السبت، 7 نوفمبر 2026

قضايا إجتماعية : الظاهرة الإجتماعية : حين يمرض صُنّاع الثقافة أين يقف الوفاء ؟ الأستاذ عوض عبدالهادي الشاعري نموذجاً ، وغياب الحماية الصحية للكتّاب والأدباء قضية تستحق المواجهة . بقلم الكاتبة فريحه سليمان المريمي

 قضايا إجتماعية :

الظاهرة الإجتماعية : حين يمرض صُنّاع الثقافة أين يقف الوفاء ؟

الأستاذ عوض عبدالهادي الشاعري نموذجاً ، وغياب الحماية الصحية للكتّاب والأدباء قضية تستحق المواجهة .

بقلمي / فريحه سليمان المريمي

يمرّ إبن مدينة طبرق السلام الأستاذ الكاتب والصحفي عوض عبدالهادي الشاعري بوعكة صحية ألمّت بهِ ، دخل على إثرها مصحة دار الشفاء بمدينة بنغازي لإجراء عملية دقيقة على الدماغِ ، نسأل الله أن يمنّ عليه بالشفاءِ العاجلِ ، وأن يكلّل عمليته بالنجاحِ ، ويُعيده إلى أسرتهِ ومُحبيه ، وميادين الثقافة والأدب والصحافة مُعافى .

لكن ما يثير الأسى ، إلى جانبِ ألم المرض ، ليس الحالة الصحية وحدها ، بل ذلك الغياب الذي يلفّ المشهد الثقافي والإعلامي والأدبي ، وكأن الذاكرة الجماعية تنسى أحياناً أصحاب العطاء ، حين يصبحون هم في حاجة إلى السؤالِ ، والإهتمام والمُساندة .

فالأستاذ الشاعري لم يكْ مجرد كاتب أو صحفي مرّ عبر صفحات الصحف ومنابر الثقافة ، بل كان مَعِيناً من المعرفة والأدب ، ونهراً نهلنا منه في بدايات ولوجنا إلى مِحراب الثقافة والكتابة .

كان حضوره وعطاؤه يتجاوزان حدود المِهنة ، ويمتدان إلى دوائرِ المسؤولية التشريعية والتنفيذية والمجتمع بمختلفِ فئاتهِ ، مقدماً ما يستطيع من رأي ومشورة وخبرة وخدمة ، دون أن يكون عطاؤه دائماً في دائرةِ الضوءِ .

وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي أن نتجاوزه : أين نحن من الذين أسهموا في تشكيلِ وعينا الثقافي ، وفتحوا أمامنا أبواب المعرفة ، وساندوا تجاربنا الأولى؟ وهل يُختزل الوفاء في كلماتِ الإشادة التي تُكتب بعد الرحيل ، أم أنه موقف يُختبر في لحظاتِ المرضِ ، والضعف والحاجة ؟.

إن الوفاء ليس منشوراً عابراً ، ولا صورة تُلتقط في مناسبة ، ولا كلمات رثاء تُستدعى بعد فوات الأوان ، الوفاء أن نسأل ، وأن نطمئِن ، وأن نُساند ، وأن نشعر بأن الإنسان الذي أفنَى سنوات من عُمرهِ ، في خدمة الكلمةِ والمجتمع ليس وحيداً عندما يحتاج إلى مجتمعهِ .

لكن القضية أوسع من شخص الأستاذ عوض ، وأكبر من موقف عابر .

إنها قضية تتعلق بمصيرِ الكتّاب والأدباء والصحفيين والإعلاميين والشعراء والمُثقفين ، الذين قد يقضون أعمارهم في خدمةِ الوعي العام ، ثم يجدون أنفسهم أمام أعباء العلاج والمرض ، وتكاليف الرعاية الصحية دون مظلة مؤسسية تضمن لهم الحد الأدنى من الأمان .

لقد آن الأوان لأن ننتقل من ثقافةِ التكريمِ المعنوي إلى ثقافة الحقوق والضمانات ، ومن الإحتفاء بالمبدعِ في المُناسباتِ إلى حمايتهِ في مراحلِ حياتهِ المُختلفة .

نحتاج إلى تشريعِ وطنِي واضح ، يُؤسس لنظامِ تأمينِ صحي ، وإجتماعي مُستدام للكتّاب والأدباء والصحفيين والإعلاميين والمُبدعين ، وفق معايير مِهنية وموضوعية ، وبما يكفل لهم ولأسرهم الحماية الصحية والإجتماعية ، ويحفظ كرامتهم ، ويصون سنوات عطائِهم .

فليس من المقبول أن تظل حقوق أصحاب الكلمة رهينة المُبادرات الفردية ، أو إجتهادات الأصدقاء ، أو حملات التضامن التي لا تتحرك إلا عندما تقع الفاجعة .

إن المُبدع مُواطِن له حقوق ، وعطاؤه للمجتمعِ يستحق أن تقابله الدولة ومؤسساتها بضماناتِ حقيقيةِ ، لا بمجرد عبارات الإمتنان .

ولعل ما يمر به الأستاذ عوض اليوم جرس إنذار لنا جميعاً ، فهذه التجربة قد تتكرر مع غيره ، وقد يأتي يوم يجد فيه كل واحد منا نفسه في الموضعِ ذاتهِ ، يبحث عن يدٍ تمتد إليهِ ، وعن مُؤسسةٍ تتذكر أن وراء القلم إنساناً ، ووراء الكلمة عُمراً من الجهدِ ، ووراء العطاء أسرة لها حقوق وإحتياجات .

لسنا نطالب بإمتيازات إستثنائية ، بل بحقِ إنسانِي وإجتماعي أصيل : أن يجد الكاتب والصحفي والأديب الرعاية الصحية حين يحتاج إليها ، وأن لا يُترك وحيداً في مواجهةِ المرض لمجردِ أن ما يملكه هو قلمه وفكره وتاريخه .

ختاماً ، نسأل الله أن يمنّ على الأستاذ عوض عبدالهادي الشاعري بالشفاءِ العاجلِ ، وأن يجعل ما أصابه طهوراً وعافية ، وأن نكون على قدرِ الوفاءِ لمن علّمونا كيف نكتب ، وكيف نُفكر ، وكيف نحترم الكلمة .

فالثقافة ليست ما نكتبه عن المبدعين فحسب ، بل ما نفعله من أجلهم حين يحتاجٌون إلينا .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق