الأحد، 20 سبتمبر 2026

عهودٌ مِدادُها الهواء بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس 🇹🇳

 عهودٌ مِدادُها الهواء

لم تكن وعودًا ... كانت أنفاسًا صِيغَت على هيئة كلمات . كتبوها على صفحات الريح ، و علقوها على أسلاك المسافات ، فصدّقها القلب الأبله ، وظنّ أن الهواء يمكن أن يكون وطنًا .

قالوا ذات يوم  : سنبقى ، مصرين على العهد و الوعد .

و ما كان البقاء إلا ظلا يمرّ على جدار شاحب ، ثم يتلاشى حين تغرب الشمس .

خلف الشاشات ، نحن لا نلتقي بأشخاص ، نلتقي بظلال تُحسنُ الكتابة المنمقة . يُتقنون من خلالها فنّ الاقتراب ، و يُتقنون أكثر فنّ الاختفاء .

يزرعون فيكِ حديقة كاملة من الكلام ، ثم يرحلون دون أن يسقوها ، تاركينكِ وحدكِ تحرسين ذبولها .

أين تذهب تلك الوعود ؟

لا تذهب إلى مكان ؛ و لا تموت ، بل تتحلل في الروح .

تستقرّ كغبار ناعم على أرصفة القلب ،  فكلما مرّت نسمة ذكرى ، اختنقنا بها .

كيف تتقبل الروح قسوة الخذلان بلا صخب ؟

بصمت يليق بالمقام .

الروح لا تصرخ حين تُخذل ، بل تصمت صمتًا طويلًا ... كأنها تؤدي صلاة جنازة على شيء لم يولد بعد . السقوط الصاخب يُرى و يُسمع ارتداده ، أما السقوط الصامت فهو الذي يهدم الإنسان من الداخل ، لبنة لبنة ، دون أن يسمع أحد صوت الانهيار .

الحمد لله ، علّمتنا تلك التجربة أن بعض الأيدي خُلقت لتلوّح من بعيد لا لتُمسك بقبضتك كي لا تسقط ، و أن بعض الكلمات خُلقت لتُقال لا لتفي بما وعدت ، و أن من يغيب فجأةً ، لم يكن حاضرًا يومًا .

نحن لا نحزن على رحيلهم ، نحن نحزن على تلك النسخة الساذجة الغبية البلهاء منّا التي صدّقتهم بكل جوارحها ،  تلك التي كانت تظن أن كل من قال "أنا معكِ" سيبقى إلى الأبد .

فيا أيتها الروح المُتعبة ، لا تبحثي عن عزاء عند من أفسده الغياب ، بل ابحثي عنه في نفسكِ حين تنهضين ، فأعظم انتقامٍ للخذلان ، أن تبقي نقيّةً رغم اتساخ الوعود و بشاعتها ، و أن تظلي قادرة على الحب ، رغم أن أول دروسه كان خيبة .

السقوط إلى الأعلى أكبر انتصار ...


بقلمي الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس 🇹🇳



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق