عهودٌ مِدادُها الهواء
لم تكن وعودًا ... كانت أنفاسًا صِيغَت على هيئة كلمات . كتبوها على صفحات الريح ، و علقوها على أسلاك المسافات ، فصدّقها القلب الأبله ، وظنّ أن الهواء يمكن أن يكون وطنًا .
قالوا ذات يوم : سنبقى ، مصرين على العهد و الوعد .
و ما كان البقاء إلا ظلا يمرّ على جدار شاحب ، ثم يتلاشى حين تغرب الشمس .
خلف الشاشات ، نحن لا نلتقي بأشخاص ، نلتقي بظلال تُحسنُ الكتابة المنمقة . يُتقنون من خلالها فنّ الاقتراب ، و يُتقنون أكثر فنّ الاختفاء .
يزرعون فيكِ حديقة كاملة من الكلام ، ثم يرحلون دون أن يسقوها ، تاركينكِ وحدكِ تحرسين ذبولها .
أين تذهب تلك الوعود ؟
لا تذهب إلى مكان ؛ و لا تموت ، بل تتحلل في الروح .
تستقرّ كغبار ناعم على أرصفة القلب ، فكلما مرّت نسمة ذكرى ، اختنقنا بها .
كيف تتقبل الروح قسوة الخذلان بلا صخب ؟
بصمت يليق بالمقام .
الروح لا تصرخ حين تُخذل ، بل تصمت صمتًا طويلًا ... كأنها تؤدي صلاة جنازة على شيء لم يولد بعد . السقوط الصاخب يُرى و يُسمع ارتداده ، أما السقوط الصامت فهو الذي يهدم الإنسان من الداخل ، لبنة لبنة ، دون أن يسمع أحد صوت الانهيار .
الحمد لله ، علّمتنا تلك التجربة أن بعض الأيدي خُلقت لتلوّح من بعيد لا لتُمسك بقبضتك كي لا تسقط ، و أن بعض الكلمات خُلقت لتُقال لا لتفي بما وعدت ، و أن من يغيب فجأةً ، لم يكن حاضرًا يومًا .
نحن لا نحزن على رحيلهم ، نحن نحزن على تلك النسخة الساذجة الغبية البلهاء منّا التي صدّقتهم بكل جوارحها ، تلك التي كانت تظن أن كل من قال "أنا معكِ" سيبقى إلى الأبد .
فيا أيتها الروح المُتعبة ، لا تبحثي عن عزاء عند من أفسده الغياب ، بل ابحثي عنه في نفسكِ حين تنهضين ، فأعظم انتقامٍ للخذلان ، أن تبقي نقيّةً رغم اتساخ الوعود و بشاعتها ، و أن تظلي قادرة على الحب ، رغم أن أول دروسه كان خيبة .
السقوط إلى الأعلى أكبر انتصار ...
بقلمي الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس 🇹🇳

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق