الاثنين، 16 يناير 2023

الحصان الجريح/جمال الطرودي تونس/مؤسسة الوجدان الثقافية

 


*الحصان الجريح*

الطريق إلى مدينتي لا ينتهي بعد كل منعرج يبدأ درب جديد. و خلف الهضبة يلوح أفق بعيد. بعد الجسر الخشبي جسر حديد. بعده الجسر الفضي و بعده الجسر النحاسي بعدها جميعا الجسر الذهبي . هو ليس آخر جسر. مازالت بعده جسور و منعرجات و وهاد و مرتفعات.
و تتسارع السيارات، قبل المنحنى الأخير، ثم تتوقف عند البوابات.
أنتظر بشوق ارتفاع الحاجز والدخول إلى مدينتي الشقيّة.
أدوس على البنزين و أسابق السيارات كي لا يعضّني الضوء الأحمر و يؤخّر موعدا لي مع مومس في الشوارع الخلفيّة في مدينتي الشقيّة .
أقصد الشارع الكبير في قلب مدينتي لأشتري لها هدية. احتراما لها كامرأة فالمرأة تميل إلى من يقدّم لها هديّة. غصت في سيل من السيارات حوله يتلاطم بحر من الجماهير في هذا الشارع الكبير. لم أجد مكانا للتوقّف.
تسير سيارتي ببطء أبطأ من سلحفاة. أشاهد امام المسرح الكبير الغواني، على بساط أحمر، وهنّ يستعرضن آخر صيحات الفساتين و الحمّالات.
كلّ شيء في هذا الشارع كبير. حتى الغضب فيه كبير.
كنت أتقدّم بضع سنتيمترات و أتوقّف، في هذا الشارع، بين الجموع الغاضبة المحتشدة امام البناية الرّمادية. لقد كنت أرى، و انا أشقّ الطريق بعناء كي لا يصطدم بي أحد من الغاضبين، أقصر شارع و أضيق زقاق في المدينة الخلفية هو أطول و أوسع عندي من هذا الشارع الكبير. رغم أنّ أزقّة المدينة الخلفيّة ضيّقة مظلمة حتى في النهار، لكنها في الليل تضيء بفوانيس اللّذّة و مصابيح السيارات التي كانت في النهار تجوب الشارع الكبير.
بعد الثامنة ليلا تقفر الأزقة و الساحات في هذه المدينة الشقية و لا تنام.
جحافل القطط و الكلاب تقلّب النفايات علّها تفوز ببقايا طعام انزلق من بين أصابع أطفال الشوارع يتعاركون على الحاويات.
عندما يخفت ضجيج السيارات تتسرّب من بين شقوق الجدران الآهات وشقشقات الكؤوس تتقارع في البارات.
حصان أبيض يركض في الشارع الكبير . يترك خلفه بقعا من الدم . حصان جريح يعدو لا يعترف بالأضواء خضراء، برتقالية و بالخطوط الحمراء. يتلاشى بين حشود الشارع الكبير ثم يغيب و تتواصل أصوات وقع حوافره على الاسفلت تردّدها الشرفات.
تظهر صورة الحصان الجريح على معلّقة تهيمن على الشارع الكبير عند واجهة قاعة السينما الوردية.
حصان يركبه البطل . دوره على الشاشة أن يؤجّر ظهره للامتطاء. هكذا يريد المخرج لأنّ الجمهور يريد. قوائمه قوائم حصان و ذيله ذيل حصان و رأسه رأس حصان إذن لا يكون غير حصان يركب ظهره البطل. البطل يركب حصانا!
مع أن قوائمه قوائم حصان و ذيله ذيل حصان و رأسه رأس حصان فمن قال انّه فعلا حصان؟ لأن الجماهير سمّته حصانا إذن هو حصان. لن يبقى طوال عمره حصانا. ابدا لن يكون بعد اليوم حصانا! لماذا لا يمشي البطل على قدميه مادامت له اقدام؟ أسقط راكبه و فرّ من الشاشة. أطلق عليه المتفرّجون النار!.
حتى الجماهير خارج قاعة السينما لا ترضى أن يكون غير حصان. التهمته الحشود الغاضبة في جادّة الشارع الكبير، نيّئا. اختفى الحصان و ابتلعه ظلام البطون الجائعة التي لم تعرف طعم اللحم في ظلام الشوارع الخلفية، لكنّ صدى صهيله لم ينقطع. لازال ينعكس على حيطان العمارات الملساء في هذا الفراغ الكبير عندما يحلّ المساء.
قطّع صبيّ الإعلانات لافتة الحصان و علّق عوضا عنها لافتة امرأة صهباء. شعرها كشعر المومس التي تنتظر في الشوارع الخلفية. نهداها كنهديها. عيناها كعينيها. حتى الأفخاذ كفخذيها. بالضبط تحت الردف الأيسر وشم كوشمها و على خصرها وسم كوسمها.
لا يمكن أن تكون هي! فمومسات الشوارع الخلفية ممنوع عليهن دخول الشارع الكبير . عند المداخل يقف الحراس ليمنعوا ساكنات الشوارع الخلفية من تدنيس الشارع الكبير.
أبحث عن موقف للسيارة فلا أجد مكانا. أصطدم عمدا بعمود الإشارات فيوقف الشرطي حركة المرور و تشقّ سيارة الاسعاف الصفوف. و يحملوني على حمّالة بيضاء تناثرت عليها نقط حمراء. مغمى عليّ كذئب جريح وقع في فخّ. يتماوت ينظر من بين الرموش ينتظر الفرصة ليذوب بين المتطفّلين.
سحقا لسيارتي وسحقا للأعمدة التى تتحكّم في حركة حرّيّة التنقّل! سحقا لهذا الشارع حيثما التفت لا أرى سوى ممنوع! ممنوع السير على الاسفلت. ممنوع الوقوف و التوقف. ممنوع الجلوس على الرصيف. ممنوع تبادل القبل!
مازالت تذكرة واحدة في شباك التذاكر و الصف طويل. لا بدّ أن أحضر العرض الافتتاحي لفيلم عارضة الملابس الشفافة في الشارع الكبير، الشبيهة بمومس الشوارع الخلفية.
أصيح "ها هي بطلتكم تنزل من السيارة امام قاعة السينما!" فيهرع الجميع، ليظفر بنظرة اليها أو لفتة منها او ربّما ابتسامة قد تكرمه فيأخذ اوتوغراف . أقتطع آخر تذكرة و أهرع إلى باب الدخول و السّبّ و البصاق خلفي يلعنون هذا النذل الذي سرق الدور الاخير. إذا لم تأخذ الدور الاول اسرق حتى الدور الاخير و لا تكن كومبارس ممنوع عنك الكلام.
تمدّ مرشدة الكراسي يدا فارغة و يدا تمسك بها التذكرة. أنقدها دينارا. تنظر إليه شزرا. ألقي إليها بورقة. لقد مضى العهد الذي كنت أقضّي فيه أمسية بدينار، في شارع دينار . هو شارع من الشوارع الخلفية فيه غرفة تسكن فيها مومس أجمل من بطلة هذا الفيلم. فتقودني إلى مجلس ممتاز امام الشاشة. أركّز على أسفل ظهرها و هي تعود إلى الباب لاصطياد مغفّل شبقيّ آخر. أردافها كأرداف مرشدة الكراسي و أكبر من أرداف بطلة الفيلم. كأنها تعلم أنّني أتابعها ،توزوز أليتيها كتسبقة قبل انطفأء الأضواء، هكذا كانت توزوز عجيزتها المومس في الشوارع الخلفية.
يعمّ الظلام المكان و يسود السكون و تشرئب الأعناق إلى الشاشة الكبيرة في القاعة الكبيرة في الشارع الكبير في مدينتي الكبيرة. يضيء مصباح أحمر، يظهر شبح ممدّد على سرير تتمدّد حذوه شبحة رمادية ثمّ يتحوّل الضوء شيئا فشيئا إلى الأبيض فيسطع و تظهر الملامح. إنّها هي!
لكن الشبح يعطي بظهره. تمنّيت لو كان بإمكاني الذهاب وراء الشاشة لأكشف وجهه. الساقطة! كأنّ المخرجة تتلاعب بي. في كلّ مرّة يواجه فيها الشبح المتفرّجين ينقلب الضوء إلى أحمر فتغيب الملامح و تتشوّه الصور. لقد عرفتها! هي مومس الشوارع الخلفية . فهذه غرفتها و هذه، ايضا، نفس الأغنية. العاهرة! لقد جعلت من اللقاء فيلما! كانت تصوّر زبائنها. لقد أخرجت من المقاطع المصوّرة فيلما. فيلم قتل جميع الفرسان في فيلم الحصان الجريح و مسحت ذكره من أذهان المتفرّجين. لقد حطّم أعلى الإيرادات في القاعة الكبيرة في الشارع الكبير في المدينة الكبيرة.
لقد أدركت أن زمن الفرسان قد مضى و أن عهد الفروسية قد انقضى منذ أسقط الحصان البطل و فرّ و التهمته الغوغاء نيئا. ما عاد هناك أحد يصدّق حكايات البطولات. حكاية بطل خارق يأتي على حصان مجنّح ليخلّص المدينة الشقيّة.
ليس أنجح من حكاية امرأة منبوذة في الشوارع المنسيّة، باعت التفاهات بأثمان خياليّة. فأصبحت الصحف تتبارى في عرض صورها في الصفحة الاولى و نشر اخبارها حتى الزائف منها. و تتسابق إلى اجراء لقاء معها، و هي تتمنّع . ترمق المصوّرين و الصحافيين بازدراء و هم محتشدين تحت شرفتها، من وراء ستائر نوافذ شقتها المطلّة على الشارع الكبير. الكثير منهم كانوا زبائن عندها. يسمعونها أقول الأوصاف و يلقون عليها أبشع الشتائم و هم في غرفتها المعتّمة. لقد تبدّلت المواقع في لعبة المدينة الشقيّة. ها هم قد صاروا تحتها!
مدينتي قدر يغلي كلّ من فيها في سقوط دائم و لا يبلغ القاع.
رسالة عاجلة! أفتح حسابي يغمر شاشة الجوّال بلاغ تطالبني فيه سلطات المدينة الشقية بتسديد الأضرار المترتّبة عن الحادث مع حجز السيارة و تهديدي بالاعتقال عند الامتناع عن الدفع.
أتسلّل إلى محطّة الحافلات القريبة من الشارع الكبير فألفيها محاصرة. يقف عند مداخلها زبانية لم أرهم من قبل بين حرّاس الشارع الكبير يتثبّتون في الهويّات و يرفسون من نسي بطاقته. و يلقون به في مركبة نصف ابيض و نصف أسود، قهوة شطار. أنسحب. لقد بدأ يعمّ الظلام و بدأت تتراكم سحب سوداء فوق الشارع الكبير . سحب تأتي من جميع جهات المدينة الشقية. سوف أتعرّض إلى الاعتقال لو ذهبت إلى فندق. و في الشوارع الخلفية لا أعرف سوى غرفة المومس الشقية. بطلة الفيلم و التي غادرتها إلى شقة في قلب الشارع الكبير.
لو بقيت في الخارج سوف أتعرّض إلى براكاج وربّما الى الاعتداء. عندما يحلّ الظلام يختلط الحلال بالحرام في هذه المدينة الشقيّة. لقد صرت المطلوب رقم واحد لدى سلطات مدينتي .
نشرات الأخبار تعلن عن محاولة تفجير بواسطة سيارة ملغومة اصطدمت بعمود التحكّم في حرّيّة التّنقّل. كانت تحمل في صندوقها مائة كيلوغرام من مادّة شديدة الانفجار و مناشير تدعو إلى قلب نظام السير في المدينة. و وضعوا جائزة على رأسي لمن يدلي بمعلومات تؤدّي إلى القبض عليّ.
لماذا كلّ هذا؟ فأنا على استعداد لتسليم نفسي و تسلّم الجائزة.
لقد تنكّرت لي مدينتي و أغمضت عيونها عن الأشقياء الذين يسحلونني الآن. لا يهمّ، لا يهمّ حتى وإن ألصقوا بي تهمة سرقة خزينة المدينة و زادوا عنها جميع التهم المسجّلة ضد مجهول. لا يهمّ، لايهمّ أن اكون أنا الشقيّ رقم واحد و يكونون هم الأبرياء.
من غيّر التهمة من مجرد حادث اصطدام بعمود عمدا الى تهمة إرهابية . فصرت مطاردا من الجميع، حتى نادل المقهى صار يتثبّت في وجه الزبون قبل تلبية طلبه و مقارنة وجهه بصورة لوجهي يخفيها في جيب مئزره.
أفتح قاعدة البيانات في الهاتف. هناك رقم لم أستعمله قطّ. طلبته.
ردّ صوت نسائي لا أعرفه. أعطيتها كلمة السرّ فطلبت منّي الانتظار.
مرّت دقائق كأنّها الدّهر ثمّ كلّمني صوت أعرفه. طلب منّي البقاء في مكاني. خفت . و تعاورتني الشكوك. ربّما تبلّغ عنّي. إنّها مومس. و لو سكنت في شقّة كبيرة في قلب الشارع الكبير في هذه المدينة الكبيرة ،لا تبقى سوى مومس. لكن ليس هناك غير الانتظار و لا بديل عندي غير الثقة بها. الهروب منها ، في هذه المدينة الشقية، فيه حتما هلاك . كنت كلّما أسمع صوت سيارة أهمّ بالفرار.
الى أين المفر؟ لا مناص من الفرار إلى الهاوية!
توقّفت سيارة نزلت منها سيّدة كأنها هي. اتّخذت مكانا مكشوفا كي ألحظها. تشجّعت غادرت مكمني في اتجاهها، متظاهرا بالهدوء أمشي بخطى موزونة كأنّه أحد يتوجّه إلى صديقة تنتظره على الرصيف.
شعرت بأقدام تلاحقني. أسرعت. فأسرعت. عدوت بدون إرادة منّي و ألقيت بنفسي في السيارة. انطلقت فورا. و لم أفق من فزعي إلّا عندما غادرت المصعد الذي انفتح مباشرة في قلب الشقة الكبيرة في قلب الشارع الكبير في قلب المدينة الكبيرة. حيث يدقّ قلبي باضطراب يريد أن يستوعب قلب الأحداث في قلب هذا الفضاء الكبير.
لم تصبّ نخبا و لم تنتظر مضيّفتي حتى يهدأ روعي وأفهم ما جرى في هذا اليوم العصيب. ماذا لو كانت سلسلة الأحداث تقود ،حتما، إلى هذا المكان و في هذا الزمان؟ و لولا ترابط حلقاتها ما كنت لأكون هنا مع مضيّفتي في قصر لم أرمثله حتى في الأحلام وفي هذا الوقت، حسب الموعد المضروب بينا مسبقا بالضبط!
خلعت مضيّفتي قبّعتها السوداء و خلعت نظّاراتها السوداء و معطفها الأسود حتى فستانها الأسود خلعته.
-هيت لك! لا تخف! لقد أطفأت الكاميرا.
-أنا جوعان!
- مازالت بقيّة شريحة من لحم الحصان الجريح في الثلاجة.
وضعت يدي في جيبي. أمسكت بالهدية. ضغطت عليها حتى كسّرتها و سال محتواها على ملابسي الداخلية مختلطا بدمي و غادرت الشقّة.
(جمال الطرودي تونس)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق