السبت، 7 نوفمبر 2026

من خلف شغاف القلب نشيج..في عتمات الدجى بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 من خلف شغاف القلب

نشيج..في عتمات الدجى


-إذا أردتَ ألا تخشى الموت،فإنّ عليك ألاّ تكفّ عن التفكير فيه" (snénèque)


تصدير :

ليس أشدّ على قلب الأب من أن يشيّع ابنه إلى مثواه الأخير،ثم يعود إلى البيت حاملا غيابه، باحثا في زوايا المكان عن ضحكة لن تتكرر، وخطوة لن تعود،وصوت كان يمنح الحياة معناها.


أنا متعب..لا يشبه تعبي تعب العابرين،ولا يشبه حزني ما تتركه الخيبات العابرة في النفوس.

 أنا متعب كزيتونة أحرقتها قسوة الصقيع، وكزهرة لوز باغتتها الفصول قبل أن تكتمل،وكعابر وحيد يمشي حافيا على دروب الذاكرة،مثقلا بما فقد،وما لم يعد ممكنا استعادته.

رحلت أمي،فغابت برحيلها حكاية العمر ودفء البدايات،وبقي طيفها مقيما في تفاصيل الأشياء، في رياح الجنوب،وفي المطر حين يلامس الأرض، وفي ذلك الحنين الذي لا يجد له مستقرا.ثم جاء رحيلك يا غسان،يا مهجة الروح،ليضيف إلى القلب وجعا لا يشبه سواه،وليجعلني أقف أمام الحياة عاريا من يقيني القديم،عاجزا حتى عن تسمية ما أشعر به.

غسان..

منذ غيابك وأنا أحاول أن أروّض اللغة،أن أستدرج الكلمات إلى مساحة هذا الفقد،لكنني أكتشف في كل مرة أن اللغة،مهما اتسعت،تضيق عن احتواء موت الابن.فما معنى أن أقول إنني مفجوع أو منكسر أو منكوب،بينما الحقيقة أعمق من كل هذه المفردات؟! 

الحقيقة أن فراغا هائلا استقر في داخلي،وأن جزءا مني مضى معك ولم يعد.

كيف يمكن لأب أن يتصالح مع غياب ابنه؟! وكيف يقنع قلبه بأن ذلك الشاب الذي كان بالأمس يملأ البيت حركة وضحكا وأملا،أصبح اليوم ذكرى نناجيها،وصورة نطيل النظر إليها،وحلما نبحث عنه في وجوه المارة..؟!

كنتَ غصنا من شجرة الروح،وكنتَ امتدادا لأحلام لم تكتمل،ونافذة مشرعة على مستقبل ظننته طويلا.لكن القدر كان له رأي آخر،فاقتلع الغصن قبل أن يبلغ مداه،وأطفأ شمعة في ربيع العمر، وترك أباك يواجه بقية الطريق وحيدا،يتكئ على ذاكرة لا ترحم.

ومنذ رحيلك،لم تعد الأماكن كما كانت.شارع طارق بن زياد الذي أحببته صار يحمل شيئا من صمتك، وأزقة الحي تستعيد وقع خطواتك،وتطاوين التي احتضنت طفولتك وشبابك تبدو لي أحيانا مدينة أخرى،مدينة تسكنها الذكريات وتطوف في سمائها أرواح الذين أحببناهم ولم نستطع الاحتفاظ بهم.

أبحث عنك في هديل الحمام الجنوبي،وفي نجمة تلمع فوق مقبرة تطاوين،وفي غيمة تعبر السماء نحو الجنوب.أحيانا يخيل إليّ أنك لم تغادر،وأنك فقط سبقتنا إلى مكان لا تصل إليه قسوة البشر، ولا تطاله خيبات الأرض.

لقد غيّر رحيلك أشياء كثيرة في داخلي.أعدت النظر في معنى الحياة،وفي حقيقة العلاقات،وفي قيمة ما نتشبث به من مظاهر ومكاسب.اكتشفت أن الإنسان قد يملك الكثير،لكنه يصبح فقيرا إلى حد العجز حين يفقد من كان يسكن قلبه.وأن بعض المصائب لا تعلّمنا كيف نكون أقوى،بل تكشف لنا مقدار هشاشتنا أمام أقدار لا نملك ردّها.

ومع ذلك،لا أريد أن يكون موتك خاتمة الحكاية. أريد أن تظل حاضرا بما كنت عليه من إنسانية وطيبة،وبما تركته في قلوب من عرفوك وأحبوك. أريد لاسمك أن يبقى مضيئا في ذاكرة أصدقائك وأبناء حيك،وأن تظل ابتسامتك شاهدة على أن الحياة،مهما قست،لا تستطيع أن تمحو أثر الأرواح النبيلة.

أما أنا،والدك الذي أنهكه الفقد،فسأواصل السير بما تبقى لي من قوة،أحمل صورتك في القلب، وأحرس ذكراك من النسيان.سأظل أكتب،لا لأن الكتابة قادرة على ردّ الغائبين،بل لأنها آخر ما أملكه لأقول لك إنك لم تغب عني يوما،وإن المسافة بيننا،مهما اتسعت،لن تنتزعك من مهجة روحي.

بعض الأبناء لا يرحلون من حياة آبائهم، بل يتحولون إلى وجع مقيم،وإلى ضوء خافت يرافقهم حتى آخر الطريق.وغسان ليس ابني الذي فقدته فحسب،إنه قطعة من روحي سبقتني إلى الغياب،وجرح سيظل مفتوحا ما بقي في القلب نبض،واسم سأحمله معي حتى آخر نفس.

وداعا يا توأم الروح..إلى أن يجمعنا الله في جنات الخلد،حيث لا فراق ولا وجع ولا دموع.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق