الحرمان ...
ما أقسى الحرمان حين يكون في
قلب يرى ما لا يطول وينكسر
يمشي وفي عينيه ألف حكاية
ويظلّ يسأل أين ضاع به الأثر ؟
ويعود من أبواب أحلام بها
طرق الرجاء فكان آخرها حجر
ما كان ينقصه سوى قلب
يقول له أنا باق فلا تخف السّفر
لكنّه وجد الطريق موحشا
والليل أطول من خطاه ومن صبر
فأقام بين جوانحه
وطن من الذكرى ونافذة على زمن غبر
يضحك كي لا يفضح الأسى ملامحه
ويقول بخير ثم يختبئ الألم
ويضمّ في صدره الكلام كأنّه
سرّ يخاف عليه حتى من فم
يا حرمان كم علّمتنا
أنّ الذين نحبّهم قد يصبحون لنا حلم
وأنّ أقسى ما يعذّبنا هو
شيء تمنّيناه ثم مضى ولم يكتمل
كم مرّة قلنا سيأتي موعد
فتأخّر الموعد واستحيا الأمل
وكم احتفظنا برسالة لم ترسل
وبموعد لم يأت وباب لم يفتح
وباسم كلما ناديناه في سرّنا
ارتجّ في أعماقنا شيء ثم خمد
نحن الذين تعلّموا من صمتهم
أنّ السكوت أحيانا أبلغ من خطب
نمضي وفي أكتافنا
أحلام أعوام وأثقال التعب
نخفي انكسار الروح خلف ابتسامة
وكأننا ما ذقنا مرارة ما ذهب
يا أيّها الحرمان لست نهايتنا
فالجرح مهما طال ينبت من صمته شجر
والقلب الذي أكلته أيدي الأسى
قد يستعيد من الرماد له البصر
سنظلّ نحمل ما فقدنا دون أن
نجعل من الفقدان قبرا للعمر
فربّما بعض الحرمان رسالة
تأتي متأخرة لتمنحنا الخبر
أنّ الذي لم نستطع أن نمتلكه
لم يكن دائما يستحقّ منّا كلّ هذا الانكسار
وأنّ بعض الأبواب حين تغلق في
وجه الخطى تفتح للروح ألف ممر
وأنّ ربّك حين يمنع نعمة
قد يستبدل المنع بالمعنى الأجمل والأكبر
فانهض وإن بقي الحنين بمهجتك
وامسح على قلبك الذي أنهكه السفر
لا تجعل الحرمان يسرق ما تبقّى
منك ولا تجعل من الماضي قدر
فالحياة ليست ما فقدت وإنّما
ما سوف تصنع من بقاياك التي لم تنكسر
وسيأتي يوم وتدرك أنّ ما
أبكاك يوما كان أوّل ما صنع الظّفر ...
بقلم : معز ماني . تونس .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق