فلسفة السلام.. نحو عالم يرتكز على التعايش السلمي
د. سؤدد يوسف الحميري / العراق
(سفيرة السلام الدولي)
تُعد ثقافة السلام والتعايش السلمي الإنساني ضرورة وجودية ملحة من ضرورات الحياة التي تستند عليها الاستمرارية البشرية على وجه الأرض. في ظل عالم متسارع الخطى تتقاطع فيه المصالح وتتداخل الثقافات، لم يعد السلام مجرد غاية تحلم بها الشعوب، بل سفينة نجاة حقيقية تنقل المجتمعات من ويلات الحروب والصدامات والمخاطر المعنوية والمادية إلى بر الأمان والاستقرار. وهنا كان لابد من العروج على الجذور اللغوية للفظة السلام لمعرفة ماهيتها. السلام لغة مشتق من السَّلَامَة وهي النجاة والبرء من العيوب والآفات. والأمان والطمأنينة وزوال الخوف والشر. وفي المعنى الاصطلاحي ورد في العقيدة الإسلامية اسم من أسماء الله الحسنى "السلام" ومعناه المنزه عن كل نقص وعيب، والمُعطي للأمان لخلقه. اما في السلوك الاجتماعي فيراد به التحية الشرعية بين المسلمين (السلام عليكم)، ومعناها الدعاء بالسلامة والأمان. عموما السلام هو حالة من الاستقرار والصلح واختفاء النزاعات والحروب والعداوات. وردت لفظة "السلام" ومشتقاتها في القرآن الكريم في أكثر من 140 موضعاً ، ومن أبرز معانيها انها اسماً لله تعالى كما ذكرنا، قال تعالى: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ ﴾ [الحشر: 23]. ووصفت الجنة بـ(دار السلام)، قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [يونس: 25]. وجاءت في تحية الملائكة عند دخول الجنة، قال تعالى: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ [الرعد: 23-24. [ وقد حثّ رب العزة والسلام في محكم كتابه الكريم على السلم والصلح لحفظ دماء البشر واستقرار المجتمعات، حيث ورد لفظ "السِّلْم" أو "السَّلَم" بمعنى الصلح والمهادنة 6 مرات في مواضع الصلح وترك القتال .قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ [البقرة: 208]. إن بناء مجتمعات تسودها روح الوئام والأمان يتطلب منا ان نفكك مفاهيم التعصب، ونعيد بناء جسور التواصل الإنساني على أساس الاحترام المتبادل وقبول الاختلاف باعتباره مكملا لا عائقاً . إن الجوهر الحقيقي للسلام الإنساني لا ينفصل عن القيم الأخلاقية والروحية التي دعت إليها الرسالات السماوية كافة . وقد ابرز القرآن الكريم الغاية العليا للخلق والتنوع والتعابش الإنساني ؛ كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.[سورة الحجرات:13] وهي بذلك تنسف كل أشكال العصبية والتمييز العنصري من أساساتها، وتؤسس لفلسفة السلام القائمة على المساواة المطلقة في الإنسانية. وتتجلى التطبيقات العملية لثقافة السلام والتعايش الإنساني في السنة النبوية الشريفة، في أرقى صورها؛ حيث أرسى النبي (صلى الله عليه وسلم ) قواعد المجتمع المدني المتعدد في المدينة المنورة عبر "وثيقة المدينة"، التي ضمنت حماية حقوق الجميع بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية. كما حثّ النبي(صلى الله عليه وسلم) على إفشاء السلام كقيمة اجتماعية يومية تقرب القلوب وتزيل البغضاء، فقال في الحديث الشريف: "أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وكونوا عباد الله إخواناً".
أما في بطون كتب الادب و التراث العربي والحكمة الإنسانية، فطالما تغنى الشعراء والحكماء بقيم التآخي والمحبة. يقول الشاعر يقول زهير بنت أبي سلمى يمدح الساعين بالصلح وحقن الدماء:
يَمِينًا لَنِعْمَ السَّيِّدَانِ وُجِدْتُمَا ... عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ
تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَذُبْيَانَ بَعْدَمَا ... تَفَانَوْا وَدَقُّوا بَيْنَهُمْ عِطْرَ مَنْشِمِ
وَقَدْ قُلْتُمَا إِنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًا ... بِـمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ القَوْلِ نَسْلَمِ
وفي معرض التحذير من ويلات الحرب ودمارها ودعوة الناس للتعايش يقول:
وَمَا الحَرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ ... وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ
إِذَا تَبْعَثُوهَا تَبْعَثُوهَا ذَمِيمَةً ... وَتَضْرَ لَكُمْ إِذَا ضَرَّيْتُمُوهَا فَتَضْرَمِ
بينما سار الحكماء العرب قديماً وحديثاً على درب إعلاء شأن التاخي والمودة والرفق. وحسبنا في الحكمة العربية قولهم: "الناس صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"، وهي المقولة المنسوبة للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهي تختصر ببلاغة مذهلة أفق التعايش الواسع الذي يتجاوز افق الضيق العقائدي إلى سعة الرحابة الإنسانية الشاملة . اما على الصعيد الاجتماعي، فتتطلب ثقافة السلام والتعايش الإنساني آليات فاعلة للتربية والتعليم. تتحمل المدارس والجامعات ووسائل الإعلام المسؤولية الكبرى في غرس قيم الحوار وقبول الآخر في نفوس الأجيال الناشئة. فالطفل حين يتعلم منذ نعومة أظفاره كيف يستمع إلى الرأي المخالف له دون غضب، وكيف يناقش بالحجة والبرهان لا بالعنف والعدوان، فإنه سوف يتحول إلى لبنة صالحة في صرح السلام الإنساني العالمي.
إن التعايش السلمي لا يعني بالضرورة تطابق وجهات النظر و الأفكار، بقدر ما هو تدريب النفس على العيش المشترك بسلام مع من نختلف معهم في الدين أو اللون أو الفكر . فضلا عن ذلك، نجد للعدالة الاجتماعية والاقتصادية دورا أساسيا لاستقرار السلام. فالنزاعات والحروب غالباً ما تغذيها حالات الفقر، والتهميش، وغياب تكافؤ الفرص. فعندما يشعر الإنسان بالغربة والاضطهاد في وطنه وبين أبناء جلدته ، تتحول طاقاته إلى نقمة تطوع لخدمة التطرف والكراهية. لذا، فإن ترسيخ ثقافة السلام يستوجب التوزيع العادل للثروات، ومحاربة للظلم والاضطهاد بكل أشكالهما. ختاما نقول: يظل مصير البشرية مرتبطاً بقدرتنا على تجاوز التعصب والتطرف نحو التآخي والمودة ومن الأنانية الفردية والجماعية نحو الأخوة الإنسانية. فالعالم اليوم ليس بحاجة إلى المزيد من العنف والصراعات، بقدر ما محتاج إلى التآخي والرحمة، والقبول المتبادل، والوعي لتتجسد الإنسانية باسمى صورة ، وأن نستوعب ان تنوعنا هو مصدر قوة لا ضعف ، وان السلام الحقيقي ليس مجرد شعار نرفعه ليكون هدنة مؤقتة بين حروب، بل هو حالة وجدانية وعقلية تجعل من الإنسان أخاً للإنسان، في كل مكان وزمان ، وهنا تتجسد الإنسانية بأبهى صورها .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق