هل يمكن تحويل العدالة المظلومة إلى أداة لمعاقبة البريء؟
قراءة في قصة «البريء المذنب» للكاتب يوسف خليل
بقلم: ناصر صالح
الجزء الثاني
إن قصة «البريء المذنب»، التي تقوم على المفارقة والسخرية السوداء، تستند إلى فكرة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل في جوهرها سؤالاً أخلاقياً مهماً: كيف يمكن للعدالة، حين تُبنى على الشك والتسرع والبحث عن شخص ليكون كبش فداء لإغلاق قضية ما، أن تتحول من أداة لتحقيق العدالة المظلومة إلى أداة لمعاقبة البريء؟
ومن هذا المنظور، نجح الكاتب في اختيار عنوان ذي دلالة عميقة؛ فعبارة «البريء المذنب» تجمع بين معنيين متناقضين، الأمر الذي يجذب انتباه القارئ منذ البداية، ويكشف المفارقة التي تقوم عليها القصة. كما أن إدخال ثلاثة لصوص في مواجهة مع رجل آخر يفتح مجالاً واسعاً للمفارقة؛ لأن المذنبين أنفسهم يتحولون إلى قضاة أخلاقيين لرجلٍ جعلته اعترافاته، بحسب روايته، أكثر تورطاً في جرائم مخيفة ووحشية.
لكن قوة الفكرة لا تعني بالضرورة أن البناء الفني للقصة يمتلك المستوى نفسه من القوة.
أول ما يلفت الانتباه هو أن القصة تعتمد كثيراً على السرد المباشر؛ فهي تخبرنا بما حدث بدلاً من أن تجعلنا نشاهد الحدث على هيئة مشهد. وهذا يقلل أحياناً من التوتر الدرامي؛ لأن بعض المواقف التي كان يمكن أن تتحول إلى مشاهد حية مليئة بالحوار والحركة، جاءت على شكل أخبار متتابعة.
كما أن بعض التحولات في الأحداث تحدث بسرعة، ومن دون أن تُمهَّد لها بالقدر الكافي. فانتقال كريم من أزمة البحث عن اللص الهارب إلى التفكير في العثور على شخص آخر ووضعه مكانه، يحتاج إلى بناء نفسي أكثر قوة؛ لأن القرار ليس بسيطاً، بل إن الشخصية تنتقل من موقع الرجل الذي يحاول تنفيذ أمر الحاكم إلى شريك مباشر في ظلم إنسان بريء.
أما شخصية الحاكم فتحتاج أيضاً إلى بناء فني أعمق. فهو يظهر مصدراً للخوف والعقاب، لكن دوافعه الداخلية ليست واضحة بما يكفي. ولو منح الكاتب هذه الشخصية مساحة نفسية أعمق، لكان حضورها أكثر تأثيراً، ولكانت السلطة في القصة رمزاً لعدالة مشوهة، لا مجرد أداة لتحريك الأحداث.
وشخصيتا كريم وسالة من أكثر الشخصيات التي تفتح مجالاً للتفكير، لكن الحوار بينهما يحتاج إلى قدر من الاختزال والتعميق. فبعض العبارات تبدو مباشرة جداً، وتشرح للقارئ أشياء كان يمكن أن يفهمها من خلال السياق. فالقصة الأدبية القوية لا تقول كل شيء، بل تترك مساحة للقارئ كي يصل بنفسه إلى النتائج، ويحكم ويتساءل.
في المقابل، فإن دخول الرجل البريء إلى السجن يمثل نقطة التحول الأساسية في القصة، وهنا نجح الكاتب في خلق مفارقة لافتة؛ فاللصوص الذين ارتكبوا السرقة يشعرون بأن جرائمهم أقل من جريمة الرجل الذي دخل بينهم، ثم يتحولون فجأة إلى أصحاب موقف أخلاقي تجاهه. وهذه المفارقة واحدة من أجمل عناصر النص؛ لأنها تقلب الأدوار وتجبر القارئ على إعادة التفكير في معنى «الجريمة» و«البراءة».
لكن الاعتراف الطويل للرجل يحتاج إلى معالجة فنية أكثر ترابطاً. فالمشهد يحتوي على مادة درامية مؤثرة ومؤلمة جداً، إلا أن أسلوب السرد المباشر والمطوّل كان يمكن أن يختصر بعض التفاصيل، مع الحفاظ على جوهر المأساة، حتى يكون التأثير النفسي أقوى. ففي مثل هذه المواقف، قد يكون الإيحاء أكثر تأثيراً من الإطالة في الوصف.
وهكذا يتضح أن الكاتب يمتلك فكرة لديها القدرة على البناء والتطور، وأن المشكلة الأساسية ليست في جوهر القصة، وإنما في أسلوب الكتابة وتشكيل بعض أجزائها الأساسية. فالقصة تحتاج إلى مزيد من التمهيد والاستباق لبعض التحولات، وتعميق الشخصيات، وتقليل السرد ذي الطابع التقريري، حتى تتحول الفكرة الجيدة إلى عمل قصصي أكثر نضجاً وترابطاً.
ومن هنا تبدأ المرحلة الأهم من القراءة، وهي التوقف عند اللغة، والحوار، وترتيب الأحداث، والنهاية، والدلالات التي تحملها القصة، والتي تتجاوز حدود ظاهر الحكاية.
...........
البريء المذنب
قصة .. يوسف خليل
يُحكى أن ثلاثة لصوص ذهبوا إلى منزل رجل فقير، بعدما علموا أنه يخفي مبلغاً كبيراً من المال. وكان الرجل قد استلقى على سطح منزله هرباً من شدة الحر، فاستيقظ على أصواتهم وهم يتهامسون، وأدرك أن هناك أشخاصاً يحاولون الدخول إلى منزله.
وسرعان ما أدرك نيتهم السيئة، لذلك لم يصدر أي صوت حتى دخلوا إلى المنزل، ثم نزل عبر السلم وأغلق باب المنزل بقفل كبير، وبعدها ركض باتجاه حاكم المدينة ليقدم شكوى.
فأصدر الحاكم بسرعة أمراً بإلقاء القبض على الرجال الثلاثة ومعاقبتهم بالإعدام شنقاً بعد إثبات جريمتهم.
ومن طريقه استطاع أحد اللصوص أن يستغل فرصة ويهرب، وحاول رجال الشرطة كثيراً العثور عليه، بينما ذهب كريم لإبلاغ حاكم المدينة بالخبر.
— لا أستطيع أن أصدق مثل هذا! إما أن تعثر عليه، أو أنك ستكون مكانه!
ظل كريم يفكر، لكنه لم يصل إلى أي نتيجة واضحة. وفي تلك اللحظة جاء صديقه سالة وهمس في أذنه:
— من أجل من تهلك نفسك؟ كم سنة وأنت تتعب نفسك من أجل لص، وتدمر حياتك؟
— يا سالة، لقد تعبت ولم أعد أعرف ماذا أفعل.
— تعال معي. في هذه المدينة سنجد فريسة ما، ونضعها مكانه!
— وهل سينجح الأمر معنا؟
— ومن سيلاحقنا؟ لا أحد. اقتل واقطع، وفي النهاية نحن وحدنا!
— يا لك من أحمق! كيف خطرت لك هذه الفكرة؟
راحا يتجولان ويهدران الوقت، حتى عثرا في زاوية إحدى المقاهي على رجل أشعث، قد طال شعر لحيته، ويبدو أنه لم يأكل منذ أسبوع!
فقال سالة لكريم:
— يا مسكين، لقد وجدت لك فريسة جيدة. انظر، ها هو...
لم يعطوه ماءً، وقيدوا يديه وأرسلوه إلى السجن.
وصل الخبر إلى حاكم المدينة، ففرح كثيراً، وكافأ كريم مكافأة جيدة على هذه العملية.
وفي السجن، بدأ الرجل الذي اصطادوه واللصوص يتحدثون معاً. أخذ كل واحد منهم يروي حكايته، لأنهم كانوا قد فقدوا الأمل في الحياة، وكانوا على يقين بأنهم سيُعدمون في اليوم التالي. لذلك بدأوا يكشفون أسرار بعضهم لبعض، ويروون كيف عاشوا أيامهم السابقة.
وحين جاء الدور على البريء، لم يكن يريد الكلام. كان شديد الانزعاج ويشكو حظه العاثر، لكنهم لم يتركوه حتى جعلوه يتحدث.
— ماذا تريدون مني؟ أنا غارق في مصيبتي، وقد تركت نفسي، فلماذا لا تتركونني أنتم؟
— لن نتركك حتى تروي لنا قصتك، لأنك الآن أصبحت مثلنا: مجرماً!
— يا أخي، أنا غارق في مصيبتي لأنني كنت دائماً أشرب الخمر! زوجتي مليحة طردتني من البيت، ولذلك وقعت في هذه الورطة المفاجئة!
— يا أحمق، هذه مشكلتك الخاصة. حدثنا عن شيء مهم.
— حسناً، سأروي لكم شيئاً، ولكن هذه أول مرة أحكيه. أرجوكم لا تخبروا أحداً به!
— على الرحب والسعة، سنرويه بين الناس! يا رجل، غداً ستُشنق، فاحكِ!
— حسناً، حسناً، ولكن لا تقاطعوني.
في السنة الماضية، في تلك المدينة الواقعة على الجانب الآخر، كنت منهمكاً في صيد السمك على النهر. وفي أحد الأيام، وبينما كنت منهمكاً في عملي، كنت قد أمضيت عدة أيام لم أعد فيها إلى المنزل.
رأيت امرأة شابة وطفلاً يتجهان نحوي. كانت المرأة جميلة جداً، فأُعجبت بها، وسلمت عليها، فطلبت مني أن أنقذها من النهر وأن أوصلها إلى الضفة الأخرى حتى تذهب إلى بيت أبيها.
فوافقت، وركبا معي.
— لا بد أنك تشاجرت معها وطلبت منها مالاً قليلاً، أليس كذلك؟
— لا، ليس الأمر كذلك. في منتصف النهر، استدارت نحوي، وأعجبت بي، ولم أكن أعرف ماذا أفعل. توسلت إليها كثيراً، فهاجمتني وصرخت في وجهي.
قلت لها: أحبك وأريدك أن تمنحيني نفسك!
— يا رجل، ماذا تقول؟ أنا متزوج ولدي أطفال!
— أنا لا أعرف شيئاً من هذا، سأقتلك!
— اقتلني!
فأمسكت بالفتاة فوراً، ومن دون تردد، ورميتها بكل قوتي في النهر. وبعد محاولات كثيرة غرقت وماتت.
كانت المرأة تريد أن ترمي نفسها في النهر، لكنني منعتها، وكانت ترتجف وهي في الماء...
— والآن ماذا تقول؟ هل أنت راضٍ عما فعلت؟
— ماذا بوسعي أن أفعل؟ لا تلمني، اقتلني، فأنا لا أساوي أكثر من ابنتي!
— هاجمتها، لكنها لم تستسلم لي. حاولت كثيراً أن أقبلها، لكنني لم أستطع، فرمت نفسها في الماء، وأنتم افعلوا ما يحلو لكم، وداعاً لكم. ومنذ ذلك الوقت لم أرتكب مثل هذا الفعل، ولم أعد إلى ذلك المكان.
— أهلاً بك من جديد!
— أشهد أنك بريء، وأننا نحن المذنبون، والله! يا كريم، يا أبا الشلة، لقد عثرت على فريسة جيدة. نحن لم نقبض علينا إلا بسبب سرقة واحدة، ولم نفتح الخزنة حتى، ومع ذلك سنُشنق! فكم مرة ينبغي أن تُشنق أنت؟!
— والله، إنك تستحق أن تُشنق سبع مرات!
— لماذا يا أخي؟ ماذا فعلت أنا؟
سرعان ما انتشر هذا الخبر في السجن، ووصل إلى مسامع كريم أبي الشلة وصديقه سالة.
— سالة، إذن قد أحللت لك هذا الأمر، فما رأيك؟
— يا رجل، أولاً نشنقه، وماذا سيخسرنا الأمر؟ وبعدها نصبح موضع احترام الناس.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق