🌿 جواز سفر بلا أختام 🌿
جوازُ سفري بلا أختام،
تحمله الريحُ حيث تشاء.
توقّعه الغيوم،
وتختّمه الشمس بخطٍّ من ضوء.
أعبر القاراتِ كما تعبر الفكرة في رأس شاعر،
لا تسألني الجمارك عن موطني،
ولا تسألني الأرض عن لوني.
اسمي مكتوب على جبين التراب: إنسان.
في الصباح أكون في مراكش،
أشرب النور من عيون النخيل.
وفي المساء أصلي في دِلهي،
على سجادة من البهارات والدخان.
أتعلّم الصمت من معبد في نيبال،
وأتعطّر من وردة في طوكيو،
وأرقص على إيقاع الطبول في كينيا،
كأن القلب قارة لم تُكتشف بعد.
في باريس أفتح نافذتي،
فتدخل روما تبتسم،
وفي ريو دي جانيرو
أسمع الحلم يغني بلغات لا أعرفها،
لكنّي أفهمها جميعًا،
لأنها لغة القلب.
ثم أعود إلى فلسطين،
حيث الزيتون يرفع أغصانه صلاةً نحو السماء،
وحيث الأطفال يزرعون الأمل في الحجارة،
ويكتبون عليه اسم الوطن.
ومنها إلى سوريا،
دمشق تفوح بياسمين لا يشيخ،
وحكاياتها تسرُد التاريخ على ناي حزين.
وفي العراق،
تغني دجلة قصيدة قديمة،
كأن الطين فيها ذاكرة الإنسان،
وسومر تهمس:
"من هنا وُلد الحرف، ومن الحرف وُلد الوجع."
ثم أحط في أرض الكعبة،
حيث تذوب الجهات في نقطة من نور،
وحيث يلتقي الأبيض والأسمر والأصفر،
في طواف واحد،
ينادي باسم واحد: الله.
ومنها إلى طهران،
أشم في هوائها شعرًا يحترق كالزهر،
وفي العيون نار صبر لا تنطفئ.
ثم أُطل على لبنان،
سحر بين جبل وبحر،
نبيذ يروي القصائد،
وأرز يحرس الحلم القديم.
ومن بلاد الشام،
أجمع لهجات الود،
أصهرها في كلمة واحدة،
يفهمها الطير والموج والريح:
فطرة إنسان.
ثم أتابع رحلتي عبر القارات:
في إفريقيا،
ألوان الجلد تُعلّمني الدفء،
والطبول توقظ قلبي من سباته القديم.
في آسيا،
الزهور تعلم معنى الصبر،
والعيون المبتسمة،
أن التعب ليس نقيض الجمال.
في أوروبا،
أقرأ الفن على جدران المقاهي،
وأتعلم من الحجارة أن الجمال يُعاند النسيان.
وفي أمريكا،
أسمع الحلم يركض بين ناطحات السحاب،
يبحث عن نفسه في مرآة من زجاج.
ثم أقف على قمة الأرض،
أنظر من فوق كل الحدود،
فلا أرى خرائطًا ولا أسلاكًا،
بل وجوهًا تشبه وجهي،
تبتسم من كل الجهات.
وجوه عربية، هندية، فارسية، إفريقية،
كلها تتحد في لون واحد:
لون الفطرة حين لا يلوثها الانتماء.
أرفع جوازي نحو السماء،
وأهمس:
وطني الأرض،
ولغتي السلام،
وجوازي قلب بلا أختام.
لكنني أتساءل:
هل تلك الحقيقة التي نراها؟
أم سرنا في سرداب الأختام،
نظن أننا أحرار؟
ونحمل في أعماقنا جوازًا،
لم يُصدق عليه أحد؟
ربما الوطن حلم،
والأختام أوهام،
لكنّي سأظل أطوف،
ما دام في صدري نبض،
يقول:
أنا الإنسان،
ووطني الإنسان.-- بقلم خالد عجيبه

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق