حين يصبح النشر تجارة..من يحرس بوابة الإبداع..؟!
ليس كل ما يُكتب يستحق أن يُنشر،وليس كل من امتلك قلما صار مبدعا.فالإبداع الحقيقي ليس تراكما للكلمات،بل هو قدرة على ملامسة الوجدان، وإثارة الفكر،وترك أثر يبقى بعد انطفاء الحروف. لذلك فإن ازدهار حركة النشر لا يعني بالضرورة ازدهار الثقافة،إذ قد تتحول كثرة الإصدارات إلى عبء على المشهد الأدبي عندما تغيب المعايير ويصبح المال هو الحكم الأول والأخير.
لقد باتت السوق الثقافية في كثير من الأحيان تعج بدواوين شعرية وروايات ونصوص لا تمتلك الحد الأدنى من المقومات الفنية والجمالية،لا لأن المواهب قد نضبت،بل لأن بعض دور النشر تخلت عن رسالتها الثقافية،واستبدلتها بمنطق الربح السريع.فأصبح النشر متاحا لكل من يملك القدرة على الدفع،بصرف النظر عن قيمة النص أو جودته، حتى غدا القارئ حائرا بين أعمال متميزة تستحق الاحتفاء،وأخرى لا تضيف إلى المكتبة سوى المزيد من الورق.!
ولا يتحمل الناشر وحده مسؤولية هذا الواقع، فبعض الكتّاب والشعراء المبتدئين يستعجلون الظهور،ويظنون أن إصدار كتاب هو شهادة بالتميز، بينما الحقيقة أن الإبداع يحتاج إلى صبر طويل، وقراءة عميقة،وتجارب متراكمة،ونقد صادق قبل أن يرى النور.فالكاتب الحقيقي لا يسابق الزمن إلى المطبعة،بل يسابق نفسه نحو النص الأفضل.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار لفكرة التقييم العلمي والأدبي قبل النشر،من خلال لجان متخصصة تضم نخبة من النقاد والأكاديميين والمبدعين،تكون مهمتها قراءة المخطوطات وإبداء الرأي فيها وفق معايير واضحة تحفظ حرية الإبداع،لكنها في الوقت نفسه تصون الذائقة العامة من الإسفاف والضعف.فمثل هذه اللجان لا ينبغي أن تكون أداة للإقصاء،بل جسرا لتقويم التجارب الواعدة،وتشجيع النصوص الجادة،ورفع مستوى المنتج الثقافي.
إن حماية المشهد الأدبي ليست مسؤولية جهة واحدة،بل هي مسؤولية مشتركة بين الكاتب والناشر والناقد والقارئ والمؤسسات الثقافية. فحين ترتقي معايير النشر،يزدهر الإبداع الحقيقي، ويجد أصحاب المواهب الأصيلة المكانة التي يستحقونها،بينما تتراجع الأعمال التي لا تقوم على أساس فني متين.
وفي النهاية،فإن الدفاع عن جودة الكتاب ليس حربا على المبدعين الجدد،ولا دعوة إلى إغلاق أبواب النشر،وإنما هو دفاع عن قيمة الكلمة، وهيبة الأدب،وحق القارئ في أن يجد بين يديه عملا يثري عقله وروحه.فالثقافة لا تُقاس بعدد الكتب المطبوعة،بل بعدد الكتب التي تستحق أن تبقى.وإذا أردنا لمشهدنا الأدبي أن يظل مشرقا ونقيا،فعلينا أن نجعل الجودة بوابة النشر،وأن يكون الإبداع وحده هو جواز العبور إلى ذاكرة الأدب.
وفي النهاية،لا يُبنى المجد الثقافي بكثرة العناوين التي تزدحم بها رفوف المكتبات،وإنما يُبنى بالنصوص التي تنبض بالحياة،وتُنير العقول،وتبقى شاهدة على صدق أصحابها.فالكلمة أمانة قبل أن تكون مطبوعة،والإبداع مسؤولية قبل أن يكون شهرة أو وسيلة للربح.وإذا أردنا أن نحفظ للأدب هيبته وللشعر مكانته،فلا بد أن نُعلي من قيمة الجودة،وأن نعيد الاعتبار للنقد الرصين،وأن نجعل من النشر رسالة لا تجارة،ومن الكتاب أثرا يبقى،لا سلعة تُباع وتُنسى.فالتاريخ لا يخلّد كثرة الكتب، بل يخلّد تلك الصفحات التي استطاعت أن تُغيّر إنسانا،أو تُوقظ ضميرا،أو تُضيف إلى الجمال معنى جديدا..
وفي الختام،يبقى الأدب رسالة قبل أن يكون صناعة،والكلمة ضميرا قبل أن تكون حبرا على الورق.وما يخلّد الكاتب ليس عدد ما نشر،بل صدق ما كتب،وما تركه في وجدان القارئ من أثر لا تمحوه الأيام.فحين ينتصر الإبداع على التجارة، تستعيد الثقافة هيبتها،ويظل الكتاب منارة تُضيء العقول،لا مجرد عنوان يعلوه غبار النسيان.!
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق