الاثنين، 6 يوليو 2026

"العصفور العجوز" بقلم: الأديب المصري د. طارق رضوان جمعة

 "العصفور العجوز"

بقلم: الأديب المصري

د. طارق رضوان جمعة


أنا العصفورُ العجوز  

أقفُ على غصنٍ يابس  

وريـشـي  

تـنـاثـرَ  

لا لـكَـثـرةِ الـتـحـلـيـق  

بـل  

لِـكَـثـرةِ الـتـخـذِيـل  

والإحباطِ  

والصدماتِ  

والدهشاتِ


 ١

كنتُ أشرعُ بابي  

خمسينَ عاماً  

لكلِ طارقٍ  

وأقول:  

تفضل  

هذا قلبي  

وهذا وطني


وظننتُ الآيةَ عهداً:  

`{وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا}`


 ٢

فإذا بهم  

على العتبةِ وقوف  

يتفرجون


فريقٌ دخلَ  

بعينٍ ترتابُ  

تفتشُ في شيبي


وفريقٌ دخلَ  

بعقلٍ يرتابُ  

ينقبُ عن عيبي


وفريقٌ دخلَ  

ليأكل  

فلما شبع  

مسحَ فاهُ في عرضي  

وانصرف


٣

_وأذكرُ جارتي العجوز_  

همستْ منذُ ثلاثينَ عاماً:  

"يا بُني  

من يأكلُ خبزكَ  

سيعودُ ليكسرَ عكازك"


فضحكتُ  

وقلتُ: محال


ثم دارَ الزمن  

فصدقَ قولها


كلُ معروفٍ بذرتهُ  

في خمسينَ عاماً  

عادَ إليَّ  

جمراً  

رماداً  

وانحناءةَ ظهر


 ٤

ومع ذلك  

ما استطاعوا هدمَ  

ما غرسهُ أبي وأمي  

فيَّ


شببتُ  

وأنا أعجنُ  

قلباً أبيض  

للغرباء


وكانت عينايَ  

سراجاً للحيارى  

وكان عقلي  

متكأً للمنهكين


 ٥

كانوا أسخياءَ  

في اللدغ  

وبخلاءَ  

في الحنو


ما كان في أكفهم  

حبٌ يوهب  

كانوا فقراء  

إلى الرحمةِ حتى


يبتسمونَ لي  

بأنيابٍ صفر  

حتى تقضى حاجتهم  

ثم يبصقون


 ٦

_وما أوجعني_  

أني لم أتقن  

فنَ الدناءةِ  

لأصونَ شيبي


_وما أدمـاني_  

أني وقفتُ يوماً  

أمامَ المرآة  

فرأيتُ  

وطني الكبير  

قد غدا  

عصفوراً  

واهـناً


٧

_وما أنهكني_  

أني  

أداري انكساري  

عن أولادي  

كي لا يروني  

طيراً مهيضَ الجناح


وأكتمُ عبرةً  

عن زوجتي  

كي لا ترى  

أن الوطنَ  

ينتحبُ في الخفاء


واليوم  

وأنا في الخمسين  

أواري وجعي عن أمي  

خشيةَ "كبرت"


وأواري وجعي عن أبي  

خشيةَ "أضعتَ عمرك"


ثم أكتب  

لتتمشى أحزاني  

فوق القرطاس  

عـاريـةً  

بـلا حـيـاء


وأنت... أيها القارئ  

كم جرحاً حصدتَ؟  

وكم نَدبةً وسمتكَ؟  

وكم خيبةً خبأتَ في جوفك؟


أم تراني  

أنا المنكوبَ الأوحد  

في صحراءِ القلوب؟


 ٨

ومع كلِ ذلك  

أنا بخير


أرى  

وأصمت  

وأرفعُ أمري  

إلى من أحصى للعصفورِ العجوز  

على الغصنِ اليابس  

كلَ ريشةٍ  

سقطت  

من خيبة


حسبيَ الله  

نعمَ الوكيل  

نعمَ المولى  

ونعمَ النصير



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق