الجمعة، 18 سبتمبر 2026

الضمير والإنسانية تحت المجهر الأدبي بقلم الكاتبة هالة بن عامر تونس

 الضمير والإنسانية تحت المجهر الأدبي

حين يُترك الإنسان لحظةً بلا جمهور، تتبدّل هندسة الأشياء من حوله؛ يصبح القرار أثقل من حجمه، وتغدو التفاتةٌ عابرة قادرةً على كشف ما عجزت سنواتٌ من الكلام عن إخفائه. هناك، في تلك المنطقة التي لا يصل إليها تصفيقٌ ولا عتاب، يبدأ الضمير عمله.

ليس الضمير صوتًا بالمعنى الذي نعرفه، بل أثرٌ دقيق يغيّر شكل الأشياء في داخلنا؛ قد يجعل كلمةً عاديةً تستقرّ في النفس كحصاة، وقد يحوّل فعلًا صغيرًا إلى علامةٍ لا تمّحي. إنّه أشبه بإبرةٍ رفيعة تمرّ في نسيج الروح؛ لا تُحدث ضجيجًا، لكنّها تترك خيطًا يصل ما فعلناه بما صرنا عليه.

أما الإنسانية، فلا أظنّها تُقاس بعدد المرّات التي تحدّثنا فيها عنها، بل بما يحدث فينا حين نصادف ضعفًا لا يمنحنا مصلحة، أو ظلمًا لا يهدّدنا، أو وجعًا يستطيع العالم كلّه أن يتجاهله دون أن يعاقبه أحد.

فقد يكون المرء لطيف العبارة، مهذّب الحضور، واسع المعرفة، ثم يعبر بجوار إنسانٍ منكسر كما تعبر الريح فوق نافذةٍ مغلقة؛ لا تتوقف، ولا تسأل عمّا وراء الزجاج. وقد يكون آخر قليل الكلام، لا يجيد صناعة الصورة عن نفسه، لكنه يترك في موضعٍ ما قدرًا من الرحمة يكفي كي لا يشعر أحدهم أنّ العالم قد ضاق إلى هذا الحد.

هنا يصبح الضمير أكثر تعقيدًا من مجرّد ميزانٍ بين الصواب والخطأ؛ إنّه ذاكرةٌ أخلاقية تحفظ التفاصيل التي نحاول اختصارها. يحتفظ بنبرةٍ أوجعت، وبيدٍ امتدّت متأخرة، وبحقٍّ عرفناه ثم اخترنا الصمت عنه، وبإنسانٍ كان يحتاج إلينا في اللحظة التي اخترنا فيها أن نكون مشغولين عنه.

والأغرب أنّ الإنسان يستطيع أن يجد لكل شيء تفسيرًا يريحه. يستطيع أن يمنح قسوته اسمًا آخر، وأن يضع لامبالاته في ثوب الحكمة، وأن يسمّي انسحابه من وجع الآخرين «حفاظًا على السلام». وهكذا لا يبدأ فساد الداخل بضربةٍ واحدة؛ يبدأ غالبًا بتغيير أسماء الأشياء، حتى يصبح الخطأ قابلًا للسكن.

ربما لهذا لا تكشف المواقف الإنسان دفعةً واحدة؛ إنّها تفكّكه ببطء. موقفٌ يزيح طبقة، وآخر يكشف شقًّا، وثالث يترك الضوء يتسرّب إلى مكانٍ كان صاحبه يظنّه محكم الإغلاق. وحين تكتمل الصورة، لا يكون السؤال عمّا قاله الإنسان عن نفسه، بل عمّا بقي منه حين تعارضت مصلحته مع إنسانيته.

فالرحمة، مثلًا، ليست انفعالًا عابرًا أمام مشهدٍ مؤلم؛ قد تكون امتناعًا عن كلمةٍ نعرف أنّها ستكسر شخصًا، أو عدولًا عن استغلال نقطة ضعف، أو حفاظًا على كرامة إنسانٍ لن يعرف أبدًا أننا حفظناها له. بعض أجمل الأفعال لا تصلح للعرض؛ لأنّ قيمتها تبدأ تحديدًا من كونها لم تبحث عن شاهد.

ولعلّ أكثر ما يختبر إنسانيتنا هو قدرتنا على التعامل مع من لا يستطيع ردّ الجميل. هناك فقط تنفصل الأخلاق عن الحساب، ويتحوّل الفعل من صفقةٍ مؤجّلة إلى اختيارٍ خالص. عندها نعرف إن كنّا نمنح لأنّ في المنح صورةً نحبّ أن نراها عن أنفسنا، أم لأنّ ألم الآخر كان كافيًا كي يدفعنا إلى الحركة.

وتحت هذا المجهر لا ينجو أحدٌ تمامًا من السؤال؛ لا المثقّف بمعرفته، ولا صاحب المواعظ بكلامه، ولا من أتقن تقديم نفسه في هيئة الإنسان الكامل. فالمعرفة قد توسّع العقل دون أن تهذّب اليد، والكلمات قد تلمّع الواجهة، بينما يظلّ الداخل محتفظًا بظلاله القديمة.

لذلك، ربما لا تكون الإنسانية صفةً نمتلكها، بقدر ما هي امتحانٌ متجدّد نخوضه في تفاصيل لا تبدو مهمّة. في طريقة اختلافنا، وفي قدرتنا على الاعتذار، وفي حدود ما نسمح لأنفسنا أن نفعله بالآخر حين نضمن أنّه لن يردّ علينا.

ويبقى الضمير، في نهاية الأمر، ذلك الجزء الذي يصعب إسكاته بالمنطق؛ لأنّه لا يناقش حججنا، بل يتذكّر ما حاولنا نحن أن نعيد صياغته.

وحين يقف الإنسان أمام نفسه بلا زينةٍ لغوية، قد يكتشف أنّ أصعب سؤال لم يكن يومًا: ماذا فعلت؟

بل: أيّ نسخةٍ من الإنسان صنعتها أفعالك، وأنت تظنّ أنّك تغيّر الآخرين؟


هالة بن عامر تونس



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق