الاثنين، 8 ديسمبر 2025

موت دون وصيّة بقلم الأديب كمال العيّادي الكينغ

 ‼️- من نصوص البدايات، نصّ كتبته أوّل قدومي لألمانيا، قبل ثلث قرن (سنة 1992)، حين كنت أكمل دراستي الجامعيّة وأقوم بتدريس اللّغة العربيّة لأبناء الجاليّات العربيّة بجنوب ألمانيا…وهو منشور ضمن مجموعتي القصصيّة الأولى، (رحلة إلى الجحيم): 


❇️ - (موت دون وصيّة): 


✍️…انتهيت بعد جهد من إغلاق الحقيبة الجلدية القديمة التي أهداها لي صاحب المنزل حيث أؤجر غرفة مفروشة تكلفني أكثر من نصف مرتبي كل أول شهر. كان علي في ذلك اليوم أن أوزع الكتب المدرسية التي طال انتظارها على التلاميذ. وجهي حليق ومحفظتي ممتلئة. كتب كثيرة, كراسات، أوراق, صحف يومية لم أتمم قراءتها , تذاكر سفر ورسائل قديمة أمني النفس كل مرة بالرد عليها خلال فترة السفر بالقطار من مدينة مونيخ حيث أسكن , إلى تلك القرى النائية عند حدود جنوب ألمانيا حيث أقوم بتدريس حصص للغة العربية بمعدل حصة واحدة أسبوعيا لكل مدرسة وبالتالي بكل قرية . كنت أتهيأ للخروج عندما دق جرس الهاتف. وضعت الحقيبة الثقيلة وعدت إلى البهو حيث يوجد جهاز الهاتف.

- ألو …!

- هالو سيدي ( سيدي بكسر السين, هيّ صيغة المخاطبة. التي يستعملها التلاميذ عند مخاطبة المعلم )

- من يتكلم معي ؟

- سهام { الرد باللغة الألمانية ) أنا… سهام من طروتسبارغ. - أهلا سهام. ماذا هناك ؟

- أنا وإخوتي لا نستطيع الحضور اليوم إلى المدرسة .

- ولماذا ؟

- لأن أبي شنق نفسه البارحة ومات ‍ّ‍

- مات ؟…كيف حدث ذلك ؟ ماذا تقولين؟

- أنا لا أعرف. أمي تقول بأنهم وجدوه معلقا بحبل الغسيل إلى سقف العشة التي نضع فيها الأدوات القديمة بالحديقة.


*** طروتسبارغ …الجمعة مساء:


كان يوم الجمعة هو اليوم المخصص لتدريس حصة اللغة العربية بقرية طروتسبارغ .

ولأنني تسلمت مهمتي يوم الخميس, فقد تقرر أن أسافر مباشرة في اليوم التالي إلى هذه القرية. استطعت طبعا أن أحصل على سلفية من صاحب المنزل الطيب , بفائدة مناسبة ولذلك لم يكن اقتناء تذكرة ذهاب وإياب بالقطار ليسبب لي أرقا. بل كنت أعتقد بأن المبلغ يكفيني لمدة أسبوع على أقل تقدير, لكن أوهامي تسلقت كعادتها أدراج الرياح ,عندما علمت بالمبلغ الذي علي دفعه ثمنا لتذكرة واحدة. تقريبا كل ما عندي . لكن الفتاة البافارية الطيبة , بائعة التذاكر واستني قائلة بأنه يمكنني أن أقطع تذكرة للذهاب فقط وعند الرجوع في نفس اليوم يمكنني ركوب أحد قطارات المساء بسعر أقل بكثير. حمستني عبارة -كثير- فلم أبخس شهوة نفسي اشتريت زجاجة عصير وصحيفة عربية.


ثلوج …ثلوج … ثلوج .

الأرض بيضاء والسماء داكنة والقطار يتوغل في مساحات لا تنتهي .علبة السجائر لازالت ممتلئة . الناس طيبون ومراقب التذاكر لطيف. بعد خمس ساعات وصلت إلى محطة - طراوشتاين - وهي أقرب مدينة يمر منها القطار في طريقي الطويل. وعلي بعد ذلك أن أواصل بالباص. لم يبق على كل حال سوى مائة ميل.


وصلت إلى المدرسة متأخرا ثلاثة ساعات. ورغم ذلك فقد قوبلت بحفاوة. كان هناك رجل قصير, كثيف اللحية ويتكلم بلهجة أهل الجنوب التونسيّ. أما الآخر فكان عملاقا ضخما. عيناه محمرتان إلى درجة ملفتة للانتباه. ويكثر من استعمال يديه حين يخاطبك, يلوح بهما في كل اتجاه, في محاولة منه لتأكيد ما يقول في حين كان الثاني يصوب نحوه نظرات مليئة بالاحتقار…تماما الاحتقار. ذلك هو الإحساس الذي اعتراني وأنا أحاول أن أحيط الموقف.

أعلمتهما بأنني سأبقى مع التلاميذ نصف ساعة فقط للتعارف, وبعد ذلك سألحق الباص.أجاب القصير, وكان اسمه الهادي {س…ْ} بتفهمه. وأما الثاني وكان اسمه محمد{ب..} فقد حلف بالطلاق والمحرم وما تأخر وما تقدم بأنني ضيفه هذا المساء وبأنه سيوصلني بالسيارة إلى مدينة -طراوشتاين- بعد تناول العشاء بمطعم قريب .

لا أعرف لماذا ارتحت لهذا العملاق , كانت مظاهر الطيبة تبدو بقوة من خلال عينيه المحمرتين . ولما كنت قد بدأت أحس فعلا بالجوع فقد وافقت, رغم ما لاحظته من قلق على وجه القصير فقد كان واضحا أنه لا يثق إطلاقا فيما يقول صديقه.

انتهيت من حصة التعارف, وكان عدد التلاميذ عشرة. ينتمون إلى ثلاث عائلات. خمسة من بينهم أبناء محمد {ب…}. أربعة بنات وولد وهو أصغرهم وعمره خمس سنوات أما الكبرى فهي في السادسة عشر من العمر. وخرجت الحصة الأولى وأنا مقتنع تمام الاقتناع بأنني لن أقدر مهما فعلت على تعليمهم شيئا مهما. إذ أنهم لا يتقنون كتابة حرفا واحدا من الحروف الهجائية وهذا يعتبر هين إذا قورن بالمشكل الثاني الذي سأعجز حتما عن تذليله. وهو أنهم جميعا وبدون استثناء لا يتحدثون كلمة واحدة بالعربية ولا باللهجة التونسية الدارجة. ومقابل ذلك فقد كنت لا أعرف من اللغة التي يتحدثون بها أكثر من كلمات معدودة. عندما خرجت وسط ضجة التلاميذ لم أجد في انتظاري سوى الهادي{س…} القصير. سألني كيف الحال, فأخبرته بأن كل شيء على ما يرام, وأنا أضمر غير ذلك. سألته عن محمد{ب…} فأجابني بأنه لا يعرف, لكنه أضاف في لهجة تفوح منها رائحة النفور

والغيظ بأنه عموما إنسان لا قيمة له, وعلي ألا أهتم بما يقول لأنه دائم السكر, لا يكاد يخرج من الحانة , وأنه عربيد وصاحب مشاكل بالشغل , وفضائحه لا تنتهي …. ولم يكمل كلامه لأن محمد {ب…} اعترضنا فجأة وهو يلهث وأخذ يبالغ في الاعتذار لي حتى خجلت. ثم دعاني مرة أخرى إلى المطعم القريب كما وعد. كان كريما. في عينيه دموع. حين يتحدث تشعر برغبة أكيدة في مواساته حتى وهو يتحدث عن عدد الكنائس والحانات في القرية. جلس القصير معنا بعض الوقت ثم اعتذر لي دون أن يلتفت إلى الآخر, وتمنى لي حظا طيبا. وفهمت بعد ذلك أنه لم يطق أن يجلس إلى طاولة يتجه إليها النادل بالخمر. هي بيرة, ولكنها خمرة على كل حال.

- ‘‘ عندما يحضر الملائكة يخرج الشياطين ’’ قال محمد {ب…}

- ‘‘أنت الشيطان الرجيم, وأنت إبليس نفسه ’’ رد عليه القصير وأنا بريء منك يوم القيامة.

- يوم القيامة ستترجاني أن أشفع لك. لأنني مؤمن والله سيغفر لي هذا الكأس الذي أشربه لأنه مر وكريه, وأنا ما كنت لأشربه لو لم أكن أعيش مع أمثالك. أما أنت فالله يعرف أنك تصلي بدون وضوء وتتحدث بالزور وتشهد بالكذب. ومصيرك بحول الله أسود وقاحل. خرج القصير وهو يغلي من الغيظ. كتلة من النار تلتهب, وأحسست بحرج شديد وأنا أفكر في هذا اليوم المشؤوم بهذه القرية الملعونة. قلت في نفسي, ما أضيق هذا العالم, بعيدا عن الوطن بآلاف الكيلومترات, وفي قرية نائية يظل بغض التونسيين لبعضهم لعنة لا تبطل. وفكرت في وضعي البائس. لا مال. لا سجائر. ولا أمل في اللحاق بآخر باص. جليسي سكران والآخر خرج غاضبا.


*** الليلة الأخيرة مع محمد {ب…}:


دقائق معدودة تبقت عن منتصف الليل . هذا جليسي لا أعرفه . أدخن سجائره , وأشرب على حسابه وقلبي يحدثني بأنه لن يدفع ألتفت إلى النافذة فإذا السواد يلف كل شيء . من بعيد تلمع كتل الثلج بين الحين والآخر حين تنعكس عليها أضواء سيارة هائمة ثم سرعان ما يبتلع الظلام كل شيء . جليسي لا يتكلم . والموسيقى تنساب إلى السمع كريهة وتثقل الجو بإحساس بليد وتشعرك بالضياع والإحباط. لا أدري أي شيطان بعث فيه الحياة . رفعت رأسي فجأة فوجدته يحدق في بطريقة غريبة . عيناه صافيتان . ونظراته ثاقبة تكاد تخترق أعماقي . أي ثقة في النفس , وأي حضور ذلك الذي اعتراه في تلك الثواني المعدودة . كان ينظر نحوي بعطف ربما. نظرات سيد نبيل خانه الدهر . نظرات اجتمعت فيها كل الأحاسيس الصادقة .القسوة و الامتنان والعطف.

ولدهشتي الشديدة سألني: ‘‘ أنت تلعن الآن الساعة التي تعرفت فيها علي أليس كذلك؟’’ .

أجبته وأنا أحاول أن أخفي ارتباكي من صحوته المباغتة بأن ذلك غير صحيح .

- بل صحيح قال لي , اسمع يا صديقي , أنت أول تونسي مثقف يدخل هذه القرية ومن المؤكد بأنك لا تطيق البقاء بها يوما واحدا … أنا متأكد من ذلك. أما أنا يا سيدي فقد مر علي الآن ربع قرن هنا . جئت إلى هذه القرية وأنا صبي يفور دمه بالشباب . خرجت من تونس وأنا أمني النفس بأحلام عذبة وظننت بأنني سأبقى بعض السنوات ثم أعود بما يكفي لأختصر شقاء عشرات السنين هناك . جئت هذا البلد شعلة من نار … وها أنني كما تراني , بهيمة بشعة تسعى في الأرض . لا أمل لي ولا طموح . القصير الذي رأيته هو آخر تونسي يمكن أن أقف معه وأبادله التحية . إنه الوحيد الذي لا زال يتحملني . يعتقد بأنه سيهديني إلى طريق الحق في يوم من الأيام , وأصدقك القول بأنني فكرت كثيرا بالصلاة والانقطاع عن الشرب , ولكن كنت أتراجع سريعا حتى لا أترك له الفرصة ليعلن للجميع بأنه السبب في صلاح حالي . أنظر إليه , إنه يستشهد بأحاديث نبوية لا وجود لها ويبتلع آيات كاملة وهو يقرأ القرآن . ولو سألته عن شيء فإنه يقول لك فورا بأنه حرام . لا تحلو له هدايتي إلا حين أكون سعيدا ونشوة الخمر تدب في دمائي المتخثرة من الهموم والفراغ والوحدة . إنني لست جاهلا , أنا أحفظ سورة البقرة وآل عمران وثلاثة أحزاب من قصار السور .

كما أنني قرأت المنفلوطي وجرجي زيدان , وأحب المتنبي وأبا نواس والشابي . وكان يمكن أن أكون إنسانا مهما, لولا أن القدر اللعين رماني بين جهلة في قرية ينام أهلها قبل التاسعة ليلا . ربع قرن يا سيدي أمني النفس بجليس أتكئ عليه إذا سكرت , وأقاسمه حمل الهموم . ربع قرن احتفلت بمروره منذ شهر , مر فوق قلبي , وغرست أعوامه في ذاكرتي غابات من الشوك وأسياخ من الصلب …

-رفع رأسه وكأنه يتثبت بأنني أتابعه وأكمل:

قبل خمس سنوات , كنت بمدينة - طراوشتاين -.كان الوقت ما زال طيبا, وكنت إذا اشتدت علي وطأة الوحدة ألوذ ببعض الأصدقاء القدامى هناك بتلك المدينة, نعربد ونضحك حتى الصباح. وكنت أنتظر تلك الجلسات بفارغ الصبر وأتهيأ لها.

تنهد بعمق, وبعد أن صب ما تبقى من الكأس في فمه, نظر إلي بعض الثواني, وواصل:

- كان ذلك يوم سبت . حلقت ذقني وتجملت ثم ركبت السيارة وأنا أدندن بلحن قديم . وصلت باكرا على غير عادتي فوجدت بعض الأصدقاء قد حضروا. وكان يجلس معهم شخص لم أره من قبل . قدمه لي أحدهم , وذكر بأنه من نفس بلدتي , وأنه جاء في زيارة مؤقتة بتأشيرة سياحية مدتها شهر واحد, وبأنه يقيم عند أحد الأصدقاء المغربيين تعرف عليه بتونس منذ مدة طويلة خلال زيارة لها. كانت ليلة رائعة . وكنت فرحا كطفل وجد من يلعب معه لعبته المفضلة, بعد حرمان طويل. قلت في نفسي. هذه هي ضحكة القدر لقد أرسل لك الله جليسا, يفهم ما تقول. صدقني لقد كدت أبكي من الفرح . تصور بعد عشرين سنة ألتقي في مقابر غربتي بشخص من بلدتي , يعرف كل من أعرف تقريبا من الشيوخ والشباب . يعشق مثلي فريد الأطرش ويحفظ أبياتا مناسبة لأبي نواس. من المؤكد بأنك لن تحيط بذلك الإحساس الذي عشته ذلك المساء , لأنك لا تعرف ما معنى أن تسكن في قرية معزولة كهذه ويكون القصير الذي كان معنا صديقك الأوحد . ثم أنني كنت لا أرجع إلى تونس إلا مرة كل خمس سنوات . خمسة أطفال وأنا وزوجتي , أي سيارة ستكفينا ولك أن تتصور تكاليف زيارة كهذه . هذا إضافة للهدايا التي يجب علي أن آخذها معي إلي الأهل . أنا من عائلة فقيرة ولا بد من الهدايا , وحتى حين أعود مرة كل خمس سنوات لمدة ثلاثة أسابيع, فإنني أظل متخفيا في غرفة بالبيت , لأنه لا قدرة لي على مواجهة عائلة فيها أكثر من خمسين فردا قريبا من أعمام وأخوال، ووو. ثم أن كل الأصدقاء والأحباب الذين كنت اعرفهم تفرقوا خلال السنوات الطويلة التي غبتها عن البلدة وعن الوطن .

أنت محظوظ يا سيدي . إنني أحسدك لأنني لا أكاد أصدق أن بإمكان تونسي أن يدخل يوما هذه القرية , ويعمل بها ولا يتعفن . بل ويكون بإمكانه أن يخرج لها لسانه ويرحل عنها متى شاء… إنني أحسدك يا سيدي , ولكنني أحبك أنك تسمعني , وتغفر جهلي وضعفي أمامك.

-أين وصلنا … لا أعرف ماذا كان سيكون مصيري بدون هذا الكأس . إممممممم ! تواصلت يا السهرة سيدي إلى ما بعد منتصف الليل بكثير . وأعجبني أنه ظل وديعا حتى وهو سكران وقد زاد ذلك من إعجابي به . واصل قائلا,- إن أرذل ما يمكن أن تصاب به هو أن تجبر على مجالسة إنسان يحوله السكر إلي وحش عنيف , لا ينهي الجلسة إلا بمشاكل وكلام بذيء . وقد عرفت كثيرا من هذا النوع , وكان أهون علي أن أتحمل القصير الذي رايته اليوم أسبوعا ولا أرى واحدا منهم . المهم , جاء النادل , فدفعت كامل الحساب رغم الضيق , وإدراكي لعواقب ذلك فيما بعد. ومن شدة جذلي , حلفت عليه بأن يكون ضيفي في تلك الليلة رغم تأخر الوقت . لم يمانع . بل أنه أعلمني أنه لاحظ بأن المغربي الذي ينزل عنده بدأ يضيق به خاصة بأن بيته ضيق وحالته متواضعة , وبأنه يشعر بالوحدة , لانه يريد التحدث بلهجة أبناء بلاده. قلت في نفسي بأن زوجتي سيبرد غضبها حين تعرف بأنه ابن بلدتنا , زوجتي أيضا من نفس المدينة . وهكذا , ركب إلى جواري بالسيارة , وذهبنا إلى بيت المغربي , وكان هذا الأخير يشتغل بالليل . ففتح الباب بمفتاح كان قد تركه معه . وجمع أدباشه وكان كل متاعه سروال أسود وقميصين وفرشاة للأسنان , وآلة حلاقة قديمة . ثم كتب ورقة لمضيفه يذكر فيها باختصار ما وقع وبأنه سيتصل به قريبا بالهاتف.


لا أذكر من قال لي بأن القطط تقتل الثعبان إذا وجدته , ثم تلعب به و لكنها أبدا لا تحمله معها إلى البيت الذي تنام فيه. ولكنني كنت أقل حكمة من القطط وحملت ثعبانا إلي بيتي. ولكنني سبقتك بالأحداث . ستفهم ما أعنيه فيما بعد ّ!

غضبت زوجتي في البداية .ولم يكن غضبها أمر نادر , فقد اعتدت عليه . تقول لي لا تسهر فأسهر. وحين أعود ألجم لساني وأتركها تسبني كما تشاء. كنت اعرف بأنها بقيت تحبني فقط لأنني أسمح لها بشتمي بصوت عال . يقولون أن علماء النفس تحدثوا في هذا الموضوع. أنا لم أقرأ علم النفس ولكنني كنت أعرف كيف أتعامل مع امرأة مثل زوجتي. وبعد ذلك يسألني القصير -لماذا لم أذبحها- ؟! … أنا لم أذبح دجاجة في حياتي , فكيف أذبح زوجتي وأم أولادي . أقسم لك بأنني أحبها حتى الآن بل أنني أحبها الآن أكثر ربما.

مرة أخرى أسبقك بالأحداث …من المؤكد بأنك تعتقد بأنني بدأت أسكر . هذا صحيح , ولكنني لا أخبط في الكلام بسبب الشرب, ولكن بسبب هذا القلب المتورم الذي أحمله في صدري … أنت تعتقد بأن جسدي الضخم لا يتناسب مع رقة قلبي , ولكنني أقول لك بأنني صورة لقلبي وليس لجسدي . أطلت عليك أليس كذلك ؟-سألني- .

- لا. أبدا .أرجوك أن تواصل أجبته. رغم التعب الذي كنت أحس به ولا بد أنه لاحظه علي.

- نامت زوجتي بعد أن طيبت خاطرها وأقسمت لها بأنه سيبقى معنا يوما واحدا أو يومين وقلت لها بأنه من بلدتنا وحكيت لها قصته مع المغربي , لكنني أضفت من عندي بأنه طرده من بيته لأنه خاف على صديقته منه . أنا أعرف زوجتي جيدا إنها طيبة لولا ابن الحرام !

في صباح اليوم التالي ذهبت إلى العمل باكرا بعد أن أوصيت زوجتي بالاهتمام به وغسل ملابسه . وعندما رجعت في المساء وجدته يجلس يضحك, وأمامه الشاي والحلويات ففرحت بما فعلته زوجتي حتى أنني لم أصبر على تقبيلها أمام الأطفال وأمامه.


بقي عندي أسبوعا . أخرج أنا صباحا إلى العمل , وأتركه بالبيت حتى يصحو على راحته ويخرج إلى القرية ليتجول أو يشرب شيئا , وقد كنت اتفقت مع صاحب المقهى على أن أدفع ثمن ما يشرب لأنني لاحظت بأنه لا يملك نقودا. في أحد الأيام تذكرت بأن تاريخ صلوحية تأشير ته أوشك على الإنهاء . فسألته عن ذلك فضحك , وأجابت زوجتي عوضا عنه وهي تبتسم ابتسامة فهمتها فيما بعد بأنه لن يرجع إلى تونس . سألت ببلاهة -كيف؟- فأجابت مرة أخرى بأن { م…} -وهذا اسمه. لا يريد العودة..قلت لها ولكن ذلك سيسبب له مشاكل مع السلطات هنا إذا انتهت مدة صلوحية التأشيرة. أجابتني بابتسامتها تلك. تلك الابتسامة شوكة في ذاكرتي. إنها توجعني الآن أكثر من أي شيء آخر- بأنها تصرفت وبأن كل شيء يسير على أحسن ما يرام. -كيف؟؟ سألت بحيرة. حدثتني عما فعلت. هل يمكن أن تصدق ماذا فعلت. أكيد ورب السماء, أن الشيطان ينحني أمام النساء !.

لقد اتصلت بجارة لنا , وكانت سكيرة لا تصحو أبدا من السكر , ورغم أنها لم تتجاوز الأربعين بعد فلو رأيتها في ذلك الوقت لحلفت بأنها ستموت بعد أيام . كانت امرأة ظاهريا فقط أما من الداخل فهي خربة سوداء مهشمة .كانت تسعل كل الوقت . ذلك السعال الخبيث الذي يبدأ أجشا ثم يلتوي ويحتد حتى يصير مثل عواء الذئاب حين تشرق بقطعة من اللحم. واتفقت معها على أن تقبل الزواج صوريا من { م…} ليتحصل على وثائق الإقامة مقابل مائتي أورو شهريا, ولو قالوا لها عشرة أورو لما رفضت.

بعد عشرة أيام كان {م…} قد تزوج, وحتى لا يثير شكوك السلطات فإنه أنتقل للسكن معها في غرفتها. إنها ليست غرفة وإنما عشة فوق السطوح تستعمل في الأصل لنشر الغسيل. ولكنه لم يكن ينام هناك. قال بأن رائحتها لا تطاق, وبأنه سينام عندنا, حتى يجد بيتا مناسبا. وطبعا استغربت من تبدل حالة زوجتي حتى أنها صارت تدللني أمامه بعد أن كانت تعبس في وجهي كلما رأتني. أنا لست غبيا, ولكنني لست نذلا لذلك لم يخطر ببالي أن ….استغربت أكثر لما صارت زوجتي تنتزع من مصروف البيت لتعطيني ثم تقبلني في جبيني وتقول لي بأنها نادمة على قسوتها معي فيما سبق وبأنها تحس الآن كم أتعذب في الشغل وتطلب مني - هي تطلب مني- أن أسري عن نفسي وآخذ { م…} وأخرج معه للمقهى القريب في البداية كنت أفعل ذلك وأحمدالله على هذه المعجزة. ولكنني بعد ذلك بدأت أفيق من غفوتي. صدقني أن الرجل عندما يحب امرأته حقا وتخونه يشم رائحة الخيانة, ولكنه لا يعرف أنها رائحة الخيانة إلا بعد أن يتأكد بأن زوجته تخونه, وعندها فقط يتذكر تلك الرائحة. بل أعتقد بأنها تبقى تعبق حوله أعوام وأعوام. إنني الآن أشمها. رائحة تشبه رائحة الدجاج ليس الدجاج تماما, ولكنها رائحة الطيور الصغيرة تماما الطيور الصغيرة المذعورة حين تراها وهي تسقط في الفخ وتجري نحوها , ثم تمسكها لمدة طويلة…وتسمع دقات قلبها مثل مراوح الهواء و حين تضعها في القفص وتشم يديك المبللة بالعرق والمتسخة ببثور الريش, تشمها … تلك الرائحة التي أشمها الآن. وأنا طفل كنت أحب العصافير, أما الآن فإنني لا أطيقها. ليس بسبب الرائحة التي حدثتك عنها, ولكن بسبب …إنني أتابع البرامج العلمية كثيرا بالتلفزيون . لم أكن أتصور أن الطيور يمكن أن تكون خطرة إلى هذا الحد. أنت تعرف خطورة الأمراض التي تسببها الطيور , أليس كذلك ؟… بالتأكيد أنت تعرف ذلك.

زوجتي هربت منذ خمسة أشهر من البيت. رجعت ذات يوم من العمل كعادتي , فوجدت البيت - سقفا وقاع-. أخذت معها كل شيء حتى الخزانة و ألبوم الصور.

هربت إلى بيت {م…} , يقولون بأنها كانت عشيقته منذ خمس سنوات . البارحة تخاصمت في الشغل مع أحد الأتراك فعيرني أمام الجميع, واتهمني بأنني كنت أعرف منذ البداية بعلاقة زوجتي به. القرية كلها كانت تعرف ذلك. إلا أنا. ألم أقل لك بأنني بهيمة. تركت لي ورقة باللغة الألمانية بأنها لن تتحمل أكثر وأنها ترجو لي حظا طيبا … ثلاثة أسطر مليئة بالأخطاء. زوجتي لم تتعلم ولم تشتغل. عندما قرأت الورقة ذهبت كالمجنون إليها هناك- كتبت أسفل الورقة بأنها ستبقى عند {م…} حتى يفصل بيننا الحاكم. وتعثر على بيت -. وعندما وصلت وجدته أمام البيت , وتخاصمنا فضربته وضربني , ولكن الشرطة مسكتني ليلة كاملة وأطلقت سراحه هوّ, ولم يسمحوا لي بالخروج إلا بعد أن التزمت لهم كتابيا بأنني لن أذهب إلى هناك. حتى تفصل المحكمة. حدث ذلك منذ خمسة أشهر. والمحكمة حددت الجلسة الأولي في منتصف الشهر القادم.

لم يسمحوا لي برؤية أولادي. أولادي أيضا لا يريدونني. فقط فلذة كبدي أحمد, الذي حضر عندك اليوم. أرجوك علمه العربية. أحمد عمره خمس سنوات ولكنه رفس {م…} برجله عندما منعه يوم الجمعة الماضية من رؤيتي. كنت أنتظر تحت الشباك رغم تحذير الشرطة. لم أطق صبرا فذهبت, ورآني هو من الشرفة , فنزل وهو يلهث وأخبرني بأن {م…ْ} منعه من الخروج إلي فرفسه بقدمه الصغيرة. إنه آخر أمل لي, أما البنات فكلهن يتهربن مني. تربية أمهن. وتنادين {م…} الكلب -بأونكل-. ولم يكفهم كل ذلك فكلفوا محاميا قدم ضدي شكوى مستعجلة إلى المحكمة أدعى فيها بأنني هددتها وطالبتني بالنفقة. وبعد أسبوعين فقط ناداني صاحب العمل وأعلمني بأن قرارا صدر من المحكمة بأن يقوم هو نفسه بتحويل سبعين بالمائة من مرتبي إلي حساب زوجتي بعنوان نفقة لها ولأبنائي الخمسة ويتبقى لي الآن خمسمائة اورو أدفع منها أربعمائة كراء . فتصور أنني أعيش منذ أربعة أشهر بمبلغ مائة أورو , ولولا أنني قمت ببيع سيارتي واشتريت أخري قديمة جدا, لمت من الجوع هنا في هذه المقبرة التي لا يرحم فيها أحد الآخر. لقد حاولت بكل السبل إصلاح الأمر , بعثت لها بكل من أعرف ولا أعرف . ووجدتها يوما بالطريق مع ابني أحمد فجثوت على ركبتي وقبلت يدها , وقلت لها بأنني لن أشرب بعد اليوم وبأنني سأموت بدون أولادي , وبأنني اشتقت إلى طبخها …وأقسم لك أنها شهقت بالبكاء ومسحت دموعي , وقالت لي سامحني .ثم ذهبت معي إلى البيت وطبخت لي كمونية , وقالت لي بأنها تريد أن تفكر بالأمر ورجتني أن أترك لها فقط بعض الوقت لترتب أمورا . ولكن بعد ذلك ظلت تتهرب مني ولا تريد الخروج إلي. أو الرد على الهاتف . وبعدها بمدة فوجئت بشرطي يسأل عني في العمل ويخبرني بأن زوجتي اشتكت بي ثانية وادعت بأنني أهددها. من المؤكد بأنها تخافه. وهي تسمع كلامه. هي زوجتي وأنا أعرفها. إنها خائفة.


أنا متعب …لم أشعر يوما بالتعب مثل اليوم,قال. سكت قليلا ثم رفع رأسه تجاهي - وكان طيلة الوقت يحدثني وهو يدير كأسه الفارغ ويرسم بقعره دوائر لولبيّة على الطاولة.

- لماذا لا تحدثني عن حياتك أنت ؟ سألني .

- الساعة الآن الثالثة صباحا , والنادل ينتظر خروجنا .

التفت وراءه ولما لاحظ بأننا آخر من بقي بالمطعم . أخرج محفظته , ودفع الحساب وترك للنادل مبلغا كبيرا استغربته منه . وقف بصعوبة , واتكأ على كتفي . وحين خرجنا إلى الشارع أشار لي بيده دون أن يرفع رأسه وقال :

- بيتي هناك.


*** موت بلا وصية:


وصلت إلى - طروتسبارغ - الساعة الثالثة بعد الزوال , ووجدت الهادي{س…} ينتظر أمام المدرسة ومعه أبناءه. سألني عن حالي وكأن شيئا لم يقع , فأعدت له ما قالته لي سهام{ب..} عن انتحار أبيها.

رفع رأسه كمن يتشمم الهواء , ومسح لحيته ثم قال لي بأن ذلك صحيح . وأنه ذهب صباحا مع ثلاثة أتراك وغسلوه في المستشفى . وسيرسلونه بعد يومين إلى ميونخ لشحنه بالطائرة وإرساله إلى أهله في مدينة { ص…}.

سكت قليلا ثم رفع يده إلى السماء وحلف لي بأنه عرض على المسؤول عن المسجد بطروتسبارغ - إقامة صلاة جنازة له قبل ترحيل جثمانه , ولكنه رفض , لأنه متعصب مثل أغلب الأتراك بهذه القرية , وهو يعتقد بأن صلاة الجنازة لا تجوز على القاتل ومحمد {ب…} قتل نفسه. وتصرف في أمانة تركها الله عنده !.

أراد أن يواصل , ولكنه ربما أحس بثقل سكوتي فغير من نبرات صوته , وجرني من ذراعي وكأنه يريد أن يسر لي بسر خطر , ولما ابتعد مسافة كافية عن التلاميذ , نظر إلي فرأيت بعينيه بلل. قال لي بأنهم قتلوه.

- من قتله ؟ سألت بذهول.

زوجته والذي لا يسمى { م…} . ذهب إليها البارحة وهي في بيت هذا الذي لا يسمى . وقف تحت النافذة ينتظر . يقولون- والله أعلم- بأنه كان سكران, وبأنه ظل أكثر من ساعة يناديها بأعلى صوته من الأسفل حتى خرج كل الجيران. عند ذلك خرج له الذي لا يسمى {م…} وسكب عليه من فوق وأمام كل الناس سطلا من الماء البارد. يقولون أن محمد {ب…} لم يرفع حتى برأسه إلى فوق . رغم ما عرف عليه من طول لسان. انسحب خلف المنزل, ونزع قميصه ثم عصره, وذهب من الجانب الآخر دون أن ينبس بكلمة واحدة.

وفي الصباح , وجده كلب الجارة. وظل ينبح حتى نزلت صاحبته, فوجدته معلقا بحبل الغسيل إلى سقف العشة الصغيرة التي كان يضع فيها الأدوات القديمة

أردت أن أسأله إذا كان قد ترك وصية, ولكنني أحسست بخجل.


💥(كمال العيّادي الكينغ)💥

مونيخ 1992



الرحيل الابدئ بقلم الأستاذ الحاج نورالدين أحمد بامون - ستراسبورغ فرنسا

 الرحيل  الابدئ

إلى من أسالت اللعاب وحركت السر الدفين


إلى من قالوا عنها أنها تشعل نار الغرام بسحر العينيين


إلى التي كانت صاحبة القوام الرشيق وما لها من زين


إلى من استهوتني وتركتني حزين


إلى من أشغلت الفكر والبال بثقل الجسد البدين


إلى التي حلت دون سابق إنذار بعد طول السنين


إلى التي عودتني ورحبت وقالت أهلا بك بعدما كنت الخليل


إلى التي شغلت الفكر وليس لها بديل


إلى صاحبة القوام والجمال الذي ليس له مثيل


إلى من سلبت العقل وغادرت بدون أن تعلن الرحيل


إلى من اختفت ولم تترك إشارة ولا دليل


إلى التي كانت مكتملة الخصال وكل شيء فيها جميل


إلى من عذبتني وتركت الجسم عليل


إلى من علمتني الوفاء والإخلاص ولو بالشيء القليل


إلى من علمتني العطاء بدون تحصيل


إلى من سهرتني وحرمتني من النوم طول الليل


إلى من بتركها لي شجعتني على الخوص في شتى الميادين


إلى من هجرت بدون إن تترك لي قرين


إلى من وثقت بها وانتظرتها كل لحظة وحين


إلى من أخلت بالعهد و تركتني أعاني الأمرين


إلى من غابت عن الوجدان وتركت صورتها مرسومة بالعين


انتظرت العودة بأمل مقيد مثل قيود السجين 


لكن هيهات فات الحال ولن تعود بعلم اليقين 


طال انتظارها بلا رجاء ولن تعود إلا بمعجزة من رب العالمين 


فاصبر و لا تتكل عليها فلن تعود مهما طالت السنين .


فالصبر جميل كما أمر الرب القوي المتين


الأستاذ الحاج نورالدين أحمد بامون - ستراسبورغ فرنسا



دعيني بقلم الكاتب المنصوري عبد اللطيف

 ****دعيني****

دعيني

دعيني اتخد من عينيك

زورقا

ابحر عبرهما

نحوهذا الفضاء 

الممتدة ارجائه

اسبح في ملكوت الله

اغوص في اعماقه

انسج من خصلات  شعرك

شعرا

كلماته مفعمة بانفاسك

اريجهايملأ العالم

حبا

سلاما

نقطها قطرات مطر

تملأالسواقي

ماء زلالا

فواصلها مروج خضراء

تباينت الوانها

سكانها عصافير عشق

توزع قبلات عشق

تنشد سمفونية

تتغنى بحبك

الابدي

المنصوري عبد اللطيف 

 ابن جرير 8/12/2025 

المغرب



حالة صحو في المنفى شعر: جلال باباي( تونس)

 حالة صحو في المنفى


     شعر: جلال باباي( تونس)


توارت أيام صحوه 

ذاك الصيف الغانم بتشظيه

لم تنصفني نجمة الغروب الاولى

بلؤلؤها 

حتى أضيئ منفاي

الذي يشبهني

يقيم بصدري حزن قديم 

وأشتهي من فرطه

 نبيذ وردتها 

من أبقتني في المفترق

بتٌ غامضا مثل سحابة الليل

أبتغي الرٌحيل إلى موعد 

سفرنا الأول

حتى لا يلبسني البكاء

أوغل بجنوني إلى موطن الريح

حتى أفقه صهيل الأبجدية

لعلٌني اعثر على أمي في الزحام

أو ينصفني عشق النساء

ابحر بخطاي متعثرا تارة

متمرٌدا على قانون الجاذبية

أناور المطر و الدخان 

قبل ان يرشح الإناء

 هو ذا مداي عسير بغباره

اتطاول على يسراي

حتى لا تنام 

هو ذا طيف صحوتي

يترنٌح بين مدٌِِ انكساراته

و جزر الشفاء

المجد لهذا العصيان 

هيتا للنسيان..

أرتقبها  عند شرفة عزلتي

تقيم برَحِمِ الذاكرة

بعد غروب شمس الشقاء


8 ديسمبر 2025


________________________

■ اللوحات الفنية للرسامة غادة شماء Ghada Chamma



لغة التجلي بقلم الكاتب نصر محمد

 لغة التجلي

فتحت لخيالي إستثناء شاهق

مواويل الزخم على الوتر العذب 

معزوفة  أجواء الرسائل الحرة  الرقراقة 

 القراءة التي نفت جهالة الوحشة بيننا 

 بمداد الشرح الوافي على رقعة سبورة  

البشرى فصلت  سماتك  بعشقي الفواح 

على درب بريد سلم  درجات الظهور 

تسلق موعدنا الذي عانق عصب اللمس 

الذهبي عبير أفراح  السماء الصافية  بأوعية 

شرايين العطور المختلفة يقظة تبارك أسمك خلف 

الثغور الربيعية  مطر النظر النقي فوق الزجاج الشفاف 

تدفق  بين قوسين قربك الذي جمع فضاء العبق

 الساكن تحت بوابات عناقنا  الذي  أسفر عن 

نشوة الأبخرة التي منحت أروقة السرد

  اليافع الإلهام الخصب الخلاب الشاسع 

 طوبى لوجداني بك مبلغ  أجنحة  الشرق و

إن شوقي الذي طال سقف الإنتظار قفز 

فوق السياح المتوهج حصد الغوث 

الثمين بما غرس  إلهامي  درر رؤياك 

بين زهو ألوان الطموح  يقتات 

التأمل بيننا فوق ظهر الليل البهيم

  على منوال أنسحة الوشاح  الأخصر

  تفقدت طير ملامحك  فوق أسوار

جنان الشغف  الركض البديهي 

خلف غزلان دلالك لي مع أبنية

 معانيك العظيمة شلالات الوقفة

 التي أبهرت بعنافنا  نزوح السياح

 المستمر  إن قوامك الرشيق العجيب 

يرج  رقصة السحر المترع في 

بحور قوافي أفق الشفق إن 

مفردات حواسي الفائمة فوق 

سيقان الدهشة تعرب 

 طلاء الشهد  فوق 

مالعقت شفاهي  

جامعات حضورك

 الطاغي عهود 

التقاليع الإنسانية 

العالمية على  رشد الجبر 

الهندسي  كينونة النصوص 

العبقرية بما خطت حدفاتك 

 ديمومة الظفر الفلسفي 

 فصول المهارات 

البدوية  خيمة 

أوتاد قمة سنام

اللقب البديعي

خواطر الصبر 

أينعت بأنس

 الصمت كذلك  

رن البواح في 

العتمة ميل النظائر 

أقيس مسافات 

أكاليل المطالب 

بالسمر المنمق 

حتى  بيت قصيد الوسائل 

كل الذي ينطبق على عناوين 

الكتب  تدثرت به علينا كي 

نواكب. مواكب أنجم  النون 

رحم الخصائص  ولادتنا التي

 أبهرت النقاد هتفت بخلاص

 غرقي  بين حناياك   ترجمة فورية 

أحبك بقلبي نهج البلاغة والشهادة 

بقلمي نصر محمد



قصة قصيرة بركة السبع للكاتب المصري م محمود عبد الفضيل

 قصة قصيرة

بركة السبع 

للكاتب المصري م محمود عبد الفضيل 


بدأت الشعور بالملل من تلك الحياة الرتيبة التي ليس بها جديد رغم كل الأملاك التي تحت يدي و التي تجعلني غير عابئ بالمشاكل المادية التي يعاني منها جل الناس و علي الجانب الآخر رغم زواجي من سيدة جميله كانت حلم لشباب القرية إلا أن لغة الحوار بيننا محدوده ، حاولت البحث عن طريق جديد يكسر ملل الحياة ،تارة بالسفر و لكن لايوجد رفيق و مرة بعلاقة عاطفية عابرة و لكن دون جدوى فالمعظم يبحث عن الاستفادة الماديه فقط دونما مشاعر حتي الصداقات القليله التي حاولت إيجادها كلها هاشه و ضعيفه و مبنيه علي مصالح و خدمات حتي اتي اليوم الذي قررت فيه شراء بعض الأغراض من حانوت علي أطراف القريه التي اسكنها و قريب من أحدي الاراضي الزراعيه التي املكها 

وجدت رجل في نهايات العقد الرابع من عمره يجلس في الحانوت ابتسم بمجرد أن ألقيت عليه السلام و بعد انتهاءه من اعداد الطلبات الخاصة بي و إعطاءه الحساب جلست اتحدث معه عن شتي امور الحياه و علمت من خلال كلامه أنه تعرض لاصابه جسيمه أثناء طفولته حددت من حركته و لكنه استمر في التعليم حتي حصل علي دبلوم تجاره و بدأ العمل في التجاره من خلال هذا المحل الصغير في أطراف القريه ز لكن نشاطه الآخر هو سمسرة الاراضي و العقارات و من خلال عمله ادخر مبلغ من المال استطاع به الزواج و لديه الان العديد من الأولاد في مراحل التعليم المختلفة و الاكثر من هذا أن لديه نشاطات اجتماعيه متعدده مثل مساعده الأرامل و اليتامي من خلال تواصله مع الكثير من رجال الأعمال الأخيار 

و رغم بساطه مظهره إلا أن الموبايل الخاص به لا يتوقف عن الاتصال و معظم المكالمات عبارة عن مشاكل يقوم بحلها أو التواصل مع أغنياء البلاد المجاورة لتقديم مساعدات 

و أصبح أحد أهم نشاطاتي اليوميه هو الذهاب الي ذلك الحانوت و لقاء عم السبع و الجلوس معه فترة قد تحول أو تقصر حسب ظروف اليوم 

و من خلال تلك اللقاءات تمكنت من خل بعض المشكلات المادية التي يتم عرضها علي عم السبع أمامي 

و كم كنت سعيدا سعاده لا تنتهي عندما اتمكن من مساعده الغير 

و الأغرب أنه كلما ساعدت في حل مشكله تنفك ازمتي النفسيه و اجد راحة لم أعهدها من قبل 

و مع الايام اصبحت مشارك عم السبع في كل المشكلات التي تعرض عليه و في النهايه قررت الشروع في انشاء جمعيه خيريه القريه يتابع نشاطها عم السبع 

رحب عن السبع بالفكرة و بدأت الجمعيه في العمل بنظام عمل مشروعات صغيره للارامل و اليتامي و كبار السن 

بدأت بتصنيع الصابون و تربيه الطيور و تتطور الأمر إلي انشاء مصانع للمفروشات و الملابس 

و اصبحت القريه خلال فتره بسيطه قريه منتجه 

الكل يعمل بها و تحسنت ظروف معظم فقراء القريه 

و اصبحت مشغول للغايه في اداره الجمعيه و تدعيم أعضائها 

و تكاثرت الأموال التي بدأت بها المشروعات و أصبح لي دخل اضافي من تلك المشروعات 

و لم ينتهي الأمر عند هذا الحد بل وجدت نفسي بعد سنوات بسيطه متزوج من اربع زوجات و لدي العديد من الأبناء 

ورغم تلك الطفرات مازال السبع يعمل في حانوته بعد أن تزوج أبناءه يستقبل كل من يريد مساعده و يصطحبه الي مقر الجمعيه في الأرض الملاصقه لحانوته الصغير 



¤ في دار الثقافة نور الدين صمود بقليبية: - نسخة اولى من معرض " توهجات" " أنامل أنثوية تتلاعب بماء البلور لصنع لؤلؤه" بقلم الكاتب: جلال باباي

 ¤ في دار الثقافة نور الدين صمود بقليبية:

- نسخة اولى من معرض " توهجات"

" أنامل أنثوية تتلاعب بماء البلور لصنع لؤلؤه"


● على سبيل التمهيد:

  يلتقي البلور الفني بنوره الخفي في فضاء رباعي البصمة لنقتفي بهرة حلم في نسخة أولى من معرض "توهّجات"، حيث تتنفّس الأعمال شفافيتها وانكساراتها على شرفة تحتفي بالضوء، وبتوهّج رؤى الفنانات التي تتلألأ في صمت المادة.

   وفق هذه الرؤية، تشهد دار الثقافة نور الدين صمود بقليبية يوم السبت 13 ديسمبر 2025 إقامة المعرض الجماعي  " توهّجات" بمشاركة رباعي الفنانات التشكيليات: إيناس الحلاوي ، وفاء الزواوي ، سامية موسى و حنان شعبان


●بين البلور المنفوخ و المنصهر تتشكل التفاعلات الوجدانية:


   ضمن تجربة فنية غير مسبوقة تستند إلى البحث في البلور الفني بوصفه مادة حيّة تتفاعل مع الضوء والظل، وتمنح نفسها لتعدّد القراءات بين مناخات مجموعة  الفنانات التشكيليات اللاتي يؤثثن معرض " توهٌجات "  وفق رؤى مختلفة حول البلور، مُستندات إلى تقنيات البلور المنفوخ، البلور المنصهر، والتشكيل الحراري، في حوار بصري يحتفي بانكسارات الضوء وشفافية المادة في تصلبها و رقيق معدنها لتنحت من وهجها الفنانات تمثلات من الاحاسيس و التقلبات عاكسة بذلك قدراتهنٌ بحُسن التحكم  في البلور عند الإنصهار أو الإنكماش فتطوٌِع أناملهنٌ ما تيسٌر من تعبيرات انثوية مخصوصة أو تداعيات نفسية تحمل بين طياتها قضايا انسانية و مواقف من تقلبات العصر الجديد بلمسات واعية بتقنيات ونواميس اللعبة التشكيلية برغم صعوبتها. 


                           الكاتب: جلال باباي.



((الأَََماني الضَّاله..)) بقلم.. الشاعر /هادي مسلم الهداد/

 ((الأَََماني الضَّاله..))

=====***=====

على جَمرِالغَضَا أودَعتُ

أَزمِنَتي

فَفَارقتُ الأَماني

والتَّمنّي


فَمَا جَادتْ مَعي الآمالُ

 حُسنَا

ولا زَاحَتْ ثَقيلُ الظّلِ

عَنّي ! 


فَآلفتُ الحياةَ بَلا 

 تَجَنّي

وآنَستُ الكرَامةَ فَهيَ

مِنّي


وهَل للطيبِ في الدّنيا

رفَيقٌ؟!

عَجيبٌ طَبعُ مَن يَسعَى

تَجَنّي


هي الآمالُ في غَفوٍ

 سُباتٍ 

أُسَائلُ نَائِماً كم خَابَ  

..ظَنِّي ! 


فَلا أَبدَتْ ليَ الأحلامُ

 زلفَى  

سوى نَزرٌ  يَسيرٌ لَم

يَعِنّي ! 


فَلا وصلُ الزّمانِ على

يَقينِ

ولا وصلُ الرّجاءِ سوى

تَأَنِّ ! 

..

بقلم..

/هادي مسلم الهداد/

البحر الوافر



العِشقُ قاسِ إن طُلِب بقلم الكاتب ربيع عبدالظاهر

 العِشقُ قاسِ إن طُلِب

.....................

إنّ الذين عاشوا 

حياةَ العشقِ

 أصابهم سَهمَ التّعب 


إيّاكَ ترقصُ يوماً

على جناحِ الهوى

ثم تسألُ للجراحِ عن سبب


نارُ الرحيلِ إن هاجت

أفسدت ما كان ذكرى

والعشقُ قاسِ إن طُلِب


قالت:ماذا ستفعلُ إن مِت ؟

قلتُ سأُعلِن للحياةِ أنّهُ

لم يبقَ في العلومِ طِبْ


قالوا : تداوى من هواكَ

قلت : كيف وقد بُليتُ

وصِرتُ مجنوناً بدقاتِ قلب


ربيع عبدالظاهر



يا عاديَ الضَّبْح بقلم الكاتب عماد الخذري –

 يا عاديَ الضَّبْح


جَمالُكَ يُغنِي عن كلِّ وَصْفِ

ودَلالُكَ يُغري مع كلِّ وَصْلِ


حَباكَ اللهُ بأكملِ حُسنٍ

يا عاديَ الضَّبْحِ في كلِّ حقلِ


يا فَرَسًا يَعْدو كجُلمودِ صَخْرٍ

يُبْهِرُ العُيونَ في كلِّ فَصلِ


سَلوا التاريخَ عن كلِّ نَصرٍ

كنتَ في الحرب صاحبَ فَضلِ


وفي الخيلِ آياتٌ من الصبرِ

يَحارُ في سِرِّها أُولو العَقْلِ


وللوفاءِ ضَربٌ من المَثلِ

لكلِّ جوادٍ فيها كرامةُ أَصلِ


عيونُ المُهرِ تفيضُ من الحُسنِ

كأنَّ في أهدابِها سنابلَ السهلِ


ولِعُرفِها تدلّى على الصدرِ

كوشاحٍ ازدان من بعدِ صقلِ


وصهيلُ الخيلِ في كلِّ وَغًى

يُثيرُ حميّةَ كلِّ فحلِ


يا سابقَ الريحِ أطوِ الثرى

وكُنِ في السبقِ سيّدَ الحفلِ


عشقتُ ركوبَك في الصبا

وددتُ صحبتَك عند الكَهْلِ


بقلمي: عماد الخذري – 

تونس فى 03/12/2025



ذاكرة المكان بقلم الكاتب محمد مجيد حسين – سوريا

 ذاكرة المكان

 

هل المكان عالم متكامل ؟وهل يملك البًنى القادرة على استِعاب وتخزين التصورات التي تصبح ذكريات لم يكن الغارق في ملكوت الماضي جزءاً منها ؟وهل الإنسان يتغذى من ذ اكرة المكان والتي تُعد مصدر الأفكار وتاريخ الافتراضي لتنمية الحنان والتناغم المؤثر والمسند بدوره على جملة من الأفكار التي تشكل النسيج الذي تتكون منه شخصية الإنسان ؟

هنا سنبحث عن أوجه التقارب والخلاف مابين ذاكرة مخزنة لجملة من الأحداث .وأخرى تستسيغ وتتصور الكثير من الأحداث عبر منظومة هائلة من التراكيب والتي تصل إلى ما يشبه أحياناً المقاطع الوثائقية والتي قد تترسخ في الأذهان وقد تمر على الذاكرة مرور الكرام وفقاً لدقة العمل والرابط بين الشخوص الذين يعدون أعمدة ذلك الموقف إضافة إلى جملة من المواقف التي تتصل ومن مسافات مختلفة مع مركز الذي يًكون زوايا  المشهد أو بصيغة أخرى للشخصية أنماط ولكل نمط ذاكرة تختلف عن قريناتها وبنسب متفاوتة وقد نستطيع تلخيصها بما يلي .أولاً مساحات الرؤى لدى الشخص أي الفضاء الفكري الذي يستند عليه في قراءاته .ثانياً ثقافة الحياة التي تنشط آلية عمل الذاكرة .ثالثاً أهمية الذكريات في سلم الأولويات .

ذاكرة المرآة . 

تعمل الذاكرة وفق مخطط قد  يكون دقيق البنية أو متخبط الرؤى وهي أي الذاكرة تشبه المرآة وهي تُفعل في حال وقوف المرء أمامها وحسب الدوافع التي قادته لمواجهة ظاهر الذات ومن جهة أخرى جاهزية المرآة أو بصيغة أخرى المناخ العام  الحاضن للمشهد . المرآة شكل من أشكال مراقبة الذات .وكذلك الذاكرة التي وحسب (فرويد ألهو أي الباطن ) هي التي تُفعل آلية رسائل الموجهة من الخارج والتي تسمى وفقاً لفرويد الأنا حيث الحواس وأما الجزء الثالث وحسب فرويد أيضاً هو الأنا الأعلى وهي التي تعد المراقب حيث الضمير الذي يعمل على خلق التنظيم بين الهو والانا . وبهذا الآليات يتم عمل الذاكرة وآحياناً يحدث ما يشبه التشبيك مابين المكان والذاكرة حيث الأحاسيس والحنين المستمدة من المكان فحتى الجوامد تحتفظ بجزء من أرواح هؤلاء الذين ملؤا أو حتى مروا بالمكان وعندها يتم ما يشبه الحوار ما بين المرء من جهة والمشاعر المخزنة في ذاكرة المكان ويتم البدء بعملية العزف الذهني أو بصيغة أخرى إعادة الملفات المهملة .


وإذا أخذنا بعض الأمثلة على عمل الذاكرة من خلال ذاكرتي .

فهناك بقايا البيت الذي كان شاهداً على ولادة أمي وطفولتها وصباها .هذا المكان لا يبعد عن مكان ولادتي وإقامتي  سوى بضعة عشرات من الأمتار أي أني كثير المرور بهذا المكان ومع ذلك لم أفقد سخونة اللقاء به رغم أني لا أتذكر ولو بأي شكل صورة أمي ورغم ذلك كلما مررت بهذا المكان تتجدد الصور والأحاسيس المزودة دوماً بالدموع من جهة وبالفخر الممزوج بالحسرة من جهة أخرى ولن أبالغ إذا قلت بأني مدين لهذا المكان .

وإذا أخذنا مثال آخر على ذاكرة المكان التي تستطيع أنتاج صور جديدة رغم قدم آلية تفعيلها فهناك مكان آخر كان وعلى مدار عقود مركزاً لأحد فروع الأمن على سبيل المثال فكلما مررت بقرب ذلك المكان أتألم وكأني قضيت أوقات طويلة في هذا المكان وآحياناً أحس بتدني منسوب الكرامة لدي رغم أني لم أدخل هذا المكان .كل ما في الأمر هو حديث الناس عما يجري عادة للمعتقلين خلف تلك الجدران .

وبالإضافة إلى الأمثلة السابقة سنأخذ مشهد من أيام الطفولة وعلى وجه الخصوص تلك المتعلقة بالمدرسة حيث المكان ذو البعد المختلف ففي ذلك المكان كانت بداية نمو الإدراك أو ما يسمى بالمعرفة الحسية لدى الطفل ورغم أن المكان قد تغير ولم يبقى منه سوى بقايا أطلال ومع ذلك مازال مشهدُ جلوس التلاميذ في الصف بكافة التفاصيل  محفوظاً في ذاكرتي رغم المسافة الزمنية وتفرق الزملاء .

هذا هي ذاكرة المكان التي قد تسعف الباحث عن المشاهد الشبه المفقودة . كل الأماكن تملك أسراراً أو جزءاً منها لكنها بحاجة  إلى من يُفعلها أو يرغب في ذلك .فالإنسان عالم نستطيع أن نصفه أحياناً بسلس وفي أحايين أخرى بالكائن الأكثر تعقيداً .

وإذا انتقلنا إلى جانب أخر من مكنونات الذاكرة في حال التغيير الكامل في جسم المكان أي  ثمة حاجز مانع للرؤية من مختلف الزوايا ورغم ذلك تعمل الذاكرة  وتستحضر المكان بشكله السابق ولكن بحالات نادرة وحسب الحالة النفسية .فالحنين للماضي يأتي على الأرجح أما في حالات الوعي والراحة وهي تكاد أن تكون شبه مفقودة وأما الحالات الأخرى فهي في حالة الضعف  وهي تكثر أثناء الصدمات وفي حالات التفرد بالذات .وفي الأمثلة  المذكورة هناك مواصفات غاية في الدقة في حال توفرها قد تكون إمكانية إعادة المشاهد الممكنة وهي قوة الذاكرة التعلق الشديد بالماضي وأهمية الحدث وقرب المسافة الزمنية .

الذاكرة علم بحاجة إلى دراسات عميقة   للوصول إلى صورتها الحقيقة .لطالما بحث الإنسان عن المفقودات منذ القدم فالموجودات لا تشبع ظمأ الذات وكما ذكرنا وبحسب فرويد ألهو أي الباطن هو النواة التي تقود عملية تفعيل الذاكرة وهي بدورها تجد تتمتها في ذاكرة المكان والزمان .

   محمد مجيد حسين – سوريا



لي اللّه بقلم الكاتب رشيد بن حميدة _تونس

 لي اللّه

*****************

صوتي مبحوح

وتلعثم يعطٌل لساني

 وحروفي مرتعشة

ونفسي تثير أشجاني


خطوي متردّد

وأصداء تربي أوهامي

وروحي متوثّبة

وفكري يربك إقدامي


فهل تُراني

على شفا حظّ سعيد

أم تُراني على شفا جرف

يعيق بلا وجل أقدامي


لي اللّه الحليم

يهدهد روحي وفكري

يبدّد بكرمه سأمي

ويسدّد بحكمته سهامي

*******************

رشيد بن حميدة _تونس

في5_12_2025



**رجاء لا تبتسم** بقلم الكاتب: الأستذ عبد الستار الخديمي-تونس

 **رجاء لا تبتسم**


حين يبتسم لك نادل المقهى 

تردّ التحيّة بأحسن منها 

وتنسى أن تخبره بأن مذاق القهوة ساء

وفقدت أنوثتها المتبرّجة

ولم تعد تلك المشتهاة حين صفاء الذّهن .. ورونق المساء

تشربها على مضض وتمضي 

وتقطع شرايين النشوة فيك 

وتقلع عن حمّى الرغبات 

وما تفعله فيك الشهوات 

فالقهوة شهوة 

والحبّ ابتلاء 

والشعور بالنشوة امتلاء 

وأنت تمرّ ببصرك على صفحات الوجوه 

تلك التي طمست ملامحها 

صارت كإسفلت الطريق 

مسودّة ..

مغبرّة ..

تجتهد لتبقى .. 

عناوين مرور 

ومحطات يتيمة للعبور 

وجه حبيبتك ما يزال يحتفظ ببعض النّضارة 

وابتسامة جريئة أحيانا كطعم الصنّارة 

وآثار تجميل سطحيّ 

فارغ كفراغ العبارة 

ولكنّك تقابل الضدّ بالضدّ

وتقلب المشهد من المرح إلى الجدّ

فتنسلّ في صمت من نفسك 

وتجاري برودة الموقف 

ولكنّك لن تكون أبدا حبيبها 

الطقس شتويّ بارد 

يحثّ مجامر الاشتياق 

والنفوس مكلومة بسيوف النّفاق 

كلّ الصور مشوّهة في المرايا

كسراب الصحارى 

والفارس الأبيض حلم الصّبايا 

ودهاء شهرزاد الحكايا

أيها النادل 

كفاك ابتذالا 

وأعد لي مذاق القهوة التي ألفتها 

وأحسست بوجودي حين عرفتها 

فعوّضتني زيف العالم 

بحلم أبدي لا ينتهي.


بقلم: الأستذ عبد الستار الخديمي-تونس



هل للمكان ذاكرة ؟ بقلم الكاتبة هادية آمنة تونس

 هل للمكان ذاكرة ؟

ليس المكان جدراناً فقط، بل طبقة من الإشارات التي لا تُرى، تلتقطها الذاكرة كما تلتقط الأصابع نبضاً خفياً فوق جلد الزمن. فحين ندخل بيتاً ما ونشعر بانقباض مبهم، لا يكون ذلك صدفة؛ فالدماغ يقرأ ما تخفيه الزوايا: رائحة خانقة، ضوء خافت، أثر توتر قديم، صدى أصوات مرّت ثم اختفت. إشارات صغيرة، حسيّة في ظاهرها، لكنها تُحدث في الداخل موجة تشبه خوفاً قديماً. وفي المقابل، هناك أمكنة تفتح صدر الإنسان بمجرد خطوته الأولى؛ يكفي أن يتسلل ضوء دافئ من نافذة، أو تفوح رائحة خبزٍ أو وردٍ، ليزول ثقل الأيام. وهنا ينهض السؤال: هل تفاعل الذاكرة مع المكان محدود بما تدركه الحواس فقط؟ أم أن هناك منطقة أعمق، مورائية، يتجاوز فيها العقل حدود الضوء والهواء، ليُصغي إلى شيء يشبه الصمت المضمَر؟ كأن المكان يخبّئ في داخله تاريخاً من المشاعر، فنلتقطه دون أن نعي كيف. وهكذا يبقى الإنسان واقفاً بين عالمين: عالمٍ يرى فيه بعينه ما حوله، وعالمٍ آخر يلمسه بقلبه، حيث تتلامس ذبذباته مع ذبذبات المكان، فتتكوّن تلك اللحظة الغامضة التي لا نعرف لها تفسيراً واضحاً، لكننا نعرف يقيناً أننا شعرنا بها.

هادية آمنة تونس



الأحد، 7 ديسمبر 2025

هكذا شعري بقلم الكاتب عبد الكريم يوسفي

 [ هكذا شعري ما من بيت إلا هو زهرة من قصص السيرة ، أو مسحة من عطر آية ، أو أثر من حديث ، أو سارية مسجد أو هندسة من محاريبها ، أو نسمة من نسائم المدن التي فتحها الغزاة ، صرخة ثائر في ضمير أمة فقدت قائد رشد ليعيد مجدها .

هكذا شعري عصي الفهم إلا على من انحنى ظهره على كتاب ، وأبعد النظر ] 

ـٕـــــٕ

محاصر داخل مدينة 

تحصنت من الدجل 

اكتفيت عن كل السبل والأسفار 

أرخيت أنساغ الترحال 

واستروحت لظل متعب 

من خطاي 

تحت زخات كلمة هي إرثي الوحيد 

من صيحات الأنبياء 

يحاصرني السدى الذي يمشي رافعا رايات مشتتة على غير هدى 

غزاة كثر يحيطون بأسوارها ليس فيهم أحد غريب ..

تحاصرني الأنفاس و العيون و الأسماع التي سقطت عليها كلماتي كأنها صخرة صماء 

تعلو أسوارك كل يوم و توضع الأقفال 

على كل باب من أبوابك معلقة جبة نبي 

وملك لا يزال رافعا حربته لا يمل

ممتلئ بالفراق بالرحيل 

ممتلئ بآواخر السـُوَرْ بنهايات البيان و التأويل بزخرف القصور 

لا استرواح إلا تحت ظل شجرة 

أو داخل جذع 

أو حفرة حفرتها الملائكة لطموح انتهى طموحه عند رمية حجر من بيت المقدس 

أو حِجْرٍ طاهر 

أو ربضة في طريق الصالحين 

أو أمنية نبي في الرفيق الأعلى 

أو صيحة علي في باقر كباقر الناقة 

 متعب سوى من شوق اللحاق بالمتعبين 

هكذا تبتدأ قصيدتي من غير إذن 

وتنتهي على غير موعد ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حيي عن بينة .

عبد الكريم يوسفي



مَجَادِلُ الشُّكر… لِسَادَةِ الحُروف بقلم الكاتب محمد كركوب الجزائر

 مَجَادِلُ الشُّكر… لِسَادَةِ الحُروف

بقلم محمد كركوب الجزائر


إلى الّذينَ شادوا صَرْحًا من ضِياء،


تَهتدي إليه رُوحُ الشِّعرِ في ليلِ المعاني،


إلى نُخبةِ الحكمة… حُرّاسِ الجَمال،


العارِفينَ كيف تُصاغُ الضّادُ


عِقدًا مُرصَّعًا فوق هاماتِ الزمانِ.


يا رِفاقَ الحَرفِ…


يا مَن نَقَشوا على صفحةِ الدهر


مَلامحَ الفكرِ الطّهور،


أنتم مُلُوكُ الأقلام،


و سلاطينُ ريشةٍ بَرِيئَةٍ مِن الزَّيف،


تَسكُبونَ من نَبض الأرواح


نَغمًا يُهذِّبُ الأرواحَ


و يُحيي في الصُّدور البذور.


لولاكم…


ما استعادَت لغةُ الضادِ مهابتَها،


و لا صافَحَ البيانُ رُقيَّ الفنون،


أنتم سُقاةُ حدائقِ الإبداع،


و أنتمُ النُّبلاءُ الذينَ آمنوا


بأنَّ الكلمةَ أمانةٌ


لا تُنالُ إلّا بصدقِ العقول.


هُم صُنّاعُ البَهاء،


يَغرسونَ في الدروبِ مَدارسَ نور،


و يُشهِرونَ في وجْهِ العَتمات


حُجّةَ الجَمالِ و دليلَ الضياء،


و يوقِظونَ في أعماقِ الإنسان


إنسانًا كان يَبحثُ عن إنسان


في عالمٍ تُثقِلهُ الظِّلال.


إليهِم…


يَنبَسِطُ شُكرٌ صادقٌ


يَفيضُ سَكينةً وامتنانًا،


نُرسِلُهُ لِكُلِّ قلمٍ نَثَرَ خَيرًا،


و لِكُلِّ ريشةٍ أنبَتَتْ جمالًا،


و لِكُلِّ رُوحٍ سامِقةٍ


رَفَعَتْ من قَدْرِ الإنسان.


فامضُوا…


فالفِكرُ عَرشُكم،


و الحَرفُ تاجُكم،


و الإبداعُ مِيثاقُكم،


و ستظلُّ الكلمةُ البيضاء


مِرآةَ العُلا…


و سُلَّمًا إلى السَّماء.


حقوق التأليف محفوظة



يا جيرة من خيرة العرب.. بقلم الشاعر نادرأحمدطيبة

 يا جيرة من خيرة العرب..........................

يا أهل  نهج الله في الحب

          يحبكم     يحبكم       قلبي

وتشتهي  روحي  مودتكم

            ففيكم   أسنى منى  اللب

لي أنتم زهر الربيع باسم

         في موسم الريحان والعشب

لولاكم  لولا    محاسنكم

         ما فتق  النسرين في الترب

ولا  أفاضت  نبعة  ماءها

          ولا سقاها   دافق  السحب

هيهات هيهات انشغالي بما

           سواكم  في البعد والقرب

هذا فؤادي   رهن   أمركم

           يا جيرة  من  خيرة  العرب 

فاض الهدى إليه من صوبكم

           فراح   عن   إشراقه  ينبي

يشعشع  التنوير  في  نخبة

           من خيرة الإخوان والصحب

يا أهل  نهج   الله    دينكم

            ديني المدى  وربكم  ربي

أشتاقكم شوق الزهور الندى

         وشوق أهل الشرب للشرب

ولست     بالساليكم     أبدا

          لا وانبعاث الرسل  والكتب

بكم   وقد   نحوت   نحوكم

     عاينت شرق الرشد في الغرب

آنست في طور السنا شهبكم

       فشمت حق الحق في الشهب

وحزت بالإخلاص  في  جنبكم

         مراتب الإخلاص في  الجنب

عرفت تأويل الحروف  عنكم

          ونلت في تفسيرها  إربي

وسحت في مصر العلا عاشقا

           ومغربا  بالسجن  والجب

وهائما    في صاع   عيركم

            مقتفيا    سيارة  الركب

لا زلتم شمس هدى مخلص

          يرى بكم  دوا شفا الكرب

رضاكم    مأموله   والرجا

           وغاية   العلاج    والطب

يفديكم   يفديكم     صبكم

        ماهبت الأنسام في القضب

جمالكم يصبي نهى  أهله

         ولب  ألباب  الورى يسبي

عليكم   منه  سلام عاطر

          مضمخ  بالنرجس الرطب

ما غردت في الأيك قمرية

          بصوت  لحن ساحر عذب

ورقرق    الماء    بينبوعه

           مغازلا   منابت  الدلب

وصانت العشاق أسرارها

        بكل ما في الحب من حب

وما أطل الصبح من عالج

        مفتقا    لواعج     الصب

كي يفرش الدرب لقصادكم

    بوردكم  في الجدب والخصب

......نفحة طيب لمسائكم الجميل. .....

محبّتي والطيب.......نادرأحمدطيبة



وصيّة أمي-الجنوبية بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 وصيّة أمي-الجنوبية-:

لملم شتيت الرؤى..وأرنو بشوقك إلى الشامخات..


الإهداء : إلى أمي التي أنجبتني في عتمات الفصول..وشمخت فوق زخات العذاب..حين أتاها الذبول..


حين تجوع يا إبني 

وتبكي

وينساب الدّمع على خديك

                          غضوب

لا تشدّ بجرحي وتشكو

حيفَ الزمان..

          وقحط الدروب

  وترنّم بعشق الليالي..

وعشقي

لإنبلاج الفجر 

على ربوع الجنوب

***

حين يهجع الثلج 

              تحت جفون المساء..

وينمو عشب الشوق..

         فوق العيون الدامعات..

يفتح الوجد للغرباء

               أحضانه

ويعزف القلب للصبح

                     أوتاره..

الخالدات

وتشرق في فيض القصيد..

الدياجي

          وتحتفي القوافي..

بعطر هذا البهاء

وتزهر من حولك الأمسيات 

التي قد توارت

وتصحو الرّوح 

           من غفوة الحلم..

والأمنيات

لملم شتيت الرؤى..

وأرنو بشوقك إلى الشامخات

وأطلق يديك..

تلامس أطياف ذاك المـــــــــــدى

حيث الهدى..

والتجلي

            ولا تبك دهرا..

مضى وتولّى

            فما بالتنمني..

يصاغ القصيد

       وينساب عطرا..

على القافيات..


محمد المحسن


*صورة الأم المرافقة للقصيد تعبيرية.



▪︎ أسمٌي الوردة... موشح عشق ▪︎ شعر : جلال باباي ( تونس)

 ▪︎ أسمٌي الوردة... موشح عشق

▪︎ شعر : جلال باباي ( تونس)
عُدتُ من دَربِِ بعِيد
إلى منضدة البيانو
أبحث لي عن وردة
عند منعطف يُمناها
مَن وَشٌحت جسدي الشاحب
بلحن غيمة ماء
من. الوريد... إلى الوريد
انحت ربيع سمفونية
طائشة بأصابع شحيحة
إلاٌ من نبيذ عنبها
لا تخشى
صهيل الخريف الشديد
عدت إلى أول الخرافة
أستعيد طفولة خطاي
قبيل ان تغتالني عزلتي
ارتق فوضاي بطين القصيد
ترى هل تصدق أغنيتها!
وترجع إلى قلبي النبض
بعد غفوة طالت منفاي
التهمني الرحيل
بتٌ مع الليل وحيد
أُسَمٌِي الوردة مُوشٌح عِشقِِ
لم تكتبه الدواوين
ارقبها تلك الإشراقة المُدَوٌية
ُتهَيٌؤني أوٌل الصٌَباح
مع العُشاق شهيد.
▪︎ ديسمبر ٢٠٢٥
________________________
° اللوحة للفنانة التشكيلية التونسية Peintre Jihene Zarraa جيهان الزراع.



السبت، 6 ديسمبر 2025

-اختتام الندوة العلمية :" الكتابة للأطفال و اليافعين .. الرهانات و الآفاق " بسوسة بقلم الكاتب الكاتب: جلال باباي

 -اختتام  الندوة العلمية :" الكتابة للأطفال و اليافعين .. الرهانات و الآفاق "  بسوسة     


   سعيا من القائمين على المكتبة الجهوية بسوسة لتناول امٌهات القضايا ذات العلاقة بأدب الناشئين انتظمت تحت إشراف  الإدارة العامة للكتاب  ( إدارة المطالعة العمومية ) بوزارة الثقافة ، يوم9 ديسمبر  بأحد النزل بالقنطاوي سوسة فعاليات  الندوة العلمية :9  الكتابة للأطفال و اليافعين الرهانات و الآفاق التي أقيمت بالتنسيق مع المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بسوسة و تنظمها المكتبة الجهوية بسوسة بالشراكة مع فرع اتحاد الكتاب التونسيين سوسة ، وحملت الندوة جملة من الجلسات العلمية الموزعة على ثلاثة فصول و انطلقت صبيحة يوم السبت بكلمة افتتاحية للأستاذة  جليلة عجبوني / المندوبة الجهوية للشؤون الثقافية بسوسة تلاها تدخلات كل من  الأستاذ العادل خضر رئيس اتحاد الكتاب التونسيين و السيدة فاتن بن عبد الله أمينة المكتبة الجهوية بسوسة ثم تلا الكاتب: أشرف القرقني / منسق الندوة ، الورقة العلمية لهذه التظاهرة الأدبية المهمٌة التي اشتغلت على راهن ومستقبل أدب الناشئة وللإتيان على ابرز المحاور  المرتبطة بالندوة و الإجابة على أهم الأسئلة العالقة ذات الصلة بادب الطفل انتظمت جملة من المداخلات العلمية حيث ترأس جلستها الأولى الأستاذ : سمير سحيمي وتضمنت مداخلة بعنوان :" علْم الصبيان و هم يلعبون" للأستاذ العادل خذر ثم مداخلة للأستاذة : منية عبيدي اهتمت بخصائص الكتابة للأطفال من منظور اللسانيات وعلوم التربية ، ليطرح بعد ذلك الأستاذ:  فتحي الخيري أسئلته: أيٌ طفل؟ أيٌ كتابة؟. أما الأستاذة : أميرة كرم فتحاضر في شأن : خصوصيٌة التلقي في أدب الطفل ودوره في تنمية المهارات المعرفية و الثقافية . لتشهد بعد ذلك الجلسة الاولى اختتامها بمداخلة الأستاذة صباح مبروك بعنوان:"أنواع القصة الموجهة للطفل ودورها في تربيته ".

إثر فترة النقاش . انطلقت اشغال الجلسة الثانية برئاسة  الأستاذ العادل خذر حاملة بين طياتها مداخلات كل من الأستاذة ؛ فتحية شويخ عبيشو بعنوان:" الكتابة لليافعين في ظل التحولات الراهنة " ثم تقدم الأستاذ : عادل عكرمي ليحاضر في شأن : الأدباء الناشئون و إشكالية التلقي و الإبداع ، تلته مداخلة الأستاذ: فاخر بن سعيد بعنوان:" تمثلات القيم الإجتماعية في أدب اليافعين  : قراءة في نماذج نصٌية منتقاة"  . ثم حاضرت الأستاذة: ريهام  العبيدي حول:" الرسم كلمة بصرية مؤسسة من إنتاج المعنى إلى بناء الخيال "، في حين طرحت الأستاذة منيرة الصالحي  السؤال في مداخلتها:" كيف نجعل الأدب ممتعا و مناسبا لاهتمامات  اليافعين اليوم؟ "

 هذا وشهدت الفترة المسائية انتظام الجلسة العلمية الثالثة برئاسة الأستاذة: منية العبيدي حيث قدٌَم الأستاذ أشرف القرقني مداخلة بعنوان:" هذه ليست وصفة أدبية أو كيف نكتب لليافعين ؟" و داخلت الأستاذة نجيبة بوغندة في موضوع:": الناشئة و الشاشات : أزمة قراءة أو ثورة رقمية!" أما الكاتبة: عائشة المؤدب فقدمت مداخلة بعنوان:" حوار الكلمات و الألوان: سحر الكتابة "    إثر فترة النقاش ، قام المشرفونن على التظاهرة بتكريم المتوجين في المسابقة الوطنية للمطالعة لتختتم بعد ذلك الندوة و تلاوة توصياتها .


                 

                ▪︎ الكاتب: جلال باباي



خذلان ... بقلم الشاعرة ..هدى الشرجبي .

 خذلان ...

خذلتني .

  خذلان أصابني منك  

إنه كالبركان يحرق ما تبقى 

عاث في روحي 

 ضاع الحرف مني ...

تاهت المعاني 

تناثرث شظايا ملهبه

في أزقة الوجع ....

وسياط الشوق نار 

والسطور عتمة 

احاول يا ئسة ان 

تطفيء نار أوجاعي

 كلمات من غيث حب 

تهت ونسيت خطواتي

 وعدد السنين .

فلا جدوى في بوح خواطري 

وكل الخواطر من زيفك

أصابها الأنين..

خذلتني ...

       و ماعادت تراك عيون قلبي. 

وفي القلب نبض حزين .

وانين لا يهداء و لا يستكين..

والبوح  يختلج الفؤاد 

  والفكر من خيال 

وبعض من ذكريات بعطرها أستعين....

أصبحت أراك في الجميع

 في حروفهم واسمائهم. .

وأقول أهذا انت أم ذاك..

 أو تلك الشذرة تعنيك أم أنها وهما أنت أهديتني إياه 

فيا ويح قلبي من قسوة قلبك المستهين. 

ما ذا أصابني والأنامل تصارع الإحساس تبحث عن قطرة حنين...

أيناك من عيون قلبي 

لا أعلم أكان هذا شك أم يقين. .

أجبرت  مرارا أن استدعي طيفك لأسرقك منه. 

وما أراك 

في القلب تسكن وتستكين. 

وأصبحت أهرب منك ..

وأنت من بدأت  الهروب 

أين تبريرك واعذارك أين إجابة ذاك السؤال إنه قيد الإنتظار  رهين ...

أذهلت حدسي بشتاتك .

          فتبا لأحساس قلبي 

     ولهذا الشك اللعين. .

خذلتني

              وما عدت أقوى 

   زفرة ترافق  النبض الحزين  ....

..هدى الشرجبي .الهدى

𝓐𝓛 𝓗𝓤𝓓𝓐



ياعين جودي بقلم الشاعره والاديبه وسفيرة السلام الجزائرية عقلية بلقاسم بعبوش

 ياعين جودي♕♕♕

يا عين جودي بالدمع على عزيز

له في ثنايا القلب أشواق

طال البعاد انقطعت أخباره

حتى أصبح الإنتظار لا يطاق

أصبّر القلب والروح تهفو

لرؤيته  من جديد والعناق

مالي والحياة دونه موحشة

رحل دون سبب

دون شجار دون خناق

لما جعلتني أهواك؟؟ 

أوهمتني أن لا أحد مثلك

حتى أدمنت عشقك

لا يمكنني العيش دونك

رميتني في شباكك

قيدتني بحبالك

أصبحت مثل جارية 

لأوامرك أنساق

أين الوعد؟؟ أين العهد؟؟ 

أين الإتفاق؟؟ 

جرّعتني سمّك القاتل

بالله عليك أعطني الترياق

لا تتركني للعذاب والتمني

إما أن تقترب أو بيني وبينك

الفراق


بقلمي أنا الشاعره والاديبه وسفيرة السلام الجزائرية عقلية بلقاسم بعبوش 🇩🇿🇩🇿🇩🇿



أوجعتني يا دهر بقلم الكاتبة سلوى مناعي

 أوجعتني يا دهر

لكن لن تكسرني


الضربة اللي ما تقصم الظهر 


ما تغيرني


ومهما يعم الظلم، ومهما يزيد القهر


و مهما الزمان يظلمني


محال غير الرضاء بالقدر


شيء يجذبني


أنا خلقت بلسم للجراح


فكيف الحزن يهزمني؟


ظننت أن في الصدق نجاة 


والكذب عندي سبة


 الذل ما يناسبني


عربية وبنت الضاد


تاريخي فخر وأمجاد


رضعته من ثدي أمي


تعاملي  بضمير


ولو خبيث ما تقربني


أنا ربيع من زهر وخضار


و للخبث مثل النار


تندم لو تجربني


نمد للسلام اليد


بغصن زيتون وحمام


و لو صار يوم الهد


تلقاني دوما من الأمام


ما كنت يوما


عدوي الظهر


و لا نقبل حياة القهر


أنا نور مثل الفجر


يطرد الأوهام والظلام


قلبي نظيف عفيف


و عقلي ما هو خفيف


يوزن جبال وعظام


نمشي في الحياة بثبات


و واثقة من الخطوات


محال الأيام تعثرني


 


و ما نحس البلاء وأوجاعه


ولا نكون كما شماعة


عليها تعلق العار


أنا صابرة ومحتسبة


و نصد الحزن بالبسمة


وللفرح دائما رسمة


نموت وما تأسرني


أوجعتني يا دهر اوجعتني


ممكن تراني نميل


لكن ما تكسرني


مثل جبل و نخيل


لو كنت ما تعرفني.


سلوى مناعي 🇹🇳



**((تَنازُلات)).. أحاسيس: مصطفى الحاج حسين

 **((تَنازُلات))..

أحاسيس: مصطفى الحاج حسين.  


أُعطيكِ الكونَ بأسرهِ  

مُقابلَ التفاتةٍ منكِ  

لَكِ السّماءُ  

وبِكلِّ ما تَزخَرُ من مَجَرّاتٍ ونُجومٍ  

وأقمارٍ وشَمسٍ  

وسُحُبٍ وندىً وحَمامٍ  

والأرضُ لَكِ  

وما عليها  

من مَحيطاتٍ وبِحارٍ  

وشَواطئَ  

ومَراكبَ وأشرِعةٍ  

وجَنائنَ ونَوافذَ  

ودَواوينَ أشعارٍ  

أُعطيكِ قوّةَ الموتِ  

وعُنفوانَ البَراكينِ  

وانفجارَ الزّلازلِ  

مُقابلَ  

أن تَقرئي اسمي  

في صفحةِ الحَوادثِ.* 


  مصطفى الحاج حسين.  

         إسطنبول



ياغافلا والعمر يمضي جملة. بقلم الشاعر كمال الدين حسين القاضي

 ياغافلا والعمر يمضي جملة.     

والقلب بين  خدائع الشيطان               

 أسرعْ إلى الطاعاتِ قبلَ غيابها

عندٰ الرحيلِ وملبسِ الأكفانِ


أجب النداء لصوت كل مؤذنٍ


واخشع لرب مالك الأكوان


إجعل ثيابك بالطهارة دائما


والقلب بين منازل الإيمان


كن للرفاق حماية ومعونة


وسبيل نور عند كل مكان


للخير أبذل كل جهد ناجح


في سائر الأحوال والأزمان


صل بالمودة كل خيط قرابة


وزيارة الأرحام والجيران


كن للفقير  قدوم خير مسرة


بالعون والأعطاء والإحسان


ما نال من دنيا الثواب شعيرة


من عاش بين ملذة العصيان


فالغد يأتي والرحيل مجهز 


والزاد نقص بالغ الخسران


رحم الإله تقاة جيل عابد


عرفوا الصلاح وشرعة الديان 


خشعت قلوب العارفين لربهم 


ولقاء رب مانح الغفران


رفع الحياء بكل قلب ضلالة


والنفس بين رغائب البهتان


بقلم كمال الدين حسين القاضي

من هو الكاتب الحق؟ (2) بقلم الكاتب طه دخل الله عبد الرحمن

 من هو الكاتب الحق؟ (2)

هو ليس ناقلا للكلام، بل خالقا للكون بحرفه.

هو ليس كاتبا على ورق، بل ناقشا على جبين الزمن بمداد الروح.

يأخذ من الصمت لحنا، ومن الفراغ ملحمة، ومن العدم وجودا.

هو الكاهن الذي يقيم قداس الحقيقة في هيكل الكلمة، والحارس الذي يرعى جمرة الوعي في ليل الغفلة، والمسافر الذي يعبر مفازة اللافهم  بقناديل الأسئلة.

يكتب ليبعث الحياة في ما يبس، وينطق الحجر، ويعلم الريح أنشودة  الجمال.

كلماته سهام نور تخرق ستور الظلمة، وبذر أمل ينبت في صحراء اليأس

الكاتب الحق هو من يجعل من الوحدة وطنا، ومن الألم سلما، ومن التشظي سيمفونية.

هو الذي إذا كتب، لم يسجل فكرا، بل أحيا قلبا، أو أشعل روحا، أو بنى  عالما.

إنه لا يختار الكتابة، بل تختاره الكلمة كمصير، فيصبو إليها كعاشق، ويجاهد فيها كمقاتل، ويخلد بها كشهيد.

لأن الكاتب الحق - في النهاية - هو صلاة لا تنقطع، وثورة لا تخفت، وحلم لا يموت.

يكتب لأن الوجود بدون كلمة.. صمت أبدي، والصمت بدون كلمة.. عدم.

طه دخل الله عبد الرحمن

البعنه == الجليل  

6/12/2025



صقيعُ النَّوَى. بقلم الكاتبة عائشة ساكري تونس

 صقيعُ النَّوَى.

بقلمي عائشة ساكري تونس 


ظلّلْ فؤادي

من صقيعِ النّوى..

واطلُقْ جناحيْكَ للرِّيحِ كيْ ننْجُوَ.

هذا "ديسمبر" الأصمْ

قد حلّ بأرضِنا..

و دِيارُنا عُرَات

ولا سقفَ يأوينا....

من يمّ الشتاء

قلوبُنا يا إلهي أَصْحتْ ثالجهْ

ونحنُ والبردُ سَوا

على طولِ المدى


ومع البردِ، تمتدُّ في صدورِنا

ندوبُ غيابٍ ما التئمت،

ونوافذٌ أُغلِقَتْ دهورًا

فما عاد ضوؤها يعرفُ إلينا طريقًا.


كأنَّ العمرَ يمرُّ على أطرافِنا

ثلجًا ثقيلًا،

وكأنَّ الريحَ تسحبُ ما تبقّى

من دفءِ الأمسِ الذي كنّا نعرفه.


ومع ذلك…

في العتمةِ جمرةٌ صغيرة

تتنفّسُ سرًا،

تحرسُ فينا ما نجا 

من الانطفاءِ، وتهمسُ:

إن يدًا تُمسكُ يدًا

قد تهزمُ ليلَ ديسمبر،

ولو كان أصمًّا لا يسمع نداء.


فإن طال الطريقُ بنا،

وبقيتِ الدنيا ثلجًا في ثلج،

سنمشي…

حتى يذوبَ الصقيعُ عن أرواحِنا،

وتعودَ لنا نافذةٌ واحدة

تضيءُ ما تبقّى من هذا المدى.


تونس 5_12_2025



من يرد لي حبيبة..يحطّ على راحتيها اليمام..؟! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 من يرد لي حبيبة..يحطّ على راحتيها اليمام..؟!

الإهداء: إلى تلك التي ما فتئت تصلي..كي لا تنال مني الأزمنة المفروشة بالرحيل..


زمان ردئ..

يتابعني في عواء السنين

ألوذ بقرنفلة..

تعبق بعطر الذكريات

يخاتلني عطرها 

            عند المساء..

وكان المسير..

وسايرت حزنَ البلاد..

التي أرهقتني خطاها

ومرّت قوافلها..

دون أن تردَّ عليَّ السلام

فعانقت حزني..

                    حد البكاء

وقد أورق الجدب

                 في القلب

وطوّفت بي..

غيمة في سماء الحنين

ومضَيت وحيدا..

        في ثنايا الجراح

ضاربا في وهاد المساء الكليل

علّني أعبر أدرانَ روحي..

ويفضي-بليلي الطويل-

              إلى جهة في البلاد..

تترفّق بي..

             تستردّ لي حبيبة..

يحطّ على راحتيها 

اليمام

تمسح على مقلتيَّ..

عناء الرّحيل

تعطيني منديلها المخمليّ

وعطرَ الأمان البرئ..

وباقةَ ورد..

تركتها ذات ربيع..

            إرثا إليَّ

تردّ شبابي..

وتنأى بجرحي..

عن القيظ..

والغادرين..

***

ها هنا..في هدأة اللّيل

      أرتّب أفكارَ نفسي

أهدهد الحزنَ..

          بهدوء اليتامى

وأطلّ من فوق..

من فوق سطح الحياة

على ما مضى من غبار السنين

وقد صرت وحيدا تماما..

ولا أحد..

أشكو إليه..

رسولَ الظلام الذي صرته

ربما..

أقول ربما..

كانت تنقصني حبيبتي 

   كي ترى وجعَ القلب..

لكنّها لا ترى..

كل هذا الذي يفضي

 إلى وجع القلب..!

أراني أسرج وَجدي..

وأعبر دربي

         مع العابرين


محمد المحسن



الجمعة، 5 ديسمبر 2025

_أُرْجُوحَةُ الرِّيحِ عَلَى أَعْمِدَةِ الجَفَافِ_ بقلم الكاتب بعلي جمال

 _أُرْجُوحَةُ الرِّيحِ عَلَى أَعْمِدَةِ الجَفَافِ_


فِي الحَيِّ الْأَثَرِيِّ


بُيُوتٌ يَقْطُنُهَا هَمْسُ المُدُنِ المَنْسِيَّةِ


وَنِسَاءٌ تَتَآكَلُ أَصَابِعُهُنَّ مِنَ الحَصَى


صِبْيَةٌ مَأْسُورُونَ دَاخِلَ مَخِيلَةِ الظِّلِّ


يَعْجِنُونَ مِنَ البَرَاءَةِ جَوَادًا


يُعَلِّقُونَ أُرْجُوحَةَ الرِّيحِ


عَلَى أَعْمِدَةِ الجَفَافِ


مَا لَهَا رَخْوَةَ جَدَائِلِ الأُرْجُوحَةِ؟


يَتَهَامَسُ الأَطْفَالُ


وَمَا لَهَا نَسَائِمَ الصَّبَاحِ


تَقْرَحَاتٌ؟


الشَّمْسُ فِي المَدِينَةِ تَتَجَوَّلُ عَارِيَةً


وَعَمُودُ التَّارِيخِ فِي السَّاحَةِ العَامَّةِ


يُسَجِّلُ خِيَانَةَ النَّبِيِّ…


يَقْرَأُ وَرْدَهُ هُنَاكَ


خَلْفَ الخَرَابِ


بِنَذْرِهِ


صَرَخَ بَهْلُولٌ: إِنَّهُمْ قَادِمُونَ


يَقْهَقِهُ الرَّجُلُ الوَاقِفُ عِنْدَ المُنْحَنَى


يُرَاقِبُ المُتَرَجِّلِينَ مِنَ الحَافِلَةِ


يُرَقِّمُ انْحِنَاءَاتِهِمْ


ثِقْلَ المَسَافَاتِ


تَكْتَفِي المَرْأَةُ التِي تَحْمِلُ


عِفَّتَهَا وَبَعْضَ الخُضَارِ


بِالسُّعَالِ…


يَتْبَعُهَا طِفْلٌ أَسْمَرُ


فِي عَيْنَيْهِ سِرُّ الرَّحِيلِ


أَسْرِعِ


تَنْهَرُهُ…


يَمْضِي الوَقْتُ


إِنَّهُ يَنْتَظِرُ


أَسْرِعِ


يُلَوِّحُ الطِّفْلُ بِسَذَاجَةٍ


لِهِرَّةٍ نَحِيفَةٍ، تَفْتَشُ فِي القَمَامَةِ


عَنْ بَقِيَّةِ طَعَامٍ…


رُبَّمَا سَبَقَهَا كَثِيرُونَ


كِلَابٌ


طُيُورٌ


رُبَّمَا بَشَرٌ!!!


مِنَ المُحْتَمَلِ


فِي مَدِينَتِي يَفْقِدُ الإِنْسَانُ


بَيْتَهُ، عَمَلَهُ…


مِعْطَفَهُ، حِذَاءَهُ


اسْمَهُ


حِكَايَاتِهِ


فِي مَدِينَتِي المُهْمَلَةِ


يُقْتَلُ التَّارِيخُ


وَتَجِفُّ أَوْرَاقُ الانْتِمَاءِ


بعلي جمال



قراءة نقدية كونية–إنسانية لنص الشاعرة سامية خليفة بعنوان الندم. بقلم الكاتب ابراهيم عثمان

 قراءة نقدية كونية–إنسانية لنص الشاعرة سامية خليفة بعنوان الندم، قراءة تستلهم المنظور الإنساني الكوني الذي يربط الجماليات باللغة، والأخلاق بالخيال، والذات بالعالم، وتضع النص في أفقه الوجودي والكوني والإنساني، دون أن تفقده خصوصيته الشعرية.

قراءة نقدية كونية–إنسانية لقصيدة "الندم"

1. مقدّمة: الشعر حين يتحوّل إلى شهادة كونية

قصيدة "الندم" نصّ ينتمي إلى الأدب الإنساني المقاوم، حيث يتحوّل الوجدان الفردي إلى ضمير جمعي يشهد على الألم، ويعيد كتابة المأساة بلغة تتجاوز المحلي لتلامس الوجودي والإنساني الكوني.

النص ليس رثاءً سياسياً، بل رثاء للإنسان في لحظة سقوط القيم، حيث يصبح الإبداع نفسه متّهماً: هل يمكن للفن أن يظل بريئاً حين يسقط الأطفال؟

بهذا السؤال تُدخلنا الشاعرة في محنة الضمير: الندم ليس شعوراً، بل موقف وجودي، وفضاء أخلاقي، ووجه آخر للحقيقة.

2. البنية الشعورية: من السماء المكفهرة إلى الإنسان المكسور

يفتتح النص بمشهد كوني متوتر:

السماء مكفهرة

البحر غاضب

الطيور كئيبة

هذه العناصر ليست ديكوراً، بل معادل موضوعي لحالة الضمير. الطبيعة هنا تتضامن مع المأساة، وتصبح مرآة داخلية للذات الساردة.

في القراءة الكونية، الطبيعة ليست خلفية بل شريكاً في الألم؛ إنها تشهد على جريمة واسعة بحجم العالم.

بهذا المعنى، تبدأ القصيدة من الأعلى (السماء) وتنحدر تدريجياً نحو الداخل (القلب)، ومن العالم إلى الذات، في حركة جمالية تشبه انكسار موجة على صخرة الوعي.

3. الندم كمعضلة أخلاقية–فنية: تأنيب الشاعر وخيانة الجمال

أقوى لحظة في النص هي لحظة مواجهة الذات:

«أعرف كم ابتعدت

عن مشهد المجازر…

كيف بريشة فنان جمّلت الموت بالألوان

كيف بقلم شاعر… غطّيت الجثث بالكلمات»

هنا يكشف النص سؤالاً عميقاً في أخلاقيات الكتابة:

هل يمكن للكلمة أن تظل جميلة في عالم يقف على حافة الخراب؟

وهل يصبح الفن خيانة حين يضع للموت إطاراً فنياً يحوّله إلى لوحة جميلة؟

وفق القراءة الكونية–الإنسانية، هذه اللحظة ليست نقداً للذات فقط، بل نقداً لكل مثقف وفنان وشاعر حوّل المأساة إلى مادة جمالية، أو اكتفى بوصفها دون أن يقف في وجهها.

إنّه سؤال عالمي موجّه إلى الإنسان الحديث:

هل أصبح الإبداع عزاءً يجمّل الجريمة بدل أن يفضحها؟

4. اللغة ككفن: حين تتحوّل الكلمات إلى غطاء للجثث

من أجمل وأقسى لحظات النص قولها:

«غطّيت الجثث بالكلمات»

في القراءة الإنسانية، هذا الاعتراف هو ذروة الوعي الأخلاقي.

الكلمة هنا تُعامل كنسيج، كقماش، ككفن، ما يجعل الشعر يدخل في منطقة حدودية بين الوظيفة الجمالية والوظيفة الأخلاقية.

اللغة، التي وُجدت للقول، تصبح أحياناً شريكة في الصمت.

وهذا ما يجعل الندم في القصيدة ندمًا كونيًا:

هو ندم لغة، وندم ثقافة، وندم إنسان وقف متأخراً أمام مشهد الألم.

5. الزمن الممزق: طولٌ لا يكبر إلا على الخراب

القصيدة تُقدم رؤية وجودية للزمن:

الليل يطول

الأخبار تطول

الفيلم الأميركي يطول

كل شيء يطول…

إلا عمر أطفال غزة

هذه المفارقة هي قلب النص.

هنا ينتصر البعد الإنساني الكوني: الزمن في مناطق الرفاه ينتفخ ويتمدّد بلا معنى، بينما الزمن في وجه القصف يُختصر إلى لحظات.

إنه نقد حضاري ووجودي في آن:

العالم يزداد طولاً، ولكن الإنسانية نفسها تقصر.

6. الشكل الفني: انكسار الجملة كتجلٍّ لانكسار الذات

القصيدة تعتمد على:

الجملة القصيرة المتقطعة

التوتر الإيقاعي

تتابع الصور

بناء مشاهد بصرية–وجدانية

هذا التفكك ليس ضعفاً بنيوياً بل مقصود، إذ يعكس تفكك الذات و تشظي الضمير.

القصيدة مكتوبة مثل أنفاس متقطعة، تشبه نحيباً أو اعترافاً في غرفة مظلمة.

7. البعد الكوني–الإنساني: غزة كمرآة العالم

تبلغ القصيدة ذروتها حين تحوّل المأساة الجزئية إلى إنذار كوني:

«عدا أعمار أطفال غزة

كم كانت قصيرة»

في القراءة الكونية، المكان لا يُقرأ كموقع جغرافي، بل كرمز:

غزة هي تمثيل للبراءة المطلقة المذبوحة، والإنسان المهدَّد، والضمير العالمي المنهار.

النص هنا لا يتحدث عن صراع سياسي، بل عن امتحان الإنسانية:

هل ما زال العالم يحتمل وجود أطفال يموتون بلا سبب؟

وهل يمكن للضمير أن يبقى سليماً بعد ذلك؟

8. خاتمة: القصيدة كنداء العودة إلى الإنسان

"الندم" ليست قصيدة في الندم فقط، بل في استعادة إنسانيتنا المفقودة.

إنها دعوة إلى العودة إلى الثوابت الأولى:

الصدق، الشهادة، مواجهة الذات، ومواجهة العالم.

ووفق القراءة الكونية–الإنسانية، القصيدة ليست مجرد نصّ، بل وثيقة أخلاقية تقول لنا:

الفن يجب أن يكون مع الإنسان، لا فوقه.

والشعر يجب أن يفضح الألم، لا أن يجمّله.

والضمير – مهما تأخر – يظل آخر حصون النجاة.


بقلم ابراهيم عثمان


النص 

الندم 


السماء مكفهرة

تشهد وقع المصاب

البحر غاضب 

لا يستطيع أن

يتمالك صخب الهدير 

الطيور كئيبة

تحمل معها فتات الأحزان

وتهاجر 

القلوب تتحطم

الآن أسمعُ النشيج 

فقلبي عاتب على ذاتي

يحترق ندما

أعتنقُ الوحدةَ  ملاذا ومهربا 

اليومَ  اجثو على ركبتي الندم

ذليلا كسير الفؤاد

أتلظى بجمر العذاب

أعرف كم ابتعدت

عن مشهد المجازر

 أعرف كيف بيدين باردتين

رسمت سورا يداري قسوة الأحداث 

 كيف بريشة فنان جمّلت الموت بالألوان 

 كيف بقلم شاعر يبحث عن المجاز

 بالخيال 

ألبست القصائد استعارات

غطّيت الجثث بالكلمات   

غطيت بها وجه المساغب

وبالأحمر أشبعت اللوحات

ثقلا فلسفيا

زينة تتدرج بالألون

يناديني الندم

 بصوت مكتوم الصرخة

يحول الصوت إلى قصيدة 

 مبتورة 

من يسمع الآن انفجار صوت الندم

كم الليل معه يطول 

 كم الغربة معه تكبر

كم المكان معه ينمحي

يتقوقع

يأخذ شكل جنين

سجين

والسجن لوم كبير

ينوح كما 

الأم الثّكلى

الليل لا ينتهي

نشرة الأخبار تطول 

تنافس بطولها

الفيلم الأميركي 

كل شيء يطول

ويكبر

عدا أعمار

أطفال غزة

 !كم كانت قصيرة

 

سامية خليفة/ لبنان