الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026

"رغيفٌ من جنّات الخلود" قصة قصيرة للكاتب علي البدر

 "رغيفٌ من جنّات الخلود"   قصة قصيرة

علي البدر


    كان يعيش على هامش الحياة، لا يملك من الدنيا سوى بيتٍ متواضع، وزوجةٍ تعرف كيف تُدبّر شؤون المطبخ، وحلمٍ صغير بأن يصبح يومًا من أصحاب الشأن. قال لزوجته يوما الم اقل لك بأن الظروف لا تسير دائما على مقاس أصحابها؟ ها أنا في منصب مرموق أُحسَدُ عليه، وعلمت ان أياما واعدة أخرى بانتظاري. 


    كان حريصًا على أداء صلاة الظهر في وقتها. يقف بين الموظفين، يرفع يديه بخشوع، ينحني ويسجد، حتى غدت جبهته تحمل أثرًا اكثر وضوحًا للسجود.  يمسح جبهته بيده، وينظر إلى الموظفين نظرةً تنضح بالوقار، ثم يعود إلى مكتبه تنتظره ملفاتٌ لا تعرف الرحمة. مشاريع وهميه وأخرى مُبالَغٌ في كلفها، يسرقها كما يسرق المرء أنفاسه. يشمها ويبتسم وتروح عيناه في تيه ودموع تشبه تلك التي يذرفها في الصلاة. 


    الشيء الذي ارقه، ليس التهديد بانكشاف امره وانما عجزه عن إيجاد مكان لاختلاساته. أكياس النايلون وقناني البلاستك مدفونة بعمق بستانه وفي السقوف وبأسماء لا تحصى من اقاربه. فكرة غريبة داهمته. نادى زوجته، طوقها وهمس في اذنها. ابتسامة خفيفة اعقبتها ضحكات وصمت لحظات.


- رأيكَ رغم غرابته صائب يا زوجي الحبيب. يبدو أنك تذكرت خبز التنور الحار الذي كنا نأكله بشهية في القرية حتى قبل الطعام. ستأكل خبزًا لم تتذوق طعمه في حياتك. رغيف إذا أُعِدّ على الحطب الجيّد، يحمل نكهةً لا توجد في مطابخ القصور. 

 

    كانت زوجته قد أشعلت التنور، ووضعت عليه الأرغفة. كم انا سعيد الأن يا زوجتي. تخلصنا من خطر يؤرقني. هيا استمري ولا تتوقفي. رائحة تمنحني الاستقرار والأمان والهدوء وطعم لن نجد مثله حتى في جنات الخلود. قال ذلك وهو يقضم رغيف الخبز بينما انهمكت زوجته بتأجيج النار بكل حماس وثقة. كان الدخان يتشكّل في الهواء. قصاصات تتطاير ويتلاشى بعضها؟


     أطفال أثارتهم تلك الرائحة الغريبة، هرولوا نحو تلك القصاصات مستغربين. صاح أحدهم: دولا. دولار بينما انشغل الزوج يمضغ رغيفه مطمئنًّا للنار التي ابتلعت السرّ. ولم يعلم أنّ التنور، الذي ظنّه مصدر امانه، قد صار شاهدًا عليه.

علي البدر



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق