حين يصبح الغياب..وطنا..!
مذ رحل ابني إلى الماوراء،إلى حيث نهر الأبدية، وحيث لا مواعيد للفراق ولا أبواب للعودة،وأنا أقاوم الغربة والاغتراب،وأحظّ الغراب الذي حطّ على شجرة العمر،ثم مضى تاركا في القلب عشا من الحزن لا يغادره.!
رحل غسان،ولم ترحل معه صورته من ذاكرتي،ولا صوته من أعماقي،ولا ذلك الجزء من روحي الذي كان يسكنه.
منذ غيابه،تغيّر معنى الأشياء،صار الفرح خجولا، والضحكة ناقصة،والأيام تمضي كأنها تعرف أنها تعبر فوق جرح مفتوح.!
ولست أبحث عن صبر يطلب مني أن أنسى، فالآباء لا ينسون أبناءهم.إنما أحاول أن أتعلم كيف أحمل هذا الوجع دون أن يسحقني،وكيف أحوّل الغياب إلى حضور،والدمعة إلى كلمة،والحنين إلى أثر يبقى.
ولعل أصدق ما قيل لي في هذا الخريف الحزين، ما كتبه المبدع التطاويني والكاتب السامق المقيم بفرنسا فتحي فرهود،حين قال "إن الصبر ليس انتظارا لزوال الحزن،وإنما مرافقة له بكرامة وحمله بحكمة.."
وهي كلمات لم تكن مجرد مواساة عابرة،بل كانت اقترابا نبيلا من جرح أب فقد فلذة كبده،وإدراكا عميقا بأن بعض الأحزان لا تُشفى،وإنما نتعلم كيف نحيا إلى جوارها.!
ومن هذا المقام الحزين،أرفع تحية تليق بالكاتب التطاويني السامق فتحي فرهود،وأحيي فيه هذا التعاطف النبيل مع مصابي الجلل،وهذه المروءة الإنسانية الصادقة التي جعلت كلماته تلامس جرحا لا تبلغه الكلمات عادة.له مني عميق الامتنان،وصادق التقدير،وكل التحية والوفاء.
رحم الله غسان،وجعل مقامه نورا وسلاما،وجعله لي ذُخرا حين تنقطع كل الذخائر،وجمعني به يوما في مكان لا يعرف الفقد،ولا تسكنه الغربة،ولا يصل إليه الغراب..
بعض الأبناء يرحلون عن أعيننا،لكنهم لا يرحلون عن أرواحنا،يتركون أجسادهم للتراب،ويأخذون مكانهم الأبدي في القلب..وهناك،لا موت للذين نحبهم..
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق