حين تصافح مشرط الجراح..مجد الكلمة
ليس كل نجاح علمي خبرا عابرا يستحق التهليل، فثمة إنجازات تختصر وراءها سنوات طويلة من الجد والمثابرة،وتروي سيرة إنسان اختار أن يجعل من العلم رسالة،ومن المهنة مسؤولية،ومن المعرفة جسرا يعبر به الآخرون نحو حياة أفضل.
ومن هذا الباب،يأتي تجديد جامعة جورج واشنطن الأمريكية الثقة بالأستاذ الدكتور عبدالله البشير، وإعادة تعيينه أستاذا للجراحة،باعتباره شهادة علمية جديدة على مسيرة جراح بارع استطاع أن يجمع بين دقة الممارسة الطبية وعمق التكوين الأكاديمي،وبين قاعات التعليم وميدان الجراحة، وبين المسؤولية المهنية والقيادة في قطاع الصحة والتعليم الطبي.
إن قيمة هذا التقدير لا تكمن في منصب أكاديمي جديد فحسب،وإنما في الدلالة التي يحملها: حين تفتح مؤسسة علمية عريقة أبوابها لكفاءة عربية، فإنها لا تحتفي بشخص واحد فقط،بل تحتفي بعلم تراكم،وتجربة نضجت،واسم عربي استطاع أن يحجز لنفسه مكانا في فضاء علمي عالمي لا تعترف فيه المؤسسات الكبرى إلا بالجدارة.
والأجمل من ذلك أن الدكتور عبدالله البشير يأتي من أسرة موسعة تبدو الكفاءة فيها وكأنها قدر جميل،تتجاور فيها المشارط مع الأقلام،والعلوم الطبية مع الشعر،والإنجاز المهني مع الحس الإنساني.
وفي مقدمة هذا الامتداد العائلي تبرز الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير،بما تمثله من حضور إبداعي وإنساني،لتؤكد هذه الأسرة الفذة أن الإنسان قد يرث من أسرته القيم والطموح،لكنه لا يصنع مجده إلا بما يضيفه هو إلى إرثها.
هكذا تبدو أسرة آل بشير،في صورتها الأوسع، وكأنها شجرة وارفة: أغصانها تتوزع بين العلم والأدب والإبداع،لكن جذورها واحدة،الإيمان بقيمة الإنسان،والانحياز إلى المعرفة،والحرص على أن يكون النجاح الفردي امتدادا لفضاء أرحب من العطاء.
وفي زمن أصبح فيه الوصول إلى القمة أسهل أحيانا من المحافظة عليها،يظل تجديد الثقة هو الامتحان الحقيقي.وما تجديد جامعة جورج واشنطن تعيين الدكتور عبدالله البشير إلا صفحة أخرى في سجل رجل لم يكتف بأن يكون جراحا ناجحا،بل اختار أن يظل تلميذا للعلم،ومعلما للأجيال،وسفيرا للكفاءة العربية حيث تكون المنافسة على أشدها.
وفي النهاية،ليست أجمل الشهادات تلك التي نكتبها نحن لمن يستحق،بل تلك التي تكتبها المؤسسات العلمية الكبرى بأفعالها ومواقفها. وهنيئا لآل بشير بهذه القامات التي تتوزع بين مشرط يداوي الجسد وقلم يداوي الروح،وهنيئا للدكتور عبدالله البشير بهذا التكريم المستحق، وللشاعرة الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير ولأسرتها الموسعة التي تثبت،مرة أخرى،أن بعض العائلات لا تورث أبناءها الأسماء فقط،بل تورثهم شرف السعي إلى المجد بالعلم والكلمة والعمل.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق