبُ جَلَالَهْ

سِحْرٌ يُفَرِّحُ فُؤَادِي كُلَّمَا أَطَلَّتْ

وَالْقَلْبُ يَشْعُرُ بِالسَّعَادَةِ وَابْتِهَالَهْ

مِنْ عَيْنِهَا سَهْمُ الْهَوَى مَا لَهُ مِثْلٌ

فِي حُبِّهَا قَلْبِي يَعِيشُ فِي وِصَالَهْ

الكاتب عبدالرحيم الهيكي @


((قصيدة:إيقاظ الضمائر)) بقلم ابو بكر الصيعري

 ((قصيدة:إيقاظ الضمائر)) 

______النص👇______ 

مِنْ فَيْضِ وِجْدَانِ المَفَاخِرْ

 وَحِبْرِ قَلَمِ  إِبْدَاعِ  شَاعِرْ 


رسالةٌ  خُطَّت  بدمٍ ثائرْ 

إلى أهلِ  العُلَا  والأَكَابِرْ 


بَرَاءَةُ ذِمَّةٍ  وَجَبْرُ خَاطِرْ 

مُشَبَّعَةٌ بِالنَّصَائِحِ وَالزَّوَاجِرْ 


مَمْزُوجَةٌ بِفَيْضٍ مِنَ الْمَشَاعِرْ 

كَتَبَهَا وَالدَّمْعُ مِنْ عَيْنِهِ مَاطِرْ 


وَأَرسَلَهَا  مَعَ  كُلِّ  ضَامِرْ

 إِيقَاظاً  وَتَأْنِيباً  لِلضَّمَائِرْ 


لَعَلَّهُ يَجِدُ لِلنَّصِيحَةِ سَامِعاً 

وَمُتَمَعِّناً فِي قِرَاءَةِ الْخَوَاطِرْ 


وَيَقُولُ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعاً 

دِمَاؤُكُمُ  لَيسَتْ لِلْمَتَاجِرْ 


عُودُوا إِلَى رُشْدِكُمْ فَقَد  

عَبِثْتُمْ  وَطَالَ  التَّنَاحُرْ 


ارحَمُوا بَعضَكُمْ  بَعضاً 

وَكَفُّوا  عَنْكُمُ  الْمَخَاطِرْ 


تَوَحَّدُوا وَكُونُوا لِكُلِّ خَصمٍ 

أَشِدَّاءَ  كَأَمثَالِ  الْكَوَاسِرْ 


وَاشْحَذُوا  الْهِمَمَ  الْعَوَالِي  

فَإِنَّ اللَّهَ  لِلْإِسلَامِ  نَاصِرْ 


 وَخِتَامُهَا صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى 

مَنْ جَاءَنَا  بِالْحَقِّ وَالْبَشَائِر  

___________________ 

بقلم ابو بكر الصيعري ✍️ 

🇾🇪30\9\2026م 🇾🇪



في الوقت المناسب بقلم :ماهر اللطيف /تونس

 في الوقت المناسب


بقلم :ماهر اللطيف /تونس


كان يقود شاحنته الفلاحية بسرعة جنونية، يتجاوز السيارات بتهور، محرجًا السيارات القادمة من الجهة المقابلة. كان يشير بيديه بغضب إلى كل من ينبهه إلى خطورة ما يفعل.


لم يطع أمه الجالسة بجانبه حين طلبت منه تخفيف السرعة واحترام قواعد المرور؛ بل بدا كأنه لا يسمعها ولا ينتبه إلى وجودها.


كان تائهًا، غائبًا عن وعيه؛ يتذكر حديث والده ومزاحه معه، فيضحك تارة، ثم يسمع صدى صوت: «مات قيس»، فيبكي طورًا.


اقتفت أثره سيارة شرطة كانت رابضة عند رأس أحد الأنهج، لكنه لم يمتثل لإشارة التوقف، فطلب سائقها المدد، تجنبًا لكارثة محتملة.


بعد دقائق من المطاردة، أجبروه على التوقف، وأمروه بالتنحي عن العربة ورفع يديه عاليًا. امتثل وهو في غيبوبته، فأمر رئيس الشرطة بالقبض عليه وإجراء تحليل عاجل للتأكد من استهلاكه مواد مخدرة.


مد هشام يديه طواعية إلى الأصفاد.


هرعت دعاء نحو رئيس الشرطة، وجثت على ركبتيها تحاول تقبيل حذائه وهي تبكي بحرقة. مد يديه إليها، ساعدها على النهوض، ومنعها من ذلك، ثم قال مبتسمًا:


— القانون فوق الجميع، أماه. أرواح الناس أمانة في رقابنا.


قالت متوسلة:

— ابني منهار يا ولدي، أظنه أصيب بانهيار عصبي.


— بل يبدو أنه استهلك مواد مخدرة، و...


قاطعته بصوت مرتفع:

— دفن والده للتو! دفن سنده في الحياة. أصر على أن يفعل ذلك بيديه، ليكون آخر عهده به... ومنذها تحول إلى الحالة التي تراها، بني.


ساد الصمت لحظات، وبدا التأثر على الجميع.


قالت:

— حوّله إلى المستشفى ليتلقى العلاج بدل القبض عليه.


خفض صوته وقال:

— حاضر، أماه... سنقوم بالاثنين معًا.


نُقل هشام إلى المستشفى، فيما تولى أحد أعوان الشرطة التحقق من رواية دعاء. وبعد دقائق، عاد ليؤكد صحة الحكاية.


كان قيس قد مات بعد صراع طويل مع سرطان انتشر في جسده ونال منه رويدًا رويدًا. وكان هشام يهيم بأبيه، وأنفق عليه أموالًا طائلة لإنقاذه، لكن محاولاته باءت بالفشل.


جاءت نتيجة التحليل خالية من أي مادة مخدرة أو مسكرة.

لم يكن هشام مخمورًا... كان مكلومًا.


بحثوا عن سبيل لعلاجه وإنقاذه من حالته الحرجة؛ فقد أنقذوه، في الوقت المناسب، من نفسه... ومن كارثة كان يمكن أن تقع.



ماذا لو أنك... بقلم الأديب سعيد الشابي

 ماذا لو أنك...


واني لأجزم بأنك أنت

من بدأ العداوة ، وأنت

من نأيت ، والهجر أبيت ، 

وأنت ، .....

من رفع الهاتف ولمّا

اسـمي ورقـمي قرأت

الى أمّك مــددته ، ثمّ

في أذنــــها وشوشت

قولي له : ليست هنا

وتــــوقّعت ....

أنــــني لم أسمعــك

وفي اضطراب ، وارتعاش

فاضح اليها أومأت

ولها ثـــانية همست

قولي ، له خــرجت...

قـــولي له خرجت

وحين المسكينة تلعثمت

وأدركت أن اللعـــبة

قد كشفـــت وانتهـــت

أغلقت الهاتف ...ثمّ

أدركت أنني اليك سآتي

مسرعة خـــرجت

وجئت ، ورأيت سيارتك

ذات اليمين قد انعرجت

وأوقفني الضوء الأحمــر

والفرصة اغتنمت ، 

وأسرعــــت ...وأنت

تنظرين مرآتك العاكسة

ترقبين وراءك ، ســـيارتي

تراوغين العربات ، مذبذبة

وداخل فوضى المرور غبت

لكن بحدسي أدركـــت 

أين أنت....

ووجدت السيارة اليتيمــة

عنـــد عــمارة رابضة

وقــــد صعـــدت

ثم في المعهد ، وراء

زميلات لــك اختــــبأت

ماذا لو أنـــك....

يا جـــبانة ، حــــاقدة ...

ويــا خائنة ، نزلت

وفي شــجاعة ، أعلمتــي

أني ، انتهى أمري لديك


سعيد الشابي


ذهاب وإياب بقلم يسرى هاني الزاير

 ذهاب وإياب

‎‏هناك كنا وقبلها كنا هنا، وبعدها رجعنا 

‎‏بين الذهاب والإياب مسافات وسنوات رسم فيها القدر ملامح ذاكرتنا

‎‏كنا هناك، وأصبحنا هنا وبين هذا وذاك كتب القدر أعمارنا، وحفرت الأحداث ذكرياتنا.

‎‏هكذا هي الحياة نأتي إليها أحرارا، فتستعمرنا إراداتها والأقدار 

‎‏تمر الأيام نكبر دون أن نشعر وما أن ندرك أننا وصلنا لمرحلة النضج حتى نجدّ ذواتنا مكتظة بأمور ليست منا وفرضيات لا تشبهنا كل ما في الأمر أننا خلقنا في محيطها وعشنا زمانها.

‎‏ومن هنا يبدأ الصراع الداخلي بين أكون أو لا أكون أن أكون حرا طليقا أم تابعا مكبلاً بإرادة الآخرين.

‎أما المعضلة الحقيقية هي الذات التي أمست مع تراكمات الحياة المكتظة بالمتناقضات والنكسات والأحلام المستحيلة الاستيقاظ كما كرةً صوفية ضخمة خيوطها جلها عقّد وتشابكت.

‎لذا وجب على المرء مدارات ذاته بملاحقة أحلامه وطموحاته مهما طال بعدها والانتظار.

‎فما الإنسان دون انتظار حلم يتحقق وأمنيّة تشرق بإنجاز سوى ميت على قيد الحياة.

‎ومع الأسف كم، وكم يحمل زماننا هذا من أناس تمشي حاملة بصدرها توابيت حياتها، وفي خطواتها تجر الألم، ومن عيونها الحزن بادي.


يسرى هاني الزاير


عشان الماضي كله جروح بقلم الشاعر_فهد_الحوتي

 عشان الماضي كله جروح 

بقينا نشك في المطروح 

و نجمع من شتات الروح 

مشاعر قابله للقسمه

و لو صوت  القلوب مخنوق 

هحبك  حب غير معتاد

و لا قبلك شافوه عشاق 

و لا في شكله و لا في الدوق 

بحبك خارج الصندوق 


الشاعر_فهد_الحوتي



نجمة البحر بقلم سامية محمد غانم

نجمة البحر

وأنا جالسة على رمال شاطيء الغرام

وجدت نجمة من نجوم البحر تضحك لي

قائلة أهلا ومرحبا بك على شاطيء الغرام

أنا مثلك جالسة هنا سهرانة لا أنام

أنتظر توأم الروح الذي تركني في البحر وعام

عام ضد التيار لكي يأتيني بجوهرة الأحلام

جوهرة ثمينة هناك بين الصخور والرطام

وسألتني نجمة البحر ماذا تنتظرين  ؟ 

أجبتها أنتظر مركبا عليها فارس الأحلام

فأنا لا أخشى عليه من الموج فهو عوام

لقد تأخر كثيرا سأنتظره حتى يحل الظلام

إجلسي هنا بجواري سامريني ماأحلى الكلام

أنا وأنت هنا هائمتين نستمع لأجمل أنغام

أنغام الأمواج التي تحمل لنا رسائل سلام

على أمل أن يعود نجمك وفارسي مع الأيام

بقلمي/

سامية محمد غانم



الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

لَنْ أَعُودَ لَكَ بقلم سعاد الحائك 🇹🇳 جربة

 لَنْ أَعُودَ لَكَ

كَمْ أَشْتَهِي

تَغْيِيرَ قَلْبِي

كَيْ لاَ أَذْكُرَكَ

لَمْ أَعُدْ أَرَاكَ

كَمَا كُنْتُ

لَكَ...

وَلَمْ أَفْهَمْكَ

لَمْ يَعُدِ الشَّوْقُ

يَطْرُدُ النَّوْمَ 

مِنْ عَيْنَيَّ

وَأَسْهَرُ لَيْلِي

كَيْ أَرْسُمَكَ

وَلَمْ يَعُدْ

صَوْتُكَ يُغْرِينِي

وَرُبَّمَا لَمْ تَعُدْ

تَعْنِينِي

كَمَا كُنْتُ

أَرَاكَ فأرتبك

أَصْبَحْتُ أَنْسَاكَ

كَثِيراً

وَلاَ أَذْكُرُ

أَنِّي اشْتَقْتُ

لَكَ...

مَا يَجْمَعُنَا

أَعْنِي كَمْ ذِكْرَى

تَرْبِطُنَا

تُذَكِّرُنِي وَتُعِيدُ

حَنِينِي

لَمْ أَعُدْ أَرَاكَ

كَثِيراً فِي أَحْلاَمِي

كَمَا كُنْتُ

كُلَّ لَيْلَةٍ

أُصَلِّي لَكَ...

كَمْ جَمَعَتْنَا

أَحْلاَمٌ

كَمَا فَرَّقَتْنَا الأَيَّامُ

وَكَمْ كُنْتُ

عَلَى طَيْفِكَ أَنَامُ

لَكِنْ تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ

وَتَبَخَّرَتِ الأَوْهَامُ

لَكِنَّ دَمْعِي لَمْ

يَتَبَخَّرْ

أَصْبَحَ يُمْسِي

عَلَى جَفْنِي

وَعَلَى خَدِّي يَسْهَرُ

أَمَا زِلْتَ تَذْكُرُ

رَسَائِلِي المُعَطَّرَةَ

وَقَصَائِدِي

المُوَشَّحَةَ بِالشَّوْقِ

وَالعِشْقِ؟

ظَنَنْتُهُ عِشْقاً

يَا لَلْمَهْزَلَةِ!

كَانَتْ أَوْهَامِي

تُضَخِّمُ لِي

المَسْأَلَةَ

كُنْتُ صَغِيرَةً

وَالآنَ كَبِرْتُ

كَبِرْتُ حَتَّى عَرَفْتُ

المُعْضِلَةَ:

أَنَّكَ لَمْ تُحِبَّ

وَلاَ تَفْهَمُ

فِي الحُبِّ

وَهُنَا كَانَتِ

المُشْكِلَةُ

أَوْهَمْتَنِي بِالحُبِّ

وَأَنَا صَدَّقْتُك

كُنْتُ طِفْلَةً

تُحِبُّ اللَّهْوَ

وَأَعْجَبَتْنِي التَّجْرِبَةُ

فَقُلْتُ: لِمَ لاَ

نُغَامِرُ؟

لَيْسَ لَدَيْنَا

مَا نَخْسَرُهُ

وَخَسِرْتُ العُمْرَ

بِكَامِلِهِ

وَخَسِرْتَنِي

وَلَمْ أَخْسَرْكَ

تَعَمَّدْتُ أَنْ

لاَ أَرْبَحَكَ

وَتَعْرِفُ كَمْ

مَرَّةً هَرَبْتُ مِنْكَ

وَلَمْ أَجْرَحْكَ

خَلَقْتُ الأَسْبَابَ

وَلَكِنِّي لَمْ أَخْدَعْكَ

لأَنَّكَ صَدَّقْتَنِي

مَا أَكْبَرَكَ!

وَذَاكَ الَّذِي

حَفِظْتُ لَكَ

وُدّاً تَنَامَى بَيْنَنَا

فِي الصَّمْتِ

وَلَمْ أَكْسِرْكَ

كُنْتَ سِرِّي

الَّذِي لَمْ

يَفْضَحْكَ

وَبَقِيتَ دَوْماً

سَهْماً مُصَوَّباً

نَحْوَ قَلْبِي المَخْتَرَقِ

وَمَاتَ فِي صَمْتِهِ

وَلَمْ يُخْبِرْكَ

مَجْنُونَةٌ أَنَا

وَنَدِمْتُ لأَنِّي

لَمْ أَقْتُلْكَ...


نجمة المساء🌟

سعاد الحائك 🇹🇳

جربة ميدون 🌊



"شرنقة الروح" بقلم أسماء خوجة

 "شرنقة الروح"

بقلم أسماء خوجة


وحدي أمشي دروبَ التعافي والشفاء

تهطل عبراتي لتختلطَ بغيثِ السماء

أرتجفُ من بردِ المشاعرِ أو الصقيع

تختلطُ الأحاسيسُ والنبضُ يضيع

أنا هنا والوحدةُ تؤنسني شفقة

لقد علِقتِ الفراشةُ بالشرنقة

أفقُ تحليقي أراهُ يبتعد

هل قُيِّدَ مصيري للأبد

صوتي خفيضٌ صراخي لا يُسمَع

وجرحي على صفحاتِ صبري يُطبَع

كلُّ الجهاتِ من الأمانِ خواء

كأنَّ قلبي في الغيابِ غذاء

لكنني رغمَ انكساري أبتسم

فربُّ السماءِ على الجرحِ نِعَم

سأمضي ولو خذلتني الخطى

وأحملُ وجعي كزهرةٍ نمت في العدم

سأكسرُ قيدي وإن طال المدى

فروحي خُلقتْ للضوءِ لا للندم



لا تُخفي الحقيقة... بقلم الكاتب فارس محمد

 لا تُخفي الحقيقة...

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

فأنا لا أقرأُ عينيكِ


أنا أقرأُ البيتَ


وهو يُغيّرُ ترتيبَ غرفهِ بعدكِ


حين تقولينَ بخير


أسمعُ في آخرِ الياءِ


مفتاحًا يدورُ في قفلٍ


من الداخلِ


وحين تضحكينَ


أسمعُ في ضحكتكِ


نافذةً تُغلقُ ستارتَها


كي لا ترى عودتي


قوليها...


لا تُزيّني الخسارةَ


بستائرِ الكلامِ


قولي إنَّ قلبي


لم يعدْ له مكانٌ في بيتكِ


وأنَّ اسمي


أُزيلَ من على جرسِ بابكِ


سأحزنُ... نعم


لكنَّ الحزنَ الصريحَ


أرحمُ من أن أبقى


واقفًا أمامَ بابٍ


لا يُفتحُ إلا للغيابِ


لا تقولي


لم يتغيّرْ شيءٌ


فالبيوتُ حين تتغيّرُ


لا تُهدمُ جدرانُها


يكفي أن يصبحَ الكرسيُّ


غريبًا عن الجالسِ عليهِ


وأن تفقدَ النافذةُ


عادتَها القديمةَ في انتظاري


أنا لا أريدُ اعتذارًا


ولا أريدُ أن تشرحي لي


كيف خرجتُ من الحكايةِ


أريدُ فقط


أن أعرفَ أين أضعُ مفتاحي


بعد أن لم يعدْ


يفتحُ شيئًا فيكِ


فإن كنتِ راحلةً


فأغلقي البابَ خلفكِ


ولا تتركيهِ مواربًا


فالبابُ المواربُ


ليس رحمةً بالراحلِ


إنه فخٌّ للمنتظرِ


ولا تُخفي الحقيقة...


قولي إنكِ لم تعودي تحبينني


وسأدفنُ المفتاحَ بيدي


وأمضي


أما أن تقولي أُحِبُّكَ


وأنا أرى البيتَ


يُخرجُ أثاثي من غرفتكِ


قطعةً قطعةً...


فتلكَ ليست كذبةً يا امرأةُ


تلكَ طريقةٌ أخرى للموتِ


أن تُبقيني حيًّا


وأنتِ تُخرجينني


من كلِّ شيءٍ فيكِ


حتى إذا لم يبقَ لي


إلا اسمي


أطفأتِ النورَ


وأغلقتِ البابَ


وتركتِني في الخارجِ


يا امرأةُ...


كلُّ شيءٍ حدثَ


أنا فقط كنتُ آخرَ من عرفَ


أنَّ البيتَ الذي


أمضيتُ عمري


أفتحُ بابَهُ بمفتاحي


كانَ قد


غيَّرَ أقفالَهُ


دون أن يُخبرَني


بقلمي 

فارس محمد



● صديق الأرض القديمة ● شعر: جلال باباي( تونس)

 ● صديق الأرض القديمة

● شعر: جلال باباي( تونس)


▪︎ الإهداء: إلى أبي رحمه الله في ذكرى رحيله( 1984)  مرٌ 42 صيفا و لازال عطر عرقك على الحجر تنحته انامله لنقيم بيتا غزيرا بذاكرة الأوٌلين.


أبكي هذا الخريف..

لم تأخٌرت الغبمة الماطرة!

أناديك و حنجرتي شحيحة

إلى شرفة الأرض القديمة

كي تبلٌَلها بعطر عشقك للحجر

كم أنا حزين..!

غابت طيور الزيتون

لم يبق لنا إلاٌ تلك الصفصافة 

انتبذها عاشقا و زاهدا 

سأنام تحتها بنصف الجسد المتهالك 

أرتٌب فوضاي.. 

عساي أسترجع شتاتا من ذاكرة المكان

خانتني هشاشتي

أبت أنثاي في الحلول

فانصرفت إلى مثواي الأخير

أنامل يمناي ، وسادة و دِثارُ سرير 

خبأت  بمنفاي هذا القلب الجريح

خشية الانكسار  

أهديك أبي قبل العاصفة 

أنت يا سيٌد الحجر  بوصلة الطريق 

كي توصلني إلى باب الرحيل.


            ▪︎ خريف 2026



الثقافة ذاكرة وطن بقلم الكاتبة / فريحه سليمان المريمي

 الثقافة ذاكرة وطن


بقلمي / فريحه سليمان المريمي


ليست الثقافة ترفاً نلجأ إليه حين تضيق بنا الحياة.  وليست كُتباً تُرصّ على الرفوفِ ، أو كلمات تُقال في المناسبات ، إنما هي الذاكرة الحية التي تحفظ للأوطانِ ملامحها ، وللإنسان جذورهِ ، وللمجتمعِ قدرته على معرفةِ نفسهِ ، وأستشراف مُستقبله .

وفي وطننا ، حيث تتعانق الجغرافيا مع التاريخِ ، وتتجاور المدن والواحات والجبال والصحراء والساحل ، تتعدد روافد الثقافة وتتنوع صورها ، من الحكايةِ الشعبيةِ والأمثال والأغاني القديمة ، إلى العمارة والأسواق والمهن والحرف ، ومن الشعر والرواية إلى الموروث الإجتماعي الذي تناقلته الأجيال جيلاً بعد جيل .

إن حماية الثقافة ، لا تعني الوقوف عند الماضي ، وإنما تعني أن نأخذ من الماضي ما يمنح الحاضر معنى ، وما يساعد الأجيال الجديدة على فهم المكان الذي ينتمون إليه .

فحين تضيع الحكايات تضيع معها تفاصيل حياة كاملة ، وحين تُهمل البيوت القديمة والأسواق والمواقع التاريخية ، لا نخسر حجارة صامتة فحسب ، بل نخسر صفحات من ذاكرتنا الوطنية .

ولذلك فإن مسؤولية الثقافة لا تقع على المؤسساتِ وحدها ، فالأسرة مدرسة أولى ، والمدرسة حاضنة للوعي ، والإعلام شريك في التوثيقِ ، والكاتب شاهد على عصرهِ ، والشاب ليس مجرد مُتلقٍ للتراثِ ، بل قادر على إعادةِ تقديمه بلغةٍ العصر ووسائله الحديثة .

نحن بحاجة إلى ثقافة تُقرّب الشعب من بعضهِ ، وتعرّف أبناء الوطن بتنوعهم ، وتُعلّم الأجيال أن الإختلاف في اللهجاتِ والعادات والتقاليد لا يلغي وحدة الذاكرة ، بل يثريها .

فالأوطان لا تُبنى بالطرقِ والجدران وحدها.  تُبنى أيضاً بالوعي ، وبحفظِ الذاكرةِ ، وصون التراث ، وأحترام الإنسان الذي يحمل هذا التراث ويمنحه الحياة .

إنقاذ الذاكرة الثقافية اليوم ليس حفاظاً على الماضي فقط ، بل حماية للمستقبلِ من أن يبدأ بلا جذور .

لذلك ، فإن الحفاظ على الثقافة مسؤولية تبدأ بخطوة بسيطة ، بأن نوثّق حكايات كبار السن ، ونحفظ الصور والوثائق القديمة ، ونعرّف أبناءنا بتراث مدنهم وقراهم ، ونشجّع الكتاب والفنانين والباحثين على تقديم الموروث الثقافي بلغةً مُعاصرة تصل إلى الأجيالِ الجديدةِ .

فلنبدأ من محيطنا القريب ، من حكاية نسمعها في البيتِ ، أو مبنى قديم نمرّ به ، أو حرفة تكاد تختفي ، أو أغنية شعبية تحمل ذاكرة مكان .

ولنجعل من كل حكاية محفوظة ، وكل صورة مُوثقة ، وكل شهادة مُسجلة ، لبِنة في أرشيف ثقافي ، يظل متاحاً للأجيالِ القادمةِ .

إن الثقافة لا تُصان بالكلماتِ وحدها ، بل بالفعلِ ، فلنبدأ اليوم في جمعِ ذاكرتنا ، وتوثيقها ، وتعريف أبنائنا بها ، حتى يبقى الوطن حاضر في ذاكرتهِ ، كما هو حاضر في جغرافيتهِ .



الاثنين، 28 سبتمبر 2026

لك المذلة وفي ساحة الدعاء رجائي بقلم:انغام الهادي

 لك المذلة وفي ساحة الدعاء رجائي

لإلهي أسجد 

فلا عزة إلا في ذلي لك 

ولا غنى إلا في فقري إليك 

ولا حول ولا قوة إلا بك 


طال وقوفي على بابك 

وطال رجائي في سعة رحمتك 

وأنت السميع ترى دمعي قبل جريانه 

وأنت البصير تعلم سري قبل إعلانه 


إن ضاقت بي الدروب فبابك أوسعها 

وإن عظم الخطب فحولك أعظمها 

وإن أعرض الخلق فأنت الودود المجيب 


`{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}` [البقرة: 186]


اللهم إني لا أذل إلا لعزتك 

ولا أرجو إلا رحمتك 

ولا أشكو بثي إلا إليك 

واجعل سجودي قرة لعيني 

فمن اكتفى بك استغنى عن العالمين 

وإني وإن طال البلاء أوقن أن فرجك آتٍ 


آمين يا رب العالمين 


بقلم:انغام الهادي



**((حَتَّى الآنَ)).. قِصَّةٌ: مُصْطَفَى الْحَاجِّ حُسَيْنِ.

 **((حَتَّى الآنَ))..

قِصَّةٌ: مُصْطَفَى الْحَاجِّ حُسَيْنِ. 


كَانَ سَبُ انْتِقَالِي، مِنْ (قَلَمِ) قِيَادَةِ الْكَتِيبَةِ، هُوَ حِلَاقَةَ شَعْرِي.. حِينَ أَقْدَمَ، الْمُسَاعِدُ أَوَّلُ (أَبُو رَشِيدٍ)، بِحِلَاقَةِ شَعْرِي، انْتِقَامًا مِنِّي، عَلَى ذَنْبٍ، كُنْتُ بَرِيئًا مِنْهُ.. لَكِنَّ الْكَلْبَ (غَسَّانَ الْجَلَّابَ)، الَّذِي اخْتَرْتُهُ مِنْ بَيْنِ الْأَغْرَارِ، الْمَفْرَزِينَ، إِلَى قِيَادَةِ كَتِيبَتِنَا، فَنَحْنُ كُنَّا فِي (الْقَلَمِ)، بِحَاجَةٍ إِلَى عُنْصُرٍ، لِكَيْ أَقُومَ بِتَدْرِيبِهِ، عَلَى الْآلَةِ الْكَاتِبَةِ، وَتَعْلِيمِهِ تَدْوِينَ الْبَرِيدِ، (الصَّادِرِ وَالْوَارِدِ)، وَتَوْقِيعَ الْبَرِيدِ، مِنْ سِيَادَةِ الْعَقِيدِ، قَائِدِ الْكَتِيبَةِ، وَتَبْلِيغَ الْحَرَسِ، وَرُؤَسَاءِ الْحَرَسِ، وَعُرَفَاءِ الْحَرَسِ، وَالضُّبَّاطِ الْمُنَاوِبِينَ، وَإِعْدَادَ الْجَدَاوِلِ

، وَالْإِجَازَاتِ، وَالْعُقُوبَاتِ، وَالْمُرَاسَلَاتِ مَعَ السَّرَايَا، وَقِيَادَةِ اللِّوَاءِ، وَتَسْلِيمَ وَإِحْضَارَ الْبَرِيدِ الْيَوْمِيِّ، مِنْ (ذَاتِيَّةِ) قِيَادَةِ اللِّوَاءِ، وَاسْتِلَامَ (الْجَرَائِدِ وَالْمَجَلَّاتِ)، وَتَوْزِيعَهَا، عَلَى ضُبَّاطِ الْكَتِيبَةِ، وَتَوْزِيعَ كَلِمَةِ السِّرِّ الْيَوْمِيَّةِ، وَالْإِشْرَافَ عَلَى حَمَّامِ الْكَتِيبَةِ، وَإِشْعَالِهَا، فِي كُلِّ يَوْمِ عُطْلَةٍ أُسْبُوعِيَّةٍ.


مَهَامٌّ كَثِيرَةٌ، عَلَيَّ أَنْ أَقُومَ بِتَدْرِيبِهِ عَلَيْهَا، وَتَجْهِيزِهِ، قَبْلَ أَنْ أُسَرَّحَ.. وَلَقَدْ أَوْكَلَ لِي (أَبُو رَشِيدٍ)، مُعَلِّمِي، وَرَئِيسُ (الْقَلَمِ)، مُهِمَّةَ اخْتِيَارِ عُنْصُرٍ مُنَاسِبٍ، وَأَنَا اخْتَرْتُ (غَسَّانَ الْجَلَّابَ)، لِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ، لِأَنِّي أَحْبَبْتُهُ، وَتَوَسَّمْتُ بِهِ الْخَيْرَ، مِنْ بَيْنِ عِشْرِينَ عُنْصُرًا، كَانُوا مُفْرَزِينَ إِلَيْنَا، مِنْ دَوْرَةِ الْأَغْرَارِ.


فِي الْبِدَايَةِ، كَانَ (غَسَّانُ)، مِثْلَ الْخَاتَمِ فِي إِصْبَعِي.. يُطِيعُنِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، أَطْلُبُهُ مِنْهُ، لَا يَعْصَى لِي أَمْرًا.. وَكُنْتُ أَنَا أُعَلِّمُهُ، وَأَشْرَحُ لَهُ، وَأَقُومُ بِتَدْرِيبِهِ، وَتَشْجِيعِهِ، وَبَثِّ الثِّقَةِ بِنَفْسِهِ، فَقَدْ كُنَّا فِي (قَلَمِ) الْكَتِيبَةِ، لَنَا هَيْبَةٌ وَمَكَانَةٌ مَرْمُوقَةٌ، فَنَحْنُ لِسَانُ حَالِ قِيَادَةِ الْكَتِيبَةِ، بِيَدِنَا جَمِيعُ الْأُمُورِ، نُعَيِّنُ الضُّبَّاطَ الْمُنَاوِبَ، وَرَئِيسَ الْحَرَسِ، وَعَرِيفَ الْحَرَسِ، وَعَنَاصِرَ الْحَرَسِ.. وَهَذَا وَحْدَهُ كَفِيلٌ أَنْ يَكُونَ لَنَا قِيمَةٌ، وَيَجْعَلَ الْجَمِيعَ، يَطْلُبُونَ رِضَاءَنَا، فَكَيْفَ إِنْ كَانَتِ، الْإِجَازَاتُ، وَالْعُقُوبَاتُ، بِيَدِنَا أَيْضًا؟.


كَانَ عَدَدُنَا أَرْبَعَةَ أَشْخَاصٍ.. مُعَلِّمُنَا الْمُسَاعِدُ أَوَّلُ (أَبُو رَشِيدٍ)، وَهُوَ مِنْ (دَيْرِ الزَّوْرِ)، وَالْعَرِيفُ (جَبْر الْيُوسُف)

، وَهُوَ الْمَسْؤُولُ عَنِ التَّوْجِيهِ السِّيَاسِيِّ، وَعَنِ الْمَكْتَبَةِ الْحِزْبِيَّةِ وَالْعَسْكَرِيَّةِ، وَكَانَ هَذَا مِنْ حُسْنِ حَظِّي، حَيْثُ انْدَفَعْتُ لِقِرَاءَتِهَا، وَكَانَ (جَبْر) مَدْعُومًا جِدًّا، فَهُوَ مِنَ السَّاحِلِ، يَتَعَامَلُ مَعَ الضُّبَّاطِ، بِفَوْقِيَّةٍ، وَتَعَالٍ.. وَلَا أَحَدَ يَجْرُؤُ عَلَى إِغْضَابِهِ، أَوْ مُخَاصَمَتِهِ.. وَكُنْتُ أَنَا مِنْ (حَلَبَ) وَثُمَّ (غَسَّان الْجَلَّاب)، ابْنُ (النَّبْكِ).


كُنَّا نُنَادِي الْمُسَاعِدَ أَوَّلَ، رَئِيسَ (الْقَلَمِ)

، بِكَلِمَةِ (عَمِّي أَبُو رَشِيدٍ)، وَكَانَ هُوَ يَتَعَامَلُ مَعَنَا، وَكَأَنَّنَا أَوْلَادُهُ.. يَجْلِبُ لَنَا مِنْ (دِمَشْقَ)، الْخُبْزَ، بَدَلَ أَنْ نَأْكُلَ خُبْزَ (الصَّمُّونِ) الْعَسْكَرِيِّ.. وَكَانَ يَرْفُضُ وَبِشِدَّةٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنَّا ثَمَنَهُ، يَقُولُ لَنَا:


- أَنْتُمْ مِثْلُ أَوْلَادِي.


يَنْزِلُ مَبِيتًا إِلَى بَيْتِهِ فِي (دِمَشْقَ)، يَوْمًا بِيَوْمٍ، وَيَنَامُ فِي مَهْجَعِ (الْقَلَمِ)، مَعَنَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي.


وَكَانَ حِينَ يَنَامُ مَعَنَا، يَسْتَيْقِظُ قَبْلَنَا، فَيَنْهَضُ، وَيَكْنُسُ أَرْضِيَّةَ (الْقَلَمِ)، وَيَأْخُذُ إِلَى (النَّبْعَةِ)، الْقَرِيبَةِ جِدًّا مِنَّا، صُحُونَ وَطَنَاجِرَ (الْجَلِيِّ)، يَغْسِلُهُمْ.. ثُمَّ يَصْنَعُ لَنَا الْفُطُورَ الشَّهِيَّ، وَيَأْخُذُ بِإِيقَاظِنَا بِلُطْفٍ، لِنُشَارِكَهُ الْفُطُورَ.


وَكَانَ الْعَرِيفُ (جَبْر)، لَا يَعْمَلُ شَيْئًا سِوَى غَلْيِ وَتَحْضِيرِ (الْمَتَّةِ)، الَّتِي لَا يُطِيقُهَا، الْمُسَاعِدُ أَوَّلُ (أَبُو رَشِيدٍ)، وَيَقْرَفُ مِنْ شَكْلِهَا.


وَكُنَّا أَنَا وَ(غَسَّان)، نَتَكَفَّلُ بِعَمَلِ كُلِّ شَيْءٍ، عَلَى مَدَارِ الْيَوْمِ.


مُنْذُ مَجِيئِهِ، كَانَ (غَسَّانُ)، يُنَافِقُ (لِأَبُو رَشِيدٍ).. صَارَ يَخْدِمُهُ عَلَى مَدَارِ الْوَقْتِ، يَسْتَيْقِظُ قَبْلَهُ، وَيَشْتَغِلُ مَا كَانَ يَشْتَغِلُهُ (أَبُو رَشِيدٍ)، مِنْ تَكْنِيسٍ، وَجَلِيٍّ، وَإِعْدَادِ فُطُورٍ.. وَصُنْعِ الشَّايِ، وَالْقَهْوَةِ، عَلَى مَدَارِ الْيَوْمِ.. وَتَلْمِيعِ (بُوطِهِ) الْعَسْكَرِيِّ.. وَحَمْلِ حَقِيبَتِهِ إِلَى سَيَّارَةِ (الْمَبِيتِ)، عِنْدَ الذَّهَابِ، وَعِنْدَ الْمَجِيءِ صَبَاحًا، حَيْثُ يَكُونُ فِي انْتِظَارِهِ، مَكَانَ وُصُولِ سَيَّارَةِ (الْمَبِيتِ).


وَكَانَ فِي طَرِيقِهِ، وَهُوَ يَحْمِلُ الْحَقِيبَةَ، يُعْطِي الْمُسَاعِدَ أَوَّلَ، تَقْرِيرًا مُفَصَّلًا، عَمَّا فَعَلْنَاهُ فِي غِيَابِهِ، أَنَا وَ(جَبْر).


تَحَوَّلَ (غَسَّانُ) إِلَى جَاسُوسٍ عَلَيْنَا، صَارَ يُوصِلُ لِلْمُسَاعِدِ أَوَّلَ (أَبُو رَشِيدٍ) كُلَّ أَخْبَارِنَا، وَأَفْعَالِنَا، وَحَرَكَاتِنَا، وَكَلَامِنَا.


وَحَدَثَ أَنْ أَرَادَ (أَبُو رَشِيدٍ)، تَزْوِيجَ ابْنَتِهِ، فِي بَلَدِهِ (دَيْرِ الزَّوْرِ)، لِذَلِكَ اقْتَضَى مِنْهُ أَنْ يَطْلُبَ إِجَازَةً، مِنْ سِيَادَةِ الْعَقِيدِ (قَائِدِ الْكَتِيبَةِ)، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَغِيبَ عَنْ (قَلَمِ) الْكَتِيبَةِ، عَشَرَةَ أَيَّامٍ.. لِذَلِكَ صَارَتْ مُهِمَّتِي، أَنْ أُسَيِّرَ أُمُورَ (الْقَلَمِ)، لِأَنَّ الْعَرِيفَ (جَبْر)، كَانَ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِشُؤُونِ (الْقَلَمِ)، هُوَ مَسْؤُولٌ فَقَطْ عَنِ التَّوْجِيهِ (السِّيَاسِيِّ)، وَ(الْمَكْتَبَةِ الْحِزْبِيَّةِ).


وَوَصَلَ مِنْ (قِسْمِ الْأَفْرَادِ)، قِيَادَةِ اللِّوَاءِ، أَمْرٌ مِنْ سِيَادَةِ (الْعَمِيدِ)، قَائِدِ اللِّوَاءِ، كِتَابٌ.. يَقُولُ فِيهِ (لَاحِقًا قَرَارَنَا رَقْم كَذَا.. تَارِيخ كَذَا..)، وَكَانَ عَلَيَّ أَنْ أَعْرِفَ مَا هُوَ ذَاكَ الْقَرَارُ؟!.. وَأَنْ أُصْحِبَهُ مَعَ الْبَرِيدِ، إِلَى قَائِدِ الْكَتِيبَةِ.. وَبَحَثْتُ عَنْهُ، وَلَمْ أَجِدْهُ.. فَذَهَبْتُ إِلَى مَكْتَبِ، قَائِدِ الْكَتِيبَةِ، وَقَدَّمْتُ لَهُ الْبَرِيدَ.. وَحِينَ قَرَأَ كِتَابَ، قَائِدِ اللِّوَاءِ.. سَأَلَنِي:


- وَمَا هُوَ الْقَرَارُ؟.. وَأَيْنَ هُوَ؟.. وَلِمَاذَا لَمْ تُحْضِرْهُ مَعَكَ؟. قُلْتُ:


- سَيِّدِي.. بَحَثْتُ عَنْهُ وَلَمْ أَجِدْهُ. قَالَ:


- هُوَ فِي صُنْدُوقِ الْمُسَاعِدِ أَوَّلَ، فِي مُصَنَّفِ عَام - 1982 - هَلْ أَعْطَاكَ الْمُسَاعِدُ أَوَّلَ، مَفَاتِيحَ الصُّنْدُوقِ؟.


أَجَبْتُهُ:


- لَا سَيِّدِي.. لَمْ يُعْطِنِي الْمِفْتَاحَ. قَالَ:


- عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ مَا هُوَ الْقَرَارُ الْمَقْصُودُ.


ثُمَّ طَلَبَ مِنِّي:


- اذْهَبْ.. وَاكْسِرِ الْقُفْلَ.. وَأَحْضِرْ لِي هَذَا الْقَرَارَ. قُلْتُ:


- وَلَكِنْ سَيِّدِي.. اكْتُبْ لِي أَمْرًا بِذَلِكَ.. أَوْ شَكِّلْ لَجْنَةً تَفْتَحُ الصُّنْدُوقَ وَتُغْلِقُهُ بِإِشْرَافِهَا.. حَتَّى لَا أَتَحَمَّلَ الْمَسْؤُولِيَّةَ

.. فَفِي دَاخِلِ الصُّنْدُوقِ، سِلَاحٌ، وَذَخِيرَةٌ، وَقَنَابِلُ، وَمُصَنَّفَاتٌ، وَأَخْتَامٌ.


وَعَلَى الْفَوْرِ.. أَخَذَ سِيَادَةُ (الْعَقِيدِ الرُّكْنِ)، يَكْتُبُ لِي الْأَمْرَ.. وَكَانَ عَلَى هَذَا النَّحْوِ:


-           (( أَمْرٌ إِدَارِيٌّ ))


بِأَمْرٍ مِنْ قَائِدِ الْكَتِيبَةِ، (الْعَقِيدِ الرُّكْنِ)، تُكَلَّفُ لَجْنَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْخَاصٍ، وَهُمْ:

1 - الْمُسَاعِدُ (مُحَمَّد الْعَاشِق)، رَئِيسُ قِسْمِ (الْآلِيَّاتِ). 

2 - الرَّقِيبُ أَوَّلُ (خَلِيل الشِّعْر)، رَئِيسُ قِسْمِ (الْإِشَارَةِ). 

3 - الْعَرِيفُ (جَبْر الْيُوسُف)، مَسْؤُولُ (التَّوْجِيهِ السِّيَاسِيِّ، وَأَمِينُ الْمَكْتَبَةِ الْحِزْبِيَّةِ). 

4 - الْمُجَنَّدُ (غَسَّان الْجَلَّاب).


عَلَيْهِمْ فَتْحُ صُنْدُوقِ الْمُسَاعِدِ أَوَّلَ، رَئِيسِ (قَلَمِ) الْكَتِيبَةِ.. وَإِخْرَاجُ مُصَنَّفِ عَام /1983/، وَإِعْطَاؤُهُ لِلْمُجَنَّدِ (مُصْطَفَى الْحَاج حُسَيْن)، لِأَخْذِ مِنْهُ مَا يَلْزَمُ.. ثُمَّ عَلَيْهِمْ إِعَادَةُ قَفْلِ الصُّنْدُوقِ، بِشَكْلٍ مُحْكَمٍ وَمُؤَكَّدٍ.


                      التَّوْقِيعُ 

         قَائِدُ الْكَتِيبَةِ.. الْعَقِيدُ الرُّكْنُ.


وَبَعْدَ ذَلِكَ نَاوَلَنِي الْوَرَقَةَ.. وَأَمَرَنِي بِالذَّهَابِ وَالْعَجَلَةِ.


وَعَلَى الْفَوْرِ تَحَرَّكْتُ، وَمَرَرْتُ عَلَى مَكْتَبِ رَئِيسِ قِسْمِ (الْإِشَارَةِ) وَرَئِيسِ قِسْمِ (الْآلِيَّاتِ).. فَقَدْ كَانَا الْمَكْتَبَيْنِ، تَابِعَيْنِ (لِمَهْجَعِنَا)، (قَلَمِ) الْكَتِيبَةِ.


وَبِسُرْعَةٍ تَمَّ تَنْفِيذُ الْأَمْرِ.. وَوَجَدْتُ الْقَرَارَ الْمَطْلُوبَ.. وَقَدَّمْتُهُ لِقَائِدِ الْكَتِيبَةِ.. وَظَنَنْتُ أَنَّ الْأَمْرَ انْتَهَى.


بَعْدَ عِدَّةِ أَيَّامٍ، وَحِينَ انْتَهَتْ إِجَازَةُ الْعَمِّ (أَبُو رَشِيدٍ)، وَذَهَبَ كَالْعَادَةِ (غَسَّان)، لِمُلَاقَاتِهِ، وَحَمْلِ حَقِيبَتِهِ، وَتَقْدِيمِ تَقْرِيرٍ شَامِلٍ عَنَّا أَنَا وَ(جَبْر).. دَخَلَ الْمُسَاعِدُ أَوَّلُ، عَلَيْنَا الْمَهْجَعَ، وَنَارُ الْغَضَبِ تَسْتَعِرُ فِي عَيْنَيْهِ.. وَلَمَّا اقْتَرَبْتُ مِنْهُ لِأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، صَرَخَ بِي:


- كَسَرْتَ لِي قُفْلَ الصُّنْدُوقِ؟!.. وَأَنَا الَّذِي كُنْتُ أَثِقُ بِكَ!!.. لَقَدْ أَقْسَمْتُ (بِالطَّلَاقِ)، أَنْ أَحْلِقَ لَكَ شَعْرَكَ، عَلَى (الزِّيرُو)، لَوْ كَانَ (وَاسِطَتُكَ) هُوَ وَزِيرُ (الدِّفَاعِ).. وَكَانَ يَرْتَجِفُ، مِنْ شِدَّةِ انْفِعَالِهِ، وَغَضَبِهِ مِنِّي.


شَرَحْتُ لَهُ الْأَمْرَ.. وَأَخْبَرْتُهُ بِأَنَّ قَائِدَ الْكَتِيبَةِ، شَكَّلَ لَجْنَةً لِفَتْحِ الصُّنْدُوقِ.. وَأَخْرَجْتُ لَهُ الْأَمْرَ الْإِدَارِيَّ.. ثُمَّ اتَّصَلْتُ بِسِيَادَةِ (الْعَقِيدِ الرُّكْنِ)، وَأَخْبَرْتُهُ عَنْ غَضَبِ، سِيَادَةِ الْمُسَاعِدِ أَوَّلَ مِنِّي.. وَتَكَلَّمَ قَائِدُ الْكَتِيبَةِ مَعَ (أَبُو رَشِيدٍ)، عَبْرَ الْهَاتِفِ، وَأَفْهَمَهُ بِدَوْرِهِ أَنَّهُ، هُوَ مَنْ أَمَرَ بِفَتْحِ صُنْدُوقِهِ، بَعْدَ أَنْ شَكَّلَ، لَجْنَةً مُؤَلَّفَةً، مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْخَاصٍ.. وَكُلُّ هَذَا وَلَمْ يَهْدَأْ بَعْدُ.. رَغْمَ فِنْجَانِ الْقَهْوَةِ، الَّذِي أَعْدَدْتُهُ لَهُ بِنَفْسِي.


تَضَاعَفَتْ نِقْمَتِي، وَكُرْهِي، وَحِقْدِي، وَاحْتِقَارِي، عَلَى (غَسَّان).. حَتَّى أَنَّ (جَبْر) تَوَعَّدَ بِأَنَّهُ، سَيَعْمَلُ عَلَى نَقْلِهِ، مِنْ بَيْنِنَا.. وَطَلَبَ مِنِّي أَنْ أَصْبِرَ عَلَيْهِ.


وَصَدَفَ أَنْ يَذْهَبَ إِجَازَةً، سِيَادَةُ قَائِدِ الْكَتِيبَةِ.. وَحَلَّ مَحَلَّهُ، الرَّائِدُ الرُّكْنُ (إِبْرَاهِيم بَرْهُوم)، رَئِيسُ أَرْكَانِ (الْكَتِيبَةِ) وَهُوَ ظَالِمٌ، وَمُتَعَجْرِفٌ، وَلَا يُحِبُّنِي كَمَا كَانَ يُحِبُّنِي، (قَائِدُ الْكَتِيبَةِ).


وَوَقْتَ الْمَسَاءِ.. وَكَانَ (أَبُو رَشِيدٍ)، قَدْ نَزَلَ إِلَى الْمَبِيتِ، وَكُنْتُ أَنَا خَلْفَ الْآلَةِ الْكَاتِبَةِ، أَنْسَخُ الْبَرَامِجَ الشَّهْرِيَّةَ.. رَنَّ الْهَاتِفُ الْمَوْجُودُ بِالْقُرْبِ مِنِّي عَلَى الطَّاوِلَةِ الْمُجَاوِرَةِ.. رَفَعْتُ السَّمَّاعَةَ، وَإِذْ بِقِسْمِ (الْأَفْرَادِ)، يُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَنِي بَرْقِيَّةً.. وَعَلَى الْفَوْرِ، أَمْسَكْتُ وَرَقَةً وَقَلَمًا، وَأَخَذْتُ أَسْتَمِعُ وَأَكْتُبُ.. وَحِينَ وَصَلْتُ، لِمُنْتَصَفِ اسْتِلَامِ الْبَرْقِيَّةِ.. وَكُنْتُ أَكْتُبُ جُمْلَةَ (وَحَتَّى الآنَ).. حَدَثَ وَانْقَطَعَ خَطُّ الْهَاتِفِ.. فَصَرَخْتُ:


- أَلُو.. أَلُو..


وَلَمْ يَعُدْ، يُجِيبُنِي أَحَدٌ.. فَوَضَعْتُ السَّمَّاعَةَ مِنْ يَدِي، وَجَلَسْتُ خَلْفَ الْآلَةِ الْكَاتِبَةِ.. وَبَعْدَ لَحْظَةٍ عَادَ (التِّلِفُونُ) إِلَى الرَّنِينِ، فَنَهَضْتُ، وَأَخَذْتُ أُكْمِلُ، (وَحَتَّى الآنَ لَمْ يَلْتَحِقْ)، إِلَى أَنْ فَرَغْتُ مِنِ اسْتِلَامِ الْبَرْقِيَّةِ.. وَكَانَ عَلَيَّ أَنْ أَنْتَظِرَ، قُدُومَ الْعَمِّ (أَبُو رَشِيدٍ)، لِيَأْتِيَ فِي صَبَاحِ الْغَدِ، وَيَأْخُذَ الْبَرْقِيَّةَ، مَعَ الْبَرِيدِ الصَّبَاحِيِّ، إِلَى سِيَادَةِ الرَّائِدِ الرُّكْنِ، (إِبْرَاهِيم بَرْهُوم).


فِي الصَّبَاحِ.. وَبَعْدَ أَنْ جَاءَ، الْمُسَاعِدُ أَوَّلُ، (أَبُو رَشِيدٍ)، وَأَخَذَ الْبَرِيدَ الْوَارِدَ، إِلَى قِيَادَةِ الْكَتِيبَةِ.. وَكُنْتُ جَالِسًا خَلْفَ الْآلَةِ الْكَاتِبَةِ.. وَإِذْ بِالْهَاتِفِ يَرِنُّ.. وَحِينَ رَدَدْتُ كَانَ الْمُتَّصِلُ، هُوَ (أَبُو رَشِيدٍ)، مِنْ عِنْدِ سِيَادَةِ الرَّائِدِ (إِبْرَاهِيم)، وَكَانَ يَقُولُ لِي، غَاضِبًا:


- مَنِ اسْتَلَمَ هَذِهِ الْبَرْقِيَّةَ؟. قُلْتُ:


- أَنَا الَّذِي اسْتَلَمْتُهَا.. مَا بِهَا؟.. لِمَاذَا تَسْأَلُ؟. رَدَّ بِانْزِعَاجٍ:


- أَنْتَ إِلَى مَتَى، سَتَبْقَى لَا مُبَالِيًا، وَدُونَ تَرْكِيزٍ فِي عَمَلِكَ؟!.. وَتَقَعُ بِالْأَخْطَاءِ!. قُلْتُ:


- عَنْ أَيِّ أَخْطَاءٍ تَتَكَلَّمُ؟!.. وَمَتَى أَنَا كُنْتُ، لَا مُبَالِيًا فِي عَمَلِي؟!. قَالَ:


- كَيْفَ تَكْتُبُ فِي الْبَرْقِيَّةِ مَرَّتَيْنِ، عِبَارَةَ (حَتَّى الآنَ.. حَتَّى الآن).. أَنْتَ بِحَاجَةٍ لِعُقُوبَةٍ.. حِلَاقَةِ شَعْرٍ، جَهِّزْ نَفْسَكَ الْآنَ.. لِتَصْحُوَ عَلَى حَالِكَ.. وَهَتَفْتُ:


- بِالْأَمْسِ وَأَنَا أَتَلَقَّى الْبَرْقِيَّةَ، انْقَطَعَ الْهَاتِفُ، وَأَنَا أَكْتُبُ (حَتَّى الآنَ).. وَحِينَ عَادَ الِاتِّصَالُ، أَكْمَلْتُهَا دُونَ أَنْ أَنْتَبِهَ.


وَأَغْلَقَ الْهَاتِفَ بِوَجْهِي.. دُونَ أَنْ يَسْمَعَنِي.


وَبَعْدَ دَقَائِقَ مَعْدُودَةٍ، دَخَلَ (أَبُو رَشِيدٍ) الْمَهْجَعَ، وَكَانَ بِصُحْبَتِهِ حَلَّاقُ الْكَتِيبَةِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ قَائِلًا بِعُبُوسٍ:


- انْهَضْ.. وَاحْلِقْ عَلَى (الصِّفْرِ)، ثُمَّ اذْهَبْ إِلَى سِيَادَةِ (الرَّائِدِ)، وَقُلْ لَهُ نُفِّذَ الْأَمْرُ سَيِّدِي.


صُعِقْتُ.. زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيَّ.. يَا اللَّهُ!!.. مَعْقُولٌ مَا أَسْمَعُ؟!.. أَحْلِقُ شَعْرِي، عَلَى (الصِّفْرِ)؟!.. بِسَبَبِ غَلْطَةٍ بَسِيطَةٍ وَتَافِهَةٍ!!.. وَعَلَى يَدِ (أَبُو رَشِيدٍ)، الَّذِي يُحِبُّنِي، وَيُقْسِمُ لِي، أَنِّي بِمَعَزَّةِ ابْنِهِ (رَشِيدٍ)!!.. لَا.. هَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ!!.. مُؤَكَّدٌ أَنِّي فِي حُلْمٍ مُزْعِجٍ، كَابُوسٍ ثَقِيلٍ.. مُؤْلِمٍ.. صَعْبٍ.. مُرْعِبٍ.. قَاتِلٍ.. قُلْتُ بِانْكِسَارٍ:


- مَاذَا؟!.. مَاذَا يَا عَمِّي (أَبُو رَشِيدٍ)؟،.. تُرِيدُ أَنْ تَحْلِقَ شَعْرِي، عَلَى (الصِّفْرِ)، بِسَبَبِ خَطَأٍ بَسِيطٍ؟!. رَدَّ عَلَيَّ بِقَرَفٍ:


- أَنَا لَا عَلَاقَةَ لِي بِالْأَمْرِ.. إِنَّهَا أَوَامِرُ سِيَادَةِ الرَّائِدِ الرُّكْنِ (إِبْرَاهِيم).. نَفِّذْ وَاذْهَبْ إِلَيْهِ حَالًا.


طَارَ صَوَابِي.. تَرَنَّحَتْ رُوحِي.. مَادَتْ بِيَ الْأَرْضُ.. وَطَفَرَتْ مِنْ عَيْنَيَّ دَمْعَةٌ.. مَاذَا أَفْعَلُ؟.. مَاذَا أَقُولُ؟.. مَنْ يَتَشَفَّعُ لِي عِنْدَ سِيَادَةِ الرَّائِدِ؟.. الْجَمِيعُ يَهَابُهُ، وَيَخَافُهُ، وَلَا يَجْرُؤُ أَنْ يَعْصِيَ لَهُ أَمْرًا.. الْأَنْظَارُ مُتَوَجِّهَةٌ إِلَيَّ.. عُيُونُ (جَبْر)، وَعُيُونُ الْكَلْبِ (غَسَّان)، وَعُيُونُ الْحَلَّاقِ، الَّذِي يَحْمِلُ عُدَّتَهُ فِي حَقِيبَتِهِ، وَعُيُونُ (أَبُو رَشِيدٍ)، وَبَعْضُ عُيُونِ الْمُرَاجِعِينَ.. رَبَّاهُ!! مَاذَا أَفْعَلُ؟.


لَيْتَ سِيَادَةَ (الْعَقِيدِ الرُّكْنِ) هُنَا.. (أَبُو رَشِيدٍ) لَاسْتَغَلَّ غِيَابَهُ.. هُوَ أَقْسَمَ بِالطَّلَاقِ، أَنْ يَحْلِقَ لِي شَعْرِي، بِسَبَبِ صُنْدُوقِهِ.. اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى صُنْدُوقِهِ.. وَ(غَسَّان)، قَسَمًا بِاللَّهِ سَأَنْتَقِمُ مِنْهُ، أَشَرَّ انْتِقَامٍ.. سَأُدَمِّرُهُ.. أَوْ أَقْتُلُهُ.. وَلَكِنْ الْآنَ مَا بِيَدِي لِأَفْعَلَهُ؟.. هَلْ أَهْرُبُ مِنْ عَسْكَرِيَّتِي؟.


وَصَرَخَتْ أَعْمَاقِي الْمَجْرُوحَةُ:


- آهٍ أَبِي.. أَيْنَ أَنْتَ الْآنَ، تَرَانِي؟.. كُنْتَ تَدْفَعُ لِي مَبْلَغَ (خَمْسِمِائَةِ لِيرَةٍ)، مُقَابِلَ أَنْ أُخَفِّفَ مِنْ شَعْرِي، أَوْ أُقَصِّرَ (زَوَالِفِي) وَلَمْ كُنْتُ أُوَافِقُ.. وَالْآنَ أَنْظُرْ مَنْ يَأْمُرُنِي مِثْلَ (كَلْبٍ)، لِأَحْلِقَ عَلَى (الزِّيرُو)، وَأَنَا لَا أَسْتَطِيعُ الرَّفْضَ.


أَنَا الَّذِي كُنْتُ.. إِنْ دَخَلُوا رِفَاقِي الْعَسَاكِرُ، عَلَيْنَا إِلَى (الْقَلَمِ)، يُؤَدُّونَ لِي التَّحِيَّةَ الْعَسْكَرِيَّةَ، لِأَنَّهُمْ يَظُنُّونَنِي ضَابِطًا.. بِسَبَبِ مَكَانَتِي، وَ(بَدْلَتِي) الْعَسْكَرِيَّةِ، وَ(بُوطِي) الْعَسْكَرِيِّ الْجَدِيدِ وَاللَّامِعِ، وَطُولِ شَعْرِي.. الْآنَ سَوْفَ أَتَحَوَّلُ، إِلَى أُضْحُوكَةٍ وَسُخْرِيَةٍ لِلْجَمِيعِ، بِسَبَبِ ابْنِ الزَّانِيَةِ، (غَسَّان) هَذَا، الَّذِي يُحَاوِلُ أَنْ يُخْفِيَ فَرْحَتَهُ بِي، وَأَنَا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ.


وَقُلْتُ بِيَأْسٍ، أُخَاطِبُ (أَبُو رَشِيدٍ):


- سَيِّدِي.. (أَبُو رَشِيدٍ).. أَرْجُوكَ اسْمَحْ لِي أَنْ أَذْهَبَ لِعِنْدَ سِيَادَةِ الرَّائِدِ.


قَالَ بِصَرَامَةٍ:


- لَا لَنْ أَسْمَحَ.. طَلَبَ سِيَادَتُهُ، أَنْ تَحْلِقَ شَعْرَكَ، ثُمَّ تَذْهَبَ إِلَيْهِ.


قُلْتُ بِتَوَسُّلٍ:


- إِذًا اسْمَحْ لِي، أَنْ أُكَلِّمَهُ (بِالتِّلِفُونِ).


صَاحَ بِصَوْتٍ عَالٍ:


- مَمْنُوعٌ أَيْضًا.. عَلَيْكَ أَنْ تُنَفِّذَ الْأَمْرَ.


وَبِصَوْتٍ مَبْحُوحٍ، وَمَقْهُورٍ.. تَضَرَّعْتُ:


- أَرْجُوكَ يَا سَيِّدِي.. اللَّهَ يَحْفَظُ لَكَ أَوْلَادَكَ.


تَقَدَّمَ نَحْوَ الطَّاوِلَةِ، رَفَعَ سَمَّاعَةَ الْهَاتِفِ، طَلَبَ مِنَ الْمَقْسَمِ، أَنْ يُوصِلَهُ بِالرَّائِدِ.. قَالَ:


- سَيِّدِي.. الْمُجَنَّدُ (مُصْطَفَى)، يَرْفُضُ أَنْ

يَحْلِقَ شَعْرَهُ، قَبْلَ أَنْ يَتَحَدَّثَ مَعَكَ، فِي التِّلِفُونِ.


بَعْدَ ذَلِكَ.. تَجَهَّمَ وَجْهُهُ الْقَرِيبُ مِنَ السَّوَادِ، وَالْغَلِيظُ الْمَلَامِحِ.. وَنَاوَلَنِي السَّمَّاعَةَ..


تَنَاوَلْتُهَا.. وَيَدِي، وَكُلِّي يَرْتَعِشُ.. وَقُلْتُ بِصَوْتٍ يَكَادُ لَا يُسْمَعُ:


- أَلُو.. احْتِرَامِي سَيِّدِي.


وَجَاءَنِي صَوْتُهُ، كَقَذِيفَةٍ انْطَلَقَتْ بِقُوَّةٍ:


- وَلَكْ حَيَوَانُ.. احْلِقْ شَعْرَكَ.. وَتَعَالَ لِعِنْدِي، قَبْلَ أَنْ آمُرَ بِزَجِّكَ فِي السِّجْنِ.


أَجَبْتُهُ.. وَأَنَا أَرْتَجِفُ:


- حَاضِرٌ سَيِّدِي.. أَمْرُكَ.


وَابْتَسَمَ الْمُسَاعِدُ أَوَّلُ (أَبُو رَشِيدٍ)، وَأَنَا أَضَعُ السَّمَّاعَةَ بِمَكَانِهَا، وَيَدِي تَهْتَزُّ مِنْ شِدَّةِ الِارْتِعَاشِ.


وَمِنْ دُونِ تَفْكِيرٍ، وَوَعْيٍ مِنِّي، وَجَدْتُنِي أَنْدَفِعُ نَحْوَ الْعَمُودِ (الْإِسْمَنْتِيِّ)، الْمَوْجُودِ فِي مُنْتَصَفِ الْمَهْجَعِ، وَأَخْبِطُ رَأْسِي بِهِ، بِقُوَّةٍ، وَشِدَّةٍ، وَعُنْفٍ، ضَرَبَاتٍ مُتَتَالِيَةً.. حَتَّى انْبَثَقَ الدَّمُ، وَتَدَفَّقَ، وَسَالَ عَلَى وَجْهِي.. هَرَعَ الْجَمِيعُ نَحْوِي، وَحَاوَلَتِ الْأَيَادِي أَنْ تُوقِفَنِي، أَنْ تَمْنَعَنِي، أَنْ تُبْعِدَنِي، أَنْ تَجُرَّنِي.. وَكَانَتْ أَصْوَاتُهُمْ تَأْتِينِي، مَذْعُورَةً، وَخَائِفَةً:


- تَوَقَّفْ.. تَوَقَّفْ يَا مَجْنُونُ.. مَاذَا فَعَلْتَ بِنَفْسِكَ.. حَرَامٌ عَلَيْكَ.. الشَّعْرُ يُعَوَّضُ.. غَدًا يَطُولُ.. وَيَكُونُ أَقْوَى وَأَجْمَلَ.


حَضَنَنِي (أَبُو رَشِيدٍ)، كَانَ وَجْهُهُ شَاحِبًا، وَلَمَحْتُ دَمْعًا فِي عَيْنَيْ (غَسَّانَ)، بَيْنَمَا كَانَ (جَبْر)، قَدْ أَحْضَرَ مَنَادِيلًا وَرَقِيَّةً، وَأَخَذَ يَمْسَحُ عَنْ وَجْهِي، وَجَبِينِي، الدَّمَ الْمُنْهَمِرَ بِغَزَارَةٍ.. وَشَعَرْتُ بِالدُّوَارِ، وَارْتَمَيْتُ عَلَى الْأَرْضِ.


وَرَأَيْتُ عَدَدًا مِنَ الْعَنَاصِرِ، مُجْتَمِعِينَ عِنْدَ بَابِ الْمَهْجَعِ، يَتَفَرَّجُونَ، وَيَتَهَامَسُونَ.


أَنْهَضَنِي (أَبُو رَشِيدٍ)، وَقَبَّلَنِي مِنْ رَأْسِي، وَكَانَ يَتَمْتِمُ، بِنَدَمٍ شَدِيدٍ:


- اللَّعْنَةُ عَلَى الشَّيْطَانِ.. حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.


قَادُونِي إِلَى سَرِيرِي، وَأَرْسَلَ (أَبُو رَشِيدٍ) خَلْفَ، الرَّقِيبِ أَوَّلَ (مِدْحَت عَوْن)، مُمَرِّضِ الْمُسْتَوْصَفِ.. الَّذِي كُنْتُ أُحِبُّهُ.. فَهُوَ رَفِيقٌ (لِجَبْر)، وَلِي.


كُنْتُ أُدَمْدِمُ بِصُعُوبَةٍ، وَهُمْ يَمْسَحُونَ عَنْ جَبِينِي وَوَجْهِي الدَّمَ النَّازِفَ:


- أَنَا جِئْتُ أَخْدُمُ وَطَنِي.. لَا لِأُذَلَّ وَأُهَانَ، وَأَكُونَ ضَحِيَّةً، لِلْحِقْدِ، وَالْغَيْرَةِ، وَالِانْتِقَامِ.


وَكَانُوا يَطْلُبُونَ مِنِّي الصَّمْتَ، وَعَدَمَ التَّحَدُّثِ وَالْحَرَكَةِ.


وَوَصَلَ الرَّقِيبُ أَوَّلُ (مِدْحَت عَوْن)، يَحْمِلُ حَقِيبَتَهُ الطِّبِّيَّةَ.. وَعَلَى الْفَوْرِ وَسَّعُوا لَهُ.. وَفَتَحَ حَقِيبَتَهُ، أَخْرَجَ مِنْهَا، (الشَّاشَ وَالْقُطْنَ)، وَزُجَاجَةَ (التَّعْقِيمِ)، أَخَذَ يَمْسَحُ دَمِي، وَيُضَمِّدُ جِرَاحِي، ثُمَّ ضَرَبَنِي إِبْرَةً.. وَجَلَسَ جَانِبِي عَلَى سَرِيرِي.. يَتَحَسَّبُ رَبَّهُ وَيَسْتَغْفِرُهُ.


فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.. أَنْهَى الْعَرِيفُ (جَبْر)، اتِّصَالَهُ مَعَ رَئِيسِ أَرْكَانِ الْكَتِيبَةِ، الرَّائِدِ (إِبْرَاهِيم بَرْهُوم).. وَجَاءَ لِيَقُولَ:


- سِيَادَةُ (الرَّائِدِ)، غَضِبَ مِنْ (مُصْطَفَى) أَكْثَرَ.. وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى أَنْ يَحْلِقَ شَعْرَهُ، وَيَذْهَبَ لِعِنْدَهُ فَوْرًا، قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَ بِزَجِّهِ فِي سِجْنِ الْكَتِيبَةِ.


قَالَ فِي ضِيقٍ، الرَّقِيبُ أَوَّلُ (حِكْمَت عَوْن):


- يَا جَمَاعَةُ.. لَمْ يَعُدْ بِإِمْكَانِهِ، حِلَاقَةُ شَعْرِهِ.. الْجُرُوحُ كَثِيرَةٌ وَعَمِيقَةٌ، فِي رَأْسِهِ وَجَبِينِهِ.


رَدَّ الْعَرِيفُ (جَبْر):


- قُلْتُ لَهُ هَذَا الْكَلَامَ.. فَأَمَرَ أَنْ يَحْلِقَ لَهُ الْخَلَّاقُ، الْأَمَاكِنَ غَيْرَ الْجَرِيحَةِ، فِي رَأْسِهِ.. الْمُهِمُّ أَنْ يُشَوِّهَ لَهُ شَعْرَهُ، وَرَأْسَهُ.


حَاوَلْتُ أَنْ أَرْفُضَ التَّنْفِيذَ.. كُنْتُ أَصْرُخُ بِوَجْهِ (أَبُو رَشِيدٍ):


- أَنَا مَظْلُومٌ.. مَاذَا يَعْنِي أَنْ أُكَرِّرَ كِتَابَةَ (حَتَّى الآنَ)، مَرَّةً ثَانِيَةً؟!.. هَلْ كَفَرْتُ؟!.. هَلْ خُنْتُ الْوَطَنَ؟!.. هَلْ بِعْتُ (الْجُولَانَ)

؟!.. وَلَكِنِّي أَعْرِفُ السَّبَبَ وَالدَّوَافِعَ، وَمَنْ هُوَ ابْنُ الْحَرَامِ، الَّذِي يَقِفُ وَرَاءَ هَذِهِ الْمَكِيدَةِ.. أُقْسِمُ بِاللَّهِ سَأَنْتَقِمُ.. غَدًا تَنْتَهِي إِجَازَةُ سِيَادَةِ الْعَقِيدِ.. وَيَعُودُ لِلْكَتِيبَةِ.


وَكَانَ النَّدَمُ بَادِيًا، عَلَى قَسَمَاتِ وَجْهِ (أَبُو رَشِيدٍ).. كَانَ يَقْتَرِبُ مِنِّي.. يُحَاوِلُ أَنْ يُهَدِّئَنِي.. يُمَسِّدُ شَعْرِي.. وَيَقُولُ:


- سَامِحْنِي يَا ابْنِي.. لَمْ يَعُدْ بِمَقْدُورِي فِعْلُ أَيِّ شَيْءٍ.. أَنْتُمْ تَعْرِفُونَ سِيَادَةَ الرَّائِدِ ( إِبْرَاهِيم بَرْهُوم).. هُوَ صَعْبٌ وَعَنِيدٌ، وَأَوَامِرُهُ لَا تَتَرَاجَعُ.. يَجِبُ تَنْفِيذُ أَمْرِهِ فِي الْحَالِ.. قَبْلَ أَنْ تَتَضَاعَفَ عُقُوبَتُكَ.


الْجَمِيعُ.. أَخَذُوا يَطْلُبُونَ مِنِّي الْمُوَافَقَةَ.. وَتَنْفِيذَ الْأَمْرِ.. بَلْ وَالْإِسْرَاعَ بِالتَّنْفِيذِ.. وَنَادَوْا عَلَى الْحَلَّاقِ.. وَأَجْلَسُونِي مِنْ سَرِيرِي.. وَأَحْضَرُوا لِي كُرْسِيًّا، لِأَجْلِسَ عَلَيْهِ.. أَثْنَاءَ الْحِلَاقَةِ.


كُنْتُ أَبْكِي.. شَعْرِي خَفِيفٌ.. مُهَدَّدٌ بِالصَّلَعِ.. عِنْدَمَا حَلَقْتُ شَعْرِي.. بِدَايَةَ الْتِحَاقِي فِي (دَوْرَةِ الْأَغْرَارِ).. تَأَخَّرَ كَثِيرًا حَتَّى طَالَ وَأَخَذَ يَنْمُو.. وَلِهَذَا أَنَا مُرْتَعِبٌ الْآنَ.. وَأَسْتَصْعِبُ حِلَاقَتَهُ.


وَضَعْتُ (سِيدَارَتِي) فَوْقَ رَأْسِي الْحَلِيقِ، وَقَصَدْتُ قِيَادَةَ الْكَتِيبَةِ، حَيْثُ مَكْتَبُ سِيَادَةِ الرَّائِدِ (إِبْرَاهِيم بَرْهُوم).. دَخَلْتُ عَلَيْهِ بَاكِيًا، ذَلِيلًا، مَكْسُورَ الْخَاطِرِ، تَنْتَابُنِي رَعْشَةٌ قَوِيَّةٌ، مِنَ الْخَوْفِ وَالْهَيْبَةِ.


أَخَذْتُ التَّحِيَّةَ الْعَسْكَرِيَّةَ.. وَهَتَفْتُ:


- نُفِّذَ الْأَمْرُ.. سَيِّدِي الرَّائِدُ الرُّكْنُ.


وَجْهُهُ مُخِيفٌ وَمُرْعِبٌ.. عَيْنَانِ ثَاقِبَتَانِ.. وَخَدَّانِ بَارِزَانِ وَمُشَوَّهَانِ، بِسَبَبِ انْفِجَارِ قُنْبُلَةٍ بِالْقُرْبِ مِنْهُ، أَثْنَاءَ مُشَارَكَتِهِ (بِحَرْبِ تِشْرِينَ)، وَصَرَامَةٌ، وَقَسْوَةٌ تَعْتَلِي مَلَامِحَهُ.


كَادَتْ نَظَرَاتُهُ تَثْقُبُنِي.. كَانَ يُحَدِّقُ بِي بِشَذَرٍ وَحَنَقٍ.. قَالَ:


- أَتَرْفُضُ أَوَامِرِي أَيُّهَا الشَّاعِرُ الْمُبَجَّلُ؟!.. قَالُوا لَكَ (شَاعِرُ اللِّوَاءِ)، فَصَدَّقْتَ وَكَبُرَ رَأْسُكَ؟!.. أَنَا بِمَقْدُورِي أَنْ أُنْسِيَكَ كِتَابَةَ الشِّعْرِ، وَمَعْرِفَةَ الْقِرَاءَةِ.


وَسَارَعْتُ أَقُولُ، وَأَنَا أَرْتَعِدُ:


- لَا.. لَا سَيِّدِي.. مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَعْصِيَ أَوَامِرَكَ.. أَنَا طَلَبْتُ مُقَابَلَتَكَ.. أَوْ السَّمَاحَ لِي أَنْ أُكَلِّمَكَ فِي (التِّلِفُونِ).. لِأَشْرَحَ لَكَ الْأَمْرَ.


وَصَرَخَ:


- مَاذَا سَتَشْرَحُ لِي يَا حَيَوَانُ؟. قُلْتُ:


- سَيِّدِي.. هُنَاكَ مَكِيدَةٌ.. بِسَبَبِ فَتْحِي لِلصُّنْدُوقِ، الَّذِي أَمَرَ سِيَادَةُ الْعَقِيدِ الرُّكْنِ، الَّذِي شَكَّلَ (لَجْنَةً) لِفَتْحِهِ، وَإِخْرَاجِ (مُصَنَّفٍ) فِيهِ أَمْرٌ إِدَارِيٌّ هَامٌّ.. وَقَدْ كَانَ سِيَادَةُ الْمُسَاعِدِ أَوَّلَ، فِي إِجَازَةٍ.. وَلَمَّا جَاءَ مِنْ إِجَازَتِهِ.. وَعَلِمَ بِحِكَايَةِ فَتْحِ الصُّنْدُوقِ.. أَقْسَمَ بِالطَّلَاقِ، أَنْ يَحْلِقَ لِي شَعْرِي، عَلَى (الزِّيرُو).. لَكِنَّ سِيَادَةَ الْعَقِيدِ، مَنَعَهُ مِنْ حِلَاقَةِ شَعْرِي.. فَضَمَرَ لِي، حَتَّى ذَهَبَ قَائِدُ الْكَتِيبَةِ إِجَازَةً، وَاسْتَغَلَّ وُجُودَكَ.


ازْدَادَتْ حِدَّةُ غَضَبِهِ مِنِّي.. وَصَرَخَ:


- أَتَقْصِدُ أَنَّ الْمُسَاعِدَ أَوَّلَ، (رَئِيسَ الْقَلَمِ) قَدْ خَدَعَنِي، وَضَحِكَ عَلَيَّ؟!.. وَمَاذَا عَنْ غَلْطَتِكَ، بِتَكْرَارِ كِتَابَةِ كَلِمَةِ (حَتَّى الآنَ)، فِي الْبَرْقِيَّةِ مَرَّتَيْنِ؟. قُلْتُ:


- سَيِّدِي.. جَلَّ مَنْ لَا يُخْطِئُ.. انْقَطَعَ الِاتِّصَالُ، ثُمَّ عَادَ.. وَوَقَعْتُ بِالتَّكْرَارِ.. وَلَكِنْ هَلْ تَظُنُّ، أَنَّ الْمُسَاعِدَ (أَبُو رَشِيدٍ)، لَا يَقَعُ فِي الْأَخْطَاءِ؟!.. هُوَ مُعْظَمُ كَلِمَاتِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، لَا يَعْرِفُ كِتَابَتَهَا.. فَيَلْجَأُ إِلَيَّ.. وَأَنَا أُصَحِّحُ لَهُ أَخْطَاءَهُ.


حِينَهَا تَطَلَّعَ إِلَيَّ وَابْتَسَمَ.. وَقَالَ:


- تَكْفِيرًا عَنْ ظُلْمِي لَكَ.. وَأَنَا نَادِرًا مَا أَتَرَاجَعُ، عَنْ خَطَأٍ وَقَعْتُ فِيهِ.. اذْهَبْ، وَأَحْضِرْ إِجَازَةً لَكَ، بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ.


وَبَعْدَ عَوْدَتِي مِنَ الْإِجَازَةِ طَلَبْتُ نَقْلِي مِنْ (قَلَمِ الْكَتِيبَةِ).. وَقَدْ حَاوَلَ الْمُسَاعِدُ

أَوَّلُ (أَبُو رَشِيدٍ)، أَنْ يَتَمَسَّكَ بِي.. وَيَمْنَعَ نَقْلِي.. لَكِنَّنِي أَصْرَرْتُ.. لِأَنِّي كَرِهْتُهُ.*


  مُصْطَفَى الْحَاجُّ حُسَيْن. 

         *إِسْطَنْبُول*



من طروادة إلى روما بقلم عبدالسلام اضريف

 من طروادة إلى روما


يتسلق الاعالي. 

مُرتدِيا المروج والروابي  

يقتحم الادغال بحثا عن مياه المَوَاصي 


يُواجِه كل زمن  محرابه عَصي 

يقاوم القحط ،ويُجري السواقي 

كارِه للون الرمادي 


والمستور  من المدسوس الـخفي 

والخبيث من تصرفات الاعادي

لا يشكو الضعف ولا يعتدي 


وللغير لا يجافي 

ولو زاحمته البَلاوي 

يترفع عن صغائر القاصي 


ويتجنب حموضة سلوك الداني 

وكل إخلال بالقيم  بادي 

 لا يَجُر أديال خيبة الماضي


عزيز  النفس عناني 

باسق في اخلاقه كعنق الغواني

و النخل والقوافي 


كبرياؤه مستوحى من جميل الأعالي   

الالحان تستأنس به وقصائدي

والاصوات الفيروزية به تُغني


شيمته عِفّة يعقوبي 

اسالوا من له ذوق رائع بهي 

إسحاق الموصلي 


ابراهيم ، و زرياب الأندلسي 

كم ليل قضيتها مع المُدَامَةِ وَالْغَوَانِي 

لا رؤية لي ، ولا أُبالي 


ضربت عرض الحائط كل من رَامَ نُصْحِي

وعن الفضيحة والذل، بحبه نَهَانِي

كم هي بعيدة تلكم  الأَمَانِي


فتاهت بوصلة الحق عن نَفْسِي

حتى عَقًّدَت إيماني 

وأفشت سري 


وضاق من ذلك كله صَدْرِي

هل أنا قادر على ان يقول لساني

يا دنيا غُرِّي غيري 


كما فَقِه بذلك ابن طالب الأمير علي 

فعلا لا ادري

الدنيا وسيلة لهدف سامي


لا حقيقة ، ولا رمزا يرضي 

زَرْع ونَباتُُ عجيب يُغري 

يَهِيج  ثم يَصْفر سُوقُه، وبعدها يقضي 


كم جمع من الدنيا غيري 

وهو فاني 

فبعد نهاية مساري 


فلا احدا من الغير سيذكرني 

الكفن لا جيوب له خِلتي

أَلْفَاظٌ الحياة لا مدلول لها ، و لا مَعَانِي


كم كنت هائما على حصاني 

من طروادة  إلى روما ، فهما كعبتي

ونيرون حاضر دوما في قصائدي 


من الصبح حتى رصيف أشواقي

لم ابلغ قط أوهام متمنياتي 

أنا في حاجة إلى من يخبرني 


ويشعر بما أَصَابَنِي 

هذا خطابي إلى من لا يراني 

وآثَرَ هجري


فغيوم ليلي ستنجلي 

إن نَسيتَ  فقصائد شعري ستُحيِيني 

عند قراءتها من طرف مُتلِّق ثاني 


من طرف قراء مستقبلي 

هم من سيمنحونني

صَكَّ نجدتي 


ويرجعون لي رمح وحي

واِنا في دهاليز قبري 

مختبئا من شرور اشباح كانت تطاردني 


                                                        الله غالب


28 شتنبر 2026 

عبدالسلام اضريف



هيام المشاعر/ خاطرة بقلم محمد أمين عبيد

 هيام المشاعر/ خاطرة

بقلمي :

 محمد أمين عبيد


    الحب هيام جارف أمامه منحدر يهوي به إلى بؤبؤ العين  وسويداء القلب ونبض السعادة يلف الروح بهالات الإكبار ويستوطن  وحيدا في عاقبةالدار فيطمئن المحب إلى حقيقة الثبات في تحليق فوق من أحب يستعذب نسائم وجده التي تعبق في مجال الوجود فيرتوي شوقا وعطفا و توددا ورحمة تتجلى ويتزود إيمانا مطلقا بين جنبيه ليبني عش الاندماج برموش عينيه منتظرا فرحا دائما يولد له في حياته بنين وبنات في مسكن الأماني الخالد  والأحلام السعيدة . اللهم لك الحمد وبك نستعين على صدق الجنان وتصديق اللسان وقرار القلب وروح تدوم في بستان حياتنا وحقل أيامنا بلطفك وعنايتك ورعايتك

   و توفيقك  ..  يا رب


حين لا نقرأ الكلمات..بل ننجو بها..!

 حين لا نقرأ الكلمات..بل ننجو بها..!

حين صغت مقالي الأخير،وسألت القراء الكرام:

هل وجدتم أنفسكم ذات يوم بين سطوري،أم أنكم تهتم في متاهة كلماتي كما تهت أنا في متاهات العمر؟!

لم أكن أبحث عن مجاملة عابرة،بقدر ما كنت أبحث عن صدى لما أكتبه بمداد الروح.

وكانت ردودكم أعمق من كل انتظار،وأجمل من كل توقع..تفاعلا خلاقا،وتماهيا صادقا،وشهادات جعلتني أشعر أن الكلمة حين تكون صادقة لا تحتاج إلى كثير شرح،يكفي أن تخرج من القلب حتى تجد طريقها إلى قلوب أخرى.

ومن بين الكلمات التي استوقفتني،قول قارئة وفية لمقالاتي:

«نحن لا نقرأك..نحن ننجو بك.شكرا لأنك كتبت ما عجزنا عن قوله".

عبارة تختصر حكاية الكتابة كلها !

فربما لا تكون مهمة الكاتب أن يقول ما يعرفه فقط،وإنما أن يمنح الآخرين الكلمات التي عجزوا عن العثور عليها،وأن يحوّل وجعا صامتا إلى عبارة،وحيرة دفينة إلى سؤال،ودمعة مستترة إلى نص.

شكرا لكم،أيها القراء الذين لا تمرون على كلماتي مرورا عابرا،بل تمنحونها شيئا من أرواحكم.. ولولاكم لبقي كثير مما أكتبه مجرد حبر ينتظر قلبا يقرأه.!

ولعل أجمل ما يمكن أن يبلغه الكاتب،أن يشعر بأن كلماته لم تُقرأ فحسب،بل لامست جرحا،أو أيقظت شعورا،أو أنقذت في لحظة ما قلبا من صمته.. عندها فقط يدرك أن الحبر حين يسكن القلب،لا يعود حبرا،بل يصبح طوق نجاة.

وفي النهاية..لست أدري أأنا من يكتب الكلمات،أم أن الكلمات هي التي تكتبني.! لكنني أدرك أن أجمل ما في الكتابة أن تجد روحا أخرى فتقول لها: لست وحدك..لقد شعرت بما شعرت،وقلت ما عجزتَ أنت عن قوله.وعندها يصبح الحرف جسرا بين قلبين، وتغدو الكتابة بعضا من النجاة.

ختاما،شكرا لتلك القارئة التي داعبت نرجس القلب،وردّت إليّ شيئا من عطر الحياة،عطرا خِلته قد تلاشى في ازدحام الصباح،فإذا بكلماتها تعيد إلى الروح بعضا من ألقها،وإلى القلب شيئا من دفئه المنسي..


محمد المحسن



ماذا بعد أن تهدر الكرامة الإنسانية!؟ بقلم عبد المنعم مرعي

 ماذا بعد أن تهدر الكرامة الإنسانية!؟

ليس بعد كسر النفس وإذلالها وحصرها قهراً 


شيء عليه يبكي الإنسان فعدم الحماية الكافية والقدرة


على الاحترام المتبادل والتقدير لكرامة بني آدم


حتى  تصبح بلا كرامة...


فعلى أي كرامة وحقوق تتحدثون ،


فأين هو حق الإنسان من الحقوق والحريات


الواجب اتباعها وتوفيرها لدى الشخص العادي البسيط


 الذي ليس له سلطة ولا جاه أين هي تلك الكرامة


 التي تنادي بها وتدعى إليها جميع مؤسسات الدول للحفاظ على أمن وأمان المواطن  والدفاع عن  حقه المشروع  حتى يعيش في حرية وسلام  نفسي واستقرار


 بعيداً عن أي تشتت يمزق كيانا يعيش فيه  أي حق من حقوق البشر  يحكم بينهم وبين أفراد المجتمع الواحد 


فلا يجوز لأي شخص التعدي على كرامة المواطن بأي شكل وحال من الأحوال مادام  يوجد قوانين تتبع هي التي تحكم وهي الفيصل في هذا المجتمع لمنع التفكيك وخلط الأمور ببعضها  وجعل معوقات تسيء الفهم الصحيح 


وعدم اللامبالاة حتى لا يصبح المجتمع غابة تحكمها المادة والأهواء  و حتى لا يكون  تأثير هذا  عكسي وله عواقب 


تجعله هش وعلى حافة الهاوية من الانهيار فلا يجوز لأي شخص التعدي على كرامة الإنسان والحريات العامة الأساسية التي أقرها له القانون.


بقلم عبد المنعم مرعي



ما بالها تجري المدامع ما بك بقلم عبدالمنعم محمداحمد

 ما بالها تجري  المدامع ما بك

أسدل ستارالحب اعصم قلبك

لاتبتئس أن كان حظك غيرها

فالخير يعلمه الكريم فحسبك

 زلفي  لغير الله  لا  تحفل بها

من  أحرى  بالاكرام   الا  ربك

من يعلم الأقدار والغيب غيره

من ذا يزيل الغم  يفرج كربك

فاسعي لمرضاة الاله ولا يكن

إرضاء  آسرة  المشاعر دربك

الكل بحول الله ليس بحولك

يأتيك  رزقك  صاغرا و بقربك

فاوكل إليه الأمر استسلم له

واعلم فقدر الله دوما كسبك


عبدالمنعم محمداحمد

لَيْتَني .. نَصٌّ: يُوسِفُ خَلِيل

 لَيْتَني ..

نَصٌّ: يُوسِفُ خَلِيل


لَيْتَني تَرَاجِيدِيَّةَ الزَّمَانِ،

حِينَ تَتَعَبُ مِنْ دَوْرَانِهَا،

تَسْتَعِيرُ مِنْ ڤِينُوسَ وَجْهًا،

فَتَضُمُّ إِلَى صَدْرِهَا أَرْضَ الشَّوْقِ،

وَتُشْعِلُ فِي رَمَادِ العِشْقِ الإِيرُوسِيِّ

نَارًا لَا تَعْرِفُ الانْطِفَاءَ...

لَيْتَ الأَشْوَاكَ لَا تَكُونُ غَرِيبَةً،

وَلَا يَكُونُ الرَّحِيلُ وَجْهًا آخَرَ لِلْمَأْسَاةِ،

وَلَا يَكُونُ المَوْتُ آخِرَ مَا تَقُولُهُ الحَيَاةُ...

عِنْدَهَا،

تَخْرُجُ البَرَاعِمُ مِنْ صَمْتِ التُّرَابِ،

وَتَتَفَتَّحُ بَنَفْسَجَاتُ الفُصُولِ،

كَأَنَّ كُلَّ بُرْعُمٍ غَيْرِ مُكْتَمِلٍ

يَحْمِلُ فِي قَلْبِهِ شَهَادَةَ عَصْرٍ،

وَكَأَنَّ أَلْوَانَهَا الذَّهَبِيَّةَ

تَرْسُمُ عَلَى جِدَارِ الزَّمَنِ

تَرَاجِيدِيَّةَ المُجْتَمَعِ...

وَمِنْ بَيْنِ شُقُوقِ الأَلَمِ،

تَخْرُجُ فَرَاشَةُ العِشْقِ؛

رَقِيقَةً كَحُلْمٍ لَمْ يَجِدْ بَعْدُ لُغَتَهُ،

تَحْمِلُ عِطْرَ المَوَاسِمِ عَلَى جَنَاحَيْهَا،

وَتَعْبُرُ تَحْتَ دُمُوعِ السَّحَابِ المُتْعَبِ،

فَوْقَ أَجْسَادٍ أَتْعَبَهَا الوَجَعُ،

لِتَقُولَ لِلْمَوْتِ:

لَسْتَ آخِرَ الكَلِمَاتِ...

هُنَاكَ،

تَبْدَأُ الرَّقْصَةُ الأُولَى لِدِرَامَا

لَمْ تُولَدْ رَوَائِعُهَا بَعْدُ،

وَيَرْتَدِي الحُبُّ،

فِي جَسَدِ الإِنْسَانِ الجَدِيدِ،

ثَوْبَ الشَّوْقِ،

وَيَحْمِلُ فِي عَيْنَيْهِ

سُؤَالَ غَدٍ لَمْ يَصِلْ...

وَعِنْدَ مَائِدَةِ الأَمَلِ،

تَجْلِسُ الابْتِسَامَةُ إِلَى جَانِبِ الضَّحْكَةِ،

وَتَسْتَعِيدُ القَهْقَهَةُ مَعْنَاهَا القَدِيمَ،

لَا كَصَوْتٍ عَابِرٍ،

بَلْ كَإِعْلَانٍ عَنْ حَيَاةٍ

تَرْفُضُ أَنْ تَمُوتَ فِي دَاخِلِ الإِنْسَانِ...

لِشَعْبٍ يَحْمِلُ العِشْقَ فِي دَمِهِ،

وَلِحُبٍّ حُرٍّ لَا تُحَاصِرُهُ الحُدُودُ،

وَلِإِنْسَانٍ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ

أَكْثَرَ مِنْ نَاجٍ مِنَ المَأْسَاةِ...

لَيْتَنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَبْنِيَ،

تَحْتَ ظِلَالِ الذَّهَبِ وَالحُمْرَةِ

الْمُتَسَاقِطَةِ مِنْ سَمَاءِ التَّرَاجِيدِيَا،

حَيَاةً لَا تَكُونُ نَسْخَةً أُخْرَى مِنَ المَاضِي،

بَلْ بَدْءًا جَدِيدًا لِلإِنْسَانِ...

حَيَاةً

يَكُونُ فِيهَا الأَمَلُ أَقْرَبَ مِنَ الخَوْفِ،

وَالحُبُّ أَقْرَبَ مِنَ المَوْتِ،

وَيَكُونُ الإِنْسَانُ

هُوَ المَعْنَى الَّذِي لَا يَسْقُطُ

حِينَ تَسْقُطُ كُلُّ المَعَانِي.



اعبر الحياة كأنك ربيعٌ لا يذبل بقلم. خالد عجيبه

 اعبر الحياة كأنك ربيعٌ لا يذبل

لا تُخلق الأرواح لتُدرك كلَّ الأسرار،

بل لتلامس الضوء، وتُصادق الدهشة، وتغزل من لحظاتها معنىً يُشبه الخلود.

سر في الحياة بقلبٍ يُزهر، لا بقلبٍ يرتجف،

فالدروبُ لا تُضاء بالخوف، بل بخطوةٍ تؤمن أن لكلِّ عثرةٍ حكمة، ولكلِّ صباحٍ وعدًا جديدًا.

الحياة ليست ساحةَ صراعٍ دائم،

بل قصيدةٌ تتبدّل أبياتها،

مرةً تُرتَّل على لحن الفرح،

ومرةً تُنشد على وتر الحنين،

وفي كلتا الحالتين... تبقى جديرةً بأن تُعاش.

فيها نسائمُ تُداعب الروح كهمس الفجر،

وفيها غيومٌ تُثقل القلب كالمطر قبل انهماره،

لكن بعد كلِّ غيمةٍ سماء،

وبعد كلِّ انكسارٍ نور.

والموت...

ليس انطفاءً للأنفاس،

بل عبورُ طائرٍ من غصنٍ إلى غصن،

ومن أفقٍ نألفه إلى أفقٍ لا نعرفه،

ونرجو أن يكون أرحبَ رحمةً، وأندى سلامًا.

فلا تجعل عمرك انتظارًا للمساء،

ولا تُحصِ الأيام كأنها تنقص منك،

بل اجعلها تزيدك امتلاءً بالحياة.

عِش اللحظة كما لو أنها أولُ الربيع وآخرُ القصائد،

وازرع في الطرقات أثرًا طيبًا،

وفي القلوب محبةً،

وفي الروح طمأنينةً،

وفي العمر ذكرى تُشبه العطر إذا مرّ... بقي.

كن ربيعًا لا تذروه الرياح،

ونهرًا لا تُجففه المواسم،

ونجمةً لا يُطفئها الليل.

ازهر...

فالعالم يحتاج إلى قلبٍ يُجيد الإزهار،

أكثر مما يحتاج إلى عينٍ تُجيد انتظار الخريف.بقلم خالد عجيبه



* الشَّكْسَة عفريتة الجيوب* بقلم جمال الطرودي // تونس]

 *  الشَّكْسَة عفريتة الجيوب*

[في عالم صارت تحكمه العلاقات الرخوة هل مازال فيه مكان للمبادئ الصلبة]


صرير الجنادب يؤذن بتواصل موجة الحر الشديد و تواصل حصار القبة الحرارية للمدينة   الرابضة على تخوم   الصحراء. 


فنجان قهوة و قطعة من الزبدة لم تلبث أن سالت على قطعة الخبز بمفعول الصّهد. ألتهمها أو بالأحرى ألحسها. لا أكترث لأقوال الاطباء بالابتعاد عن استهلاك  المواد الدهنية المتسببة في ارتفاع الكوليسترول. ما هو هذا الكوليسترول اللعين الذي غزى  الإبدان؟ لم نكن نعلم له أثرا في سابق العهود. لقد جاء مع هذا الخبز الإفرنجي الذي غزا المائدة و قضى على خبز الطاجين العربي تلاه دجاج الشّكسة الذي غيّر عادات المدينة في الحصول على البروتينات.


يجب أن اخرج قبل ارتفاع الشمس للقيام بالمشتريات. أضع المظلة  على رأسي ثم انطلق نحو الشارع الطويل الذي شفط النشاط التجاري من سوق المدينة العتيقة.   

أمرّ على الجزار فألفيه واضعا يده على خدّه. تتقاطع نظراتنا من بين الجزور المعلّقة في المخاطيف أمام الباب لا يحوم حولها غير الذباب. أشعر و كأنّه يسائلني  عن طول غياب.  فأتذكر الأيام الخوالي، لما كنت أقتني من عنده  الكيلو و الاثنين من لحم الخروف. أدلف إلى محلّه فتصعقني  خمسون ألف فولت:

 - السلام عليكم!

- و عليكم السلام!

- أزهى و شيخ في الدنيا، لا قعد لوارث، عندك عجل؟

- غلّبت علينا الشكسة احنا الززارة فكّت لنا الحرفاء. مرحبا بيك، ايه مازال عندي حاجة باهية في الفريقو.

- الحاشي  خير في ها  السخانة ،  اقل شحم. امّالة، أعطيني طرّيف حاشي!

- اليوم ما ثمّش كان غدوه.

- امالة تو غدوة نجي!

- نخلّي لك؟

- لا ما تخلّيليش.  اشكون يعرف شنوّة يصير غدوة؟ هاك تشوف فيها الدنيا حرب؟ مادورو  رئيس فنزويلا رقد  في فراشه في الليل صبح يبحث في حبس أمريكا! باعوه أقرب الناس ليه بأبخس ثمن. هيا بخاطرك.

  و خاطري يقول: "ليتهم كانوا يحسنون عمل القصابة مثلك. تبيع نعجة شارف بسعر لحم خروف حليب. عالم سالت  فيه القيم  حتى صار فيه  الانسان قابلا للبيع بأبخس الأثمان! عبودية جديدة يُبرّر فيها القتل و ترويع الناس بالمحافظة على السلام  لأجل سرقة البترول "


خرجت و تركته حائرا أكثر مما هو عليه لمّا دخلت.  قبل أن يستفيق عندما يتوصّل الى الإجابة  عن السؤال "وش جاب مادورو للعلوش بخمسين دينار؟"  وجدتني في دكان  بيع الدجاج دكّان الشكسة  حيث مازالت الرأفة بالجيوب.    


   دكان الشكسة في مكان استراتيجي في المدينة عند تقاطع عدة شوارع، أمامه فسحة لإيقاف السيارات. أنا  متعوّد على ارتياده للحصول على الدجاج و مشتقاته. تعمل فيه فتاة يانعة عليها امرأة شكساء وركاء التي هي الشكسة  يكاد كرّسيّها يئنّ تحت وطأة ثقليها. ترمق بعيون نمرة  الحريف الذي يحتجّ عن الثمن أو البضاعة. وزنت البائعة دجاجة كاملة: " سبعة عشرة ألف"!

 استغربت  لان نفس الدجاجة تقريبا و من عندها منذ يومين  دفعت فيها ثلاثة عشرة دينارا.

 سألت البائعة  عن ثمن الكيلوغرام. تلعثمت و خزرت من تحت إلى تحت الى العرفة و قالت :"  إثنى عشرة  ألفا"

 احتججت: "من وقتاش زاد الدجاج؟". 

سكتت! رمقتني الشكساء الوركاء ثم  تحرّكت  كي تقلّع ردفيها من بين مساند الذراعين في الكرسي اللذيْن أطبقا عليها كفكّي الفخ.  

"يا احليلي كون تثور لي الشّكسة!". تجاهلتها. ركّزت بصري على البائعة، لمّا قامت الشّكسة و الكرسي متشبّث بمؤخرتها،  حتى لا تقع عيني في عينها فتثبّتني كما تثبّت أفعى الأناكوندا فريستها و تلتهمني  جلدا و لحما و عظما كفرّوج وحشي في غابات الأمازون. 

   وضعت الدجاجة  على الكنتوار و استدرت بخفة إلى الخارج لم أترك لها الوقت حتى تفتح فمها و تنفث سمّها. أرتاد  محلّها لأني أجد فيه بضاعة طازجة، طرية غير مجمدة. كنت أتجنّب الاحتكاك بها.


من لا يعرف الشكسة ؟ أوّل امراة افتتحت دكانا لبيع لحم الدجاج ومشتقاته في البلدة، قبل حتى الرجال الذين كانوا خائفين من الجزّارين. لقد اتحد الجزّارون  عليها رغم الكره الذي يحمله كل واحد منهم للآخر. لقد رأوا فيها تهديدا لمصلحتهم المشتركة. هاجموا الدجاج حتى لا يُغيّر الناس عاداتهم الاستهلاكية من لحم الضأن و البقر إلى لحم الدجاج فأفشوا أن لحم الدجاج يضعف الرجولة و يورث الدياثة اما لحم الكبش و الثور فإنه يقوّي الفحولة و يورث الشدّة كما كان اجدادنا الذين كانوا لا يتناولون لحم الدجاج إلا لماما. دجاجات عربيّة تربّت في فناء المنزل تحت أعينهم لا يقربهن ديك غير ديكهم نقيّ السلالة . ليس هذا الدجاج المسمّى دجاج الماكينة الذي لا يُعلم مع أي ديك سفدت الدجاجة . الخارج من رحم الماكينة وليس من رحم دجاجة. دجاج لقيط بلا نسب لا يُعرف له أب و لا أم. 


لمّا وجدوا الناس قد مالوا إلى دجاج الشكسة رغم فساد نسبه  وذلك لضيق الحال، وجّهوا سهامهم نحوها فقالوا فيها ما لا يقال. لكنّها لم تكن سهلة، حاربتهم كنمرة حاصرتها الذئاب. كانت تنفرد بهم واحدا واحدا في دكانه و تكشف له عن علاقاته الخفيّة في أزقة المدينة الخلفيّة فتذكر له أدق الأسرار مع علامات مخفيّة تحت السراويل الدّاخلية. اشترت المعلومات من البائسات بأفخاذ الدجاج.

 حتى في المناطق النائية عن مراكز الحضارة السائلة تسيل المبادئ البائدة فيها و تسيح على الإسفلت. 


لقد كسّرت الشكسة عادة قديمة. النساء لا يدخلن السوق. حتى وإن احتاجت إحداهن شيئا و لم تجد صغيرا من الذكور في المنزل ترسله وقفت على أطرف السوق و ندهت أول فتى عابرا ليقضي لها حاجاتها و من العيب أن يمرّ و يتركها. فمن حسن الخلق  قضاء شؤونها اوّلا  ثم العودة إلى السوق  لقضاء شأنه كي تذكره بالخير في مؤتمرات النساء المنعقدة خلف الأسوار العالية للبيوت قصد ترتيب الزيجات. 


الشكسة بائعة الدجاج و بائعة الأسرار قفزت من فوق الأسوار. اقتحمت السوق و فتحته للنساء حتى صرن فيه بائعات بعد أن كنّ فيه من المنبوذات. كم لقاء تمّ في حانوتها تحت عينها التي لا تخفى عنها خافية العيون و الحركات انتهى بالزغاريد و الكسكسي بلحم العجول. تحدّث نفسها وهي عائدة إلى بيتها  بعد الوليمة " صبرا، كما بدّلتم الخرفان بالبقر سوف تتبدّلون الى كسكسي العرس بالدجاج ! و ليس الأمد ببعيد"


يسيل الخروف فيتحوّل إلى دجاج بمفعول  حرارة الفقر كما سالت الشكسة من غياهب البيت  إلى قلب السوق بمفعول حرارة الحاجة فالزوج مفقود انقطعت أخباره منذ ركب قوارب الموت و تركها مع صغيرين. لكن حاجتها لا تبرّر الزيادة المشطة في الثمن. لن ترهبني جسارتها. لأذهبن إلى دكان  آخر. في الدكان الآخر"ما ثمّاش دجاج!". إلى آخر، كيف كيف. آه الشكسة تطبّق قانون الندرة عند العرض و الطلب. تعلم أن الدجاج الكامل الطازج غير المجمّد عندها هي فقط لذلك زادت في السعر وفق رغبتها و لم تراعي رغبات الأطراف الأخرى المتدخّلة في السوق. تحكّمت الشهوة في تعظيم الربح فانكسر التوازن و اختلت الموازين حتى صار المحتكرون يتحكًمون في السوق مع غياب رقابة الدولة.


مازال هناك حانوت آخر، بعيدا في طرف الشارع الطويل، سوف أقصده و لن أعود إلى الشكسة. لما وصلت ألقيت نظرة على الأسعار المكتوبة أمام كل نوع من البضاعة في ثلاجة العرض. الدجاج  ثمانية آلاف و تسعمئة و خمسون.

سألت البائعة. هي أيضا أقصد دكانها احيانا، لولا البعد لكنت أقصدها دائما. دجيّجة عربي بيضاء حمراء ليس بها حياء. يفرض عليها صاحب المحلّ صباغة شعرها بالأصفر و مكياجا لافتا و مينيجيب: 

وجدتها وحدها فاستغلّيت  الفسحة من الحرّيّة. سألتها:

 -ثمّة أزمة نتاع دجاج؟

أجابت:

-من قصّان الضو،  الدجاج مات! 

-هاني  أنا قص عليّ الضوء في تمبك الشهيلي و ما متّش! 

 بعفوية عارضت:

-  السراديك ما يقصّش عليهم الضو، تبسّمت.

تظاهرت بأنني لم أفهم قصدها. عقّبتُ: 

- أمّا ينسّله ريشة ريشة حتى لين ما تبقى له كان الكركاس هذا كان خلّاهوله كلب الستّ.


تخرج من منقار البيضاء الحمراء دندنة عذبة:

- أنت فين والكلب فين

أنت قدّه يا إسماعين

طب دا كلب الست يا ابني

 وأنت تطلع ابن مين؟


بان على محيّاي التعجّب:

- هاكي  تعرفي الشيخ إمام و أحمد فؤاد نجم! كيفاش  يجي، بيّاعة دجاج في حانوت  متطرّف موجود في  بلاد متطرّفة ، نقطة غير ظاهرة على الخريطة؟


 - أنا إجازة  علوم الاقتصاد السياسي  و نحضّر في الماستار. نعاون في روحي باش  نقد نكمّل قرايتي. بابا ما في حالتاش. 

و بإذن الله نكمّل! نتخرّج  و نخرّج بلادي  من الغياهب  و نردّها   مركز في قلب الخريطة.


كيف تُقمع هذه الجوهرة بين الرمال الحارقة:

-  ربّي يعينك و يسهّل طريقك و يعطيك ما تتمنّي! هيّا بخاطرك.


خرجت و قد أصابني ارتجاج في السحايا:" لو كانت ولدا لعرضت عليه المساعدة لتحقيق  مشروعه. اما في هذا المجتمع المنغلق على بعضه بعضا من الأسلم الحذر حتى عند فعل الخير".


سرت في الشارع الطويل على الرصيف تارة و تارة أخرى على ظهر  الإسفلت المشتعل بلفح شمس العاشرة  لأن الرصيف مشغول بكراسي المقاهي و الجادّة بجانبه تسدّها دراجات الشاربين النارية. يترشفون القهوة و الشاي و يشيّشون تحت تيندة أكلت كل الرصيف، لا تزورّ عيونهم عن درّاجاتهم قيد أنملة ينجذبون اليها حدّ الإثارة. تعوّض عنهم فراغ العشيقة الوهمية التي يحلمون بوصالها  كلما مرّت على الجادة المقابلة غزالة ترفل في روبة عرية. لم أشعر و انا منجذب مثلهم إلى غزلان الجادة  برجليّ وهما تغطسان إلى الركب في بالوعة صرب سرق غطاءها أحد الملاقيط من أولئك الذين لا يتركون فانوسا يشتعل أو حاوية في مكانها. يدفعونها  الى منعرج مظلم بعد تكسير الفانوس كي يصطدم بها سائق وِسْنان  . أسبّ الرصيف و المعبّد و من أهملهما  و  ملقوط الصرب الذي سرق الغطاء و عفريت جيبي  الذي يلهف كل ما أستخرجه من صرّاف الحائط ، لا يترك أخضر و لا أحمر. جاروشة تجرش حلال وحرام ، قانوني و غير قانوني. همّه الوحيد كيف ينسّلني حتى يعيقني على شراء سيارة تعفيني من السير على الرصيف المسلوب.

 

تتمثّل أمام عينيّ  عفريتة حقيقيّة من عفاريت الجيب. الشكسة! تسدّ عنّي عين الشمس. تساعدني على التملّص من وحل  البالوعة.  تنتشلني بيد واحدة . ترفعني كما ترفع فرّوج ماكينة من جناحه قبل وزنه. 

تهمس في أذني:

-شوف  قدّامك، عمى في عينيك. كل شيء ولّى قدّام عنيك دجاج. حتى المخلوقة ماشية في ستر ربّي  ريّشتها بعينيك. 

أصيح:

- منين جيتي؟ كيفاش طلعتي لي ؟ بقيتي في القمقم نتاعك. وش مخرّجك منّه؟

يصمّ أذنيّ صوتها الجهوري فيلتفت إلينا من كان في المقهى. فْصَيِّلْ عرك هيّا وتفرّج يا اللي ما عندك ما تعمل:


- كنت نستنّى فيك. هاو دقّك ربّي قدّام عينيّا. ما تحبّش تأخذ من عندي الدجاج! تستاهل هكّة و اكثر. تَبَاتَهْ راك جيت مغروس على راسك  و انا نقلّع فيك من رجليك كِ البصلة!


- موش لازم ناكل الدجاج اليوم. حتى كان  تسعين في الميا  من التوانسة  يفترسون  خمس مائة ألف دجاجة يوميا. خلّي بأنقص ثعلب نهار. و أعلن منذ اليوم انسحابي   من  التسعين في المائة الذين  انتخبوا  صاحب التميمة "دجيّجة" و انضمامي الى    العشرة في المائة من البقية   الذين اختاروا  تمائمهم علوش و قاروس و شمروخ. 


-هاذي حاجات خاطياتك.  توجّع لك كرشك ما همش من شواربك  و لا  من عاداتك الغذائية كما زيت الزيتونة. ما تقدهاش يا انتاع صبّوش! حتى الدجاج إلا ما نقطعه عليك!


- أعوذ بالله! على شكون تصبّح الواحد اليوم حتى نطمبي في ها السِّمِيرُومُرْك.  على حسابك ناكلوا الحجر. والّا حتى الحجر ولّى بالفلوس!


- خمسة في عنيك!   أسمع نقلّك ما يفكك مني   لا مراقب أسعار  و لا  غيره من اللي تتصوّرهم الكل في بالك. هاذاكم اقفاص الدجاج نبعثهملهم للدار مريشين حاضرين باش.  ما ناقصين كان الصليان. حتى افاحهم معاهم كادو من المحل...


- إلا ما نكوّن   جمعية الرفق بالدجاج  باش نمنعوا ذبحان الدجاج . شنوّه ذنب الدجاج المسكين حتى يكون قربانا لجوعنا. أرفع هذا النداء "زيدوا في سوم كيلو الدجاج!" .


- ما دامه فيها زيادة في السوم انا معاك. انت رئيس جمعية الرفق بالدجاج  و انا أمينة المال نتاعها. ما احلاها ريحة الفلوس حتى في كاسة جمعية فارغة! بلحاط يبلحطك!


- ماهو باش ننسوه كما نسينا العلوش و الحوت و نولّوا  ناكلوا في بعضنا! و هكّة  يا عفاريت الجيوب و يا شواطين  الرّبوب تكمّلوا تمصّوا العظم بعّد ما كشطتوا اللحم! الله يجعل بلاءكم على غير أيدينا!


تدخّل الحزّازة و فكّوا النزاع: "عيب راهي مرا! برّي يا حرمة شدّي حانوتك! عيب عليك الشكسة راهي أختنا الكبيرة! ك تحب تعارك عارك الرجال!" يقترب مني أحدهم يوشوش لي " برّه فك عليك الشكسة راهو لا من يقدّها"

عدت إلى المنزل على الأقدام لا أظن أن تاكسي سيتوقف لحريف ككعبة يويو مغطّسة الى النصف في الشوكلاطة. لقد ضاع النهار  بين الشكسة و البالوعة. لو انها باعت لي بالثمن القانوني كنت على الأقل منذ ساعتين قبل الآن في المنزل أصلح  امتحانات التلاميذ كي أرجعها لهم في الغد. مازال وقت السير على الأقدام إلى منزلي في ضواحي المدينة و الناس ترمق هذا الجرذ الخارج من الصرب. و موقف السؤال في الدار عن سبب هذه الحالة. و زمن التنظيف و المعطرات. إصلاح الامتحانات سوف يتواصل الى فجر الغد على الأقل. من جرّاء زيادة في الأسعار يخسر الاقتصاد الوطني مجهودات كانت تبذل في العمل بحيث تساهم في الزيادة في الإنتاج و الانتاجية يبذّرها العامل و الموظف في البحث عن بضاعة مفقودة أو عن سعر مناسب لجرايته الزهيدة.

 

يتراآى أمامي طيف الشكسة مبتسما يكشف متعمّدا عن نابها الذهبيّ.  سنين وهي تحاول استدراجي و الإيقاع بي كي تمسك عنّي هفوة تكسر بها مقاومتي انا و القليل من الحرفاء مازلنا نتمسّك بإشهار قائمة الأسعار كما ينص القانون و عدم التلاعب بالأسعار عند الدفع بحيث يكون سعر الدفع مطابقا للسعر المعروض. اليوم امسكت عنّي زلّة سوف تضخّمها و تنقلها الى الجهة المعنيّة لما تذهب إلى دكانها لقضاء بعض الحاجات:" راجلك عينه زايغة طاح في حفرة نتاع صرب و هو يتبّع في وحدة  ما تصلحش بزوز صوردي!". ليس هناك داع للأدلة حتى وإن توصلت بطريقة سحرية إلى إخفاء الأثر " وش بيه  سروالك انظف من وقت اللي خرجت؟ وين غسلته!؟". 


الشكسة العفريتة بنت الجنّيّة  تعرف كيف تلوي ذراعي سوف لا تنقل الخبر الى الجهة المعنية سوف تطبّق طرق استخبارات صلاح  نصر في مصر في عهد عبدالناصر و ما سواها من استخبارات البلاد العربية و الدول الامبريالية بحيث تبتزّني ما بين انفجار قنبلة في عقر داري أو الخضوع اليها و الشراء بالثمن الذي تقرّره هي. 


لقد سالت العلاقات الدولية، ما عدت أعرف من يتعلّم ممن. لما انكشفت طرق الاستخبارات وجدتها تطبّق طريقة الشكسة. 

أتظاهر في الطريق:" تسقط الإمبريالية! تسقط الأنظمة العميلة!". أبيت ليلتها في المخفر و من الغد يواجهني المحقّق:"ألا تستحِ و انت من انت تسكر و تتظاهر في الطريق العام! الإفراج بكفالة." 

أموت و لا الشكسة تمسك عنّي زلّة!

و لن تندثر المبادئ الصلبة ما دمت حيّا!


[جمال الطرودي // تونس]


قصيدة للشاعر التونسي الأسعد بن عربية من ديوانه الجديد: لم تكن مجرّد امرأة"

 قصيدة للشاعر التونسي الأسعد بن عربية من ديوانه الجديد:  لم تكن مجرّد امرأة"

أبجدية العشق والجسد


بكلِّ ما في جسدكِ من فتنةٍ قديمة 

يا امرأةً تكتبُني من جديد وتعيدُ ترتيبَ لغتي 

وتزرعُ في صدري نخلة وفي عينيَّ شمسًا لا تغيب 

أحبّكِ

لأنّكِ لستِ ككلِّ النّساءِ ولا تشبهينَ إلاّ نفسكِ 

حين تمرينَ أمامي تتعطلُ اللّغةُ وتتلخبطُ القواعدُ كلّها 

وأكتشفُ أننّي أجهلُ النّحوَ والصّرفَ والإملاء 

أحبّكِ

لأنّكِ  تُولمينني ثم تُداوينني بقبلةٍ واحدة ٍ

تغضبينَ منّي كما يغضبُ البحرُ من صُخوره 

ثم تعودين إليَّ كما تعود السّنونو إلى عشّها القديم 

أحبّكِ

لأنّكِ سمراءٌ كحبّة قهوةٍ معتّقةٍ في مقهى شعبيّ عتيق 

ساخنةٌ مرّةٌ لا تروي عطشي إلاّ  إذا ذبت ُفيها حتى آخرقطرة  

أحبّكِ

لأنّ  جسدكِ يختصر كلّ نساء الكون وكل المدن 

أحبّ  طعم شفتيك حين تقبّلينني بعنفوان امرأة شرقيّة 

تعرف كيف تدلّل حبيبها وتعرف متى تتركه يتعذّب اشتياقًا 

أحبّ  رائحة َعنقكِ حين تنامين على صدري 

وتتركين لي مهّمة اكتشاف تضاريس جَسدُكِ للمرّة الألف 

أحبّ تفاصيلَ أصابعك ِالطّويلة وهي تعبث بشعري 

وتسرقُ منّي كلّ أسراري دون أن أدري 

أحبّ تكوّر نهديك تحت قميص النّوم الشّفاف 

وأنت تمشين أمامي بثقة ملكةٍ تعلم جيدًا أنّها تمتلك 

مفاتيحَ قلبي وجسدي 

يا سمراءُ تونسيّة القلب والرّّوح والجسد ِ

يا امرأةً كلّما قبّلتها شعرت أنّني أُقبِّل الحياة نفسها 

أحببت فيك إنسانيّتك قبل أن أحبّ جسدك 

وصدقَ مشاعرك ِقبل أن أذوقَ لذّة َحُضنك الدّافئ 

وحنان َقلبكِ قبل أن أتوه في متاهات جسدُك

 العاري أمامي بلا خوف ولا خجل 

لو كان الجمال وطنًا لكنت أنت عاصمته 

وأنت ملكته المتوّجة على عرش النّساء جميعًا 

ولو كان الحبّ دينًا 

لكنت أنت نبيّه ومعبوده الذّي لا يُعبد سواه 

ولو كان الوصال لغةً لكنتِ أنت ِقاموسه الأوّل والأخير

فأبقي معي يا سمراءُ العمر َكلّه 

وامنحيني قبلةً واحدةً فقط 

تكفيني لأعيش بعدها ألف عام 

 


الشاعر الاسعد بن عربية تونس


كلمة حق بقلم .. علي حسن ..

 كلمة حق    .. بقلمي علي حسن

في كلمة حق نكتبها ونقراءها

ويرتلها الآخرون بلا معنى أو عبر

وقد نكون أخطأنا بحق أنفسنا فما

عاد للحاضر حاضر ولا لِلصوت وتر


لعلّنا نتوه بأنفسنا وبعضنا لعلّ

تغفو فينا العيون بلا معنى أو قدر

فعذراً يا من مررت وقرأت مني السطور

قد أكون تجاوزت حدود نفسي ليهتز الوتر


وقد أكون اليوم بدون أنفاس تلفظني الرياح

وتأبى أن تحفظني حتى أوراق الشجر

فحقيقتنا قد أضحت بدون كلِمات أو تساؤلات

فالجوابُ هاربٌ والقلمُ مكسور وكل شيء بلا أثر


لعلّنا نغفو على بساطِ الأحلام بلا جدران تحفظنا

لِتحملنا الأعاصير وتذرونا الرياح كأننا بِغيرِ البَشر

وقد نهيمُ بأنفُسَنا في شتاتٍ نبحثُ عن بعضنا

غفت الروح وتناثرت مفاصِلُنا حتى سنين العمر


         .. علي حسن ..



عاشقة الخيل بقلم منى إلبروس

 عاشقة الخيل

وأكون في وجل الهوى بهواكا 

وحنين  ليل قد  سجى  للقاكا 


لا الشوق يدني بعدكم في حرقة

مثل  اللظى بمهب ريح جفاكا 


فتوقد  الأشلاء   مني   غيلة 

وبكومة  الأحجار جمر شتاكا 


وحنين  اشواقي  إليك  فرات 

بشفاه  ضمآن  لشهد   شفاكا 


أوليس في مهج الطيور من الحصى

ياليتني كنت الحصى بثراكا 


يا جنة  شوقي  إليك معمر 

ويكون في ألق الزمان شذاكا 


منى إلبروس



عيد الاستقلال. بقلم أيمن حسن محمد

 عيد الاستقلال.                         بقلم أيمن حسن محمد

كان أبو محمد يخرج كل صباح إلى أرضه، عاصبًا رأسه بقطعة قماش، يحمل منجله، ويقضي نهاره بين الأعشاب والأشجار؛ يزيل ما يضرّها، ويقلّم أغصانها، ويحرث الأرض.

كانت تجاعيد وجهه تحكي قصص السنين، وكانت يداه المتشققتان تحكيان قصة حب طويلة مع شجرة زيتون أو رمان أو تين أو تفاح. كان يشعر أن كل شجرة زرعها واحدة من أولاده، لذلك كان يغضب إذا قطف أحد أحفاده ثمرة قبل أوانها.

وكان يقول دائمًا:

— العمل عبادة.

كان أبو محمد صاحب أدب وعلم، لكنه كان يكره العصبية بكل أشكالها.

في أحد الأيام عاد إلى البيت بعد يوم شاق، فإذا بابنه محمد يسب ويشتم ويلعن هذا ويقدح ذاك.

نظر إليه أبو محمد، وظل يهز رأسه قليلًا، ثم قال:

— لماذا تسب وتشتم يا محمد؟

قال محمد غاضبًا:

— لأنهم يلعنوننا يا أبي! والله لن أسكت. كما يسبوننا سنسبهم.

وضع أبو محمد منجله في سلة القش وقال ببرود:

— بس مين الحمار؟ أنت ولا هم؟

غضب محمد:

— يعني أدعهم يسبونني؟

— لا. بس أنت لا تشتم ولا تسب. ببساطة، لا تتواصل مع هكذا ناس.

صمت محمد، ولم يعجبه كلام أبيه.

وبعد قليل قال:

— أبي، غدًا عيد الاستقلال. ألا تذهب إلى الاحتفال؟ دبكات وخطابات...

ضحك أبو محمد:

— والله أنت لا يهمك الاستقلال، أنت ذاهب لترى البنات أو تمسك يد فتاتك أثناء الدبكة!

ضحك محمد وقال:

— أبي، لقد ذهب الاستعمار إلى غير رجعة.

نظر إليه أبو محمد وقال بهدوء:

— بعد الطعام سأقول لك لماذا نحن في احتلال أصعب من قبل.

نادى زوجته:

— أم محمد، ضعي لي كاسة شاي، وحبتين زيتون، وبيضتين مسلوقتين وبصلة... إني جائع.

أغلق محمد هاتفه ووضعه جانبًا، وبقي ينتظر.

أنهى أبو محمد طعامه، واستلقى على الأريكة، ثم أشعل لفافة تبغه.

قال محمد:

— أبي، لماذا تقول إن الاستعمار لم يذهب، وإننا لم نستقل؟

نظر إليه أبو محمد نظرة شفقة وقال:

— اجلس يا ولدي.

جلس محمد.

— ماذا تتابع يا بني على وسائل التواصل؟

— القنوات والصفحات الدينية.

— ولماذا؟

— لأننا مسلمون يا أبي، ويجب أن نعرف أمور الدين.

سكت أبو محمد لحظة، ثم قال:

— والذي كنت تشتمه، هل هو مسلم؟

ضحك محمد:

— نعم، لكنه من غير طائفتي.

ابتسم أبو محمد بسخرية:

— أحسنت! لقد صنعت خيرًا عظيمًا. هو قدح أمك، وأنت قدحت أمه. سب أختك، فسببت أخته. يا لها من أخلاق إسلامية رائعة!

ثم أخذ نفسًا من لفافته وقال:

— إي، يا هكذا دين... أو بلاه!

نظر محمد إلى أبيه ولم يعرف هل يضحك أم يغضب.

تابع أبو محمد:

— يا حيوان، هل فكرت يومًا لماذا كثرت القنوات الدينية؟

لم يجب محمد.

— صار لكل طائفة عشرات القنوات والصفحات، وكل واحد يقول: نحن الديانة السماوية الحق، والباقي وضع بشري. هذا ينكر نبيًا، وذاك يطعن في نبي، وهذا يسخر من فيلسوف ومفكر، وذاك ينتقدهم لأنهم يصلّون مسبلين أيديهم، وآخر ينتقدهم لأنهم يعقدونها.

ثم قال ساخرًا:

— انظر كيف يغنون في الكنيسة! القرآن محرّف! الإنجيل محرّف! التوراة لا وجود لها! وكل واحد منهم وحده يملك الحقيقة.

أخذ نفسًا من لفافته وقال:

— لقد أصبحنا يا ولدي قطيعًا... لا نفكر.

قاطعه محمد:

— يعني يا أبي أننا لسنا على الحق؟

نظر أبو محمد إليه وقال:

— لا يا بني، نحن لسنا على حق.

صُدم محمد:

— أبي! ماذا تقول؟ وهذه الطقوس والصلوات التي نقيمها؟ ما هي؟ أليست حقًا؟

أخذ أبو محمد رشفة من الشاي وقال:

— ليس كما فهمت يا غبي! نعم، الصلاة حق، والطقوس حق إذا كانت تشير إلى إله واحد. لكن المشكلة ليست هنا.

سكت قليلًا، ثم سأل:

— قل لي يا ولدي، لماذا الغرب متقدم علينا؟

أجاب محمد:

— كله من علومنا.

— طيب، ولماذا لم نتقدم نحن؟ ولماذا ما زلنا نتابع القنوات المتعصبة؟

لم يجد محمد جوابًا.

قال أبو محمد:

— لأنهم أعطوا العقل مكانه. انظر كيف يستقطبون العلماء والمفكرين والأدباء والمخترعين، ويفتحون لهم أبواب العلم والعمل.

قال محمد:

— أكيد يستقطبون رجال الدين أيضًا.

ضحك أبو محمد:

— حسنًا يا ولدي، ماذا يستفيدون منهم؟

فكر محمد قليلًا:

— لا أعرف.

— إذا كان رجل الدين عالمًا أو فيلسوفًا، فمرحبًا به. أما غير ذلك، فيتركون له قناته وصفحته حتى يحشو رأسك تبنًا!

ابتسم محمد رغمًا عنه.

تابع أبو محمد:

— ألا تتساءل يا بني لماذا عندهم الحرية الإنسانية، والتطور، والعلم، ثم نقول عنهم: بلاد الكفار؟

سكت قليلًا، ثم قال:

— أتدري أنهم ربما يقدّسون الصلاة أكثر منا؟

تعجب محمد:

— كيف؟

قال أبو محمد:

— لأنهم يصلّون بالعلم. هذا بالفيزياء، وهذا بالرياضيات، وهذا بالفلسفة، وهذا بالكيمياء، وذاك بالاختراع. كل واحد منهم يبحث ويتعلم ويكتشف. لكننا لا نفهم تسبيحهم.

ساد الصمت في الغرفة.

أطفأ أبو محمد لفافة تبغه، ثم قال:

— اذهب ونم يا ولدي. غدًا عيد الاستقلال.

نهض محمد واتجه نحو الباب.

ناداه أبوه:

— ألا تذهب إلى الاحتفال؟

توقف محمد، ثم التفت إليه.

— لن أذهب يا أبي.

تعجب أبو محمد:

— ولماذا؟

ابتسم محمد وقال:

— حتى يتحرر عقلي ويستقل.

نظر أبو محمد إليه طويلًا، ثم ابتسم.

وقال:

— الآن فقط فهمت معنى الاستقلال.