حين تسبق الموعظةُ القدوة
ليست الكلمات هي التي تغيّر الناس،بل الصدق الذي يسكنها.فكم من خطبةٍ بليغة انتهت بانتهاء صداها،وكم من موقف صامت ظلّ يعلّم الأجيال لأن صاحبه عاش ما كان يدعو إليه.فالموعظة لا تكتسب هيبتها من ارتفاع المنبر،وإنما من تواضع صاحبها،ومن قدرته على أن يكون أول من يطبق ما ينصح به الآخرين.
من السهل أن نحدّث الفقراء عن الصبر،وأن نوصي المعدمين بالزهد،وأن نطلب من المنهكين القناعة بما قسم لهم.لكن الأصعب هو أن نشعر بوطأة الجوع التي يذوقونها،وأن نلامس بأيدينا قسوة العمل الذي يرهق أجسادهم،وأن نرى العالم من نوافذهم الضيقة لا من شرفات الرفاه.
هناك من يستيقظ قبل الفجر،لا ليخطب في الناس عن فضائل الصبر،بل ليواجه يوما جديدا من الكدح..يحمل أدوات عمله تحت شمس لا ترحم، ويعود آخر النهار بجسدٍ أنهكه التعب،وراتب لا يكاد يسدّ حاجات أسرته.!
هؤلاء لا يحتاجون إلى دروسٍ في الاحتمال،لأن حياتهم نفسها أصبحت مدرسة للصبر،ودفاترهم اليومية مكتوبة بعرق الجباه لا بحبر الأقلام.
إن المجتمع لا يفتقر إلى كثرة الوعاظ بقدر ما يفتقر إلى شجاعة مواجهة الحقائق..يحتاج إلى من يرفع صوته دفاعا عن المظلوم،لا إلى من يطالبه بالصمت..يحتاج إلى من يتحدث عن كرامة العامل،وعن حق العاطل في فرصة تحفظ إنسانيته،وعن العدالة في توزيع الثروات،وعن محاربة الفساد،والرشوة،والمحسوبية،وكل ما يزرع اليأس في النفوس ويهدم الثقة بين المواطن ووطنه.
فالدين،في جوهره،ليس كلمات تُلقى،بل قيم تُمارس.والصدق لا يُقاس بجمال العبارات،وإنما بمدى انسجامها مع السلوك.لذلك فإن أعظم رسالة يمكن أن يحملها صاحب المنبر أو صاحب المسؤولية هي أن يكون صوته امتدادا لفعله،وأن يشعر الناس بأن من يخاطبهم يعرف أوجاعهم، ويقف إلى جانبهم،لا فوقهم.
إن الشعوب لا ترفض النصيحة،لكنها تنفر من الازدواجية.ولا تكره الموعظة،لكنها تتألم حين ترى الهوة تتسع بين ما يُقال وما يُفعل.فالقدوة الصادقة تبني الثقة،أما التناقض فيُفقد الكلمة أثرها مهما بلغت فصاحتها.
وفي النهاية،يبقى الإنسان أكثر استعدادا للإصغاء إلى من يشاركه همومه،لا إلى من يكتفي بوصفها. فالكلمة التي تخرج من قلب يعرف معاناة الناس تبلغ القلوب قبل الآذان،أما الموعظة التي لا يسندها العدل ولا يزكيها العمل،فإنها تتلاشى مع أول سؤال يطرحه المظلوم: من يسمع وجعي قبل أن يطالبني بالصبر؟!
وفي الختام أؤكد أن الأمم لا تنهض بكثرة الخطب،بل بصدق الضمائر،ولا تُداوى جراح المجتمعات بالمواعظ المجردة،بل بإقامة العدل، وصون الكرامة،وإنصاف الإنسان.فحين يصبح المنبر صوتا للحقيقة لا صدىً للامتيازات،وحين يلتقي القول بالفعل،تتحول الكلمات إلى نور يهدي، لا إلى ضجيج يتبدد في الهواء.وسيبقى الناس يوقّرون من يحمل همومهم قبل أن يعلّمهم، ويثقون بمن ينزل إلى ميادين المعاناة قبل أن يدعوهم إلى الصبر،لأن أبلغ المواعظ ليست تلك التي تُقال،بل تلك التي تُعاش.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق