ابن الهرمة... أو كيف يصبح القانون فخاً
بقلم الأديب المصري
د. طارق رضوان جمعة
المقدمة
يا صاحب الأذن الواعية...
اسمع... وتخيل
"ابن الهرمة" كلمةٌ إذا مرّت، وقف القلب. أهي تاجُ فخرٍ؟ أم طوقُ عارٍ؟ أهي حيلةُ ناجٍ؟ أم دليلُ ساقطٍ؟
اسمع الحكاية... ثم فتّش في صدرك عن الجواب. فالتاريخ لا يصرخ... التاريخ يهمس. ومن كان له قلبٌ... سمع.
الأول: شاعرٌ باع هيبته... واشترى سكره
الحاكم: أبو جعفر المنصور - الخليفة العباسي
صاحب القصة: إبراهيم بن هرمة - شاعر الحجاز
كان إبراهيم بن هرمة... لسانٌ فصيحٌ، وبيانٌ صحيحٌ، وشعرٌ خُتمت به القصائد.
خاتم الشعراء كما قال الأصمعي، وبديع المولدين كما قال الجاحظ.
غير أنه كان عبدَ راحٍ، وأسيرَ قدحٍ. صاحبُ سمرٍ للخليفة أبي جعفر المنصور، وأنيسُ ليله.
فكلما سكرَ... قبضه العسكر. وكلما قبضوه... صحا الخليفة فعفا.
حتى ضاق صدر المنصور، فقال: "احتَلْ، أو انحَلْ".
فعاد ابن هرمة بصكٍ عجبٍ:
"من أمسك ابن هرمة سكراناً، جُلد مائةً، وجُلد ابن هرمة ثمانين."
فصار العس إذا رأوه يتمايل، صاحوا: "من يشتري الثمانين بالمائة؟... من يشتري الوجع بالوجيعة؟"
فغلبت الحيلةُ الحدَّ... وغلب الهوى الشرعَ... وصار اسمه مثلاً يُضرب.
الثاني: والٍ سقى الأرض هيبةً، فأنبتت أمناً
الحاكم: زياد بن أبيه - والي البصرة بأمر معاوية بن أبي سفيان
ذاك زياد بن أبيه... داهية العرب، وسوط معاوية بن أبي سفيان.
دخل البصرة فوجدها غابةً بلا أسد، وسوقاً بلا ميزان.
فصعد المنبر عارياً من الحمد، فسموها "البتراء". وقال قولاً فصلاً، كالسيف إذا انسل: "من أحرق قوماً أحرقناه... ومن نقب بيتاً نقبنا عن قلبه... ولي فيكم صرعى كثيرة."
ثم أعلن: حظرٌ على الليل، وسجنٌ على الطريق. فأمسكوا أعرابياً قال: "ضلت عنزتي". قال: "صدقتك... وصدقك سيفك".
فصار الليل في البصرة يخاف من ظله. فسكنت البصرة بالهيبة لا بالإرهاب، بالأمن لا بالظلم... لأن الخوف سبق الجريمة، والردع سبق الدم.
الثالث: خليفةٌ ربط الطلاق بزواجٍ أشد
الحاكم: هارون الرشيد - الخليفة العباسي
جاء رجلٌ إلى هارون الرشيد يشكو: "أطلقها". ولا بينةٌ، ولا برهان.
فقال الرشيد: "طلقها... وتزوجها أنا". فارتجف الرجل، وقال: "بل أبقيها... وأصبر عليها". فعقدةٌ بعقدةٍ فُكّت... ونارٌ بنارٍ أُطفئت.
الرابع: فاروقٌ أوقف السيف بالرحمة
الحاكم: عمر بن الخطاب - أمير المؤمنين، الخليفة الراشد الثاني
في عام الرمادة، والبطون خاوية، والجلود لاصقة.
جيء بسارقٍ إلى عمر بن الخطاب.
فقال الفاروق: "لو سرقت من جوعٍ، لقطعت يد عمر قبلك".
فعطل الحد... وأقام العدل.
لأن فراسة الحاكم أن يفرّق بين سارق الجوع، وسارق الطمع.
الخامس: مأمونٌ حوّل الكأس إلى كأس مديح
الحاكم: المأمون - الخليفة العباسي
دخل عليه فقيهٌ سكران.
قال: "لم سكرت؟"
قال: "من حديثك سكرت... لا من خمرك".
فضحك المأمون، وألبسه العفو تاجاً. فالبليغ يحوّل التهمة إلى منقبة... والذنب إلى مدحة.
السادس: خليفةٌ أفرغ بيت المال في الناس
الحاكم: عمر بن عبد العزيز - الخليفة الأموي
عمر بن عبد العزيز لما فاض بيت المال، كتب لعماله: "اقضوا دين الغارمين، وزوجوا العزاب، وأعينوا أهل الذمة على أرضهم".
ففعلوا... وبقي مال. فقال: "تتبعوا الفقراء حيث كانوا".
فما وجدوا فقيراً.
فراسته: أنه لم يجعل المال كوماً يُنظر إليه، بل جعله دماً يجري في عروق الرعية.
فمات الفقر قبل أن يموت.
السابع: قاضٍ جعل من نفسه خصماً
الحاكم: علي بن أبي طالب - أمير المؤمنين، الخليفة الراشد الرابع
القاضي: شريح بن الحارث
جاء علي بن أبي طالب يخاصم يهودياً على درع.
فقال شريح القاضي لعلي: "يا أمير المؤمنين، البينة على المدعي".
فلما لم تكن لعلي بينة، حكم بالدرع لليهودي.
فقال اليهودي: "والله هذا قضاء الأنبياء! أمير المؤمنين يذهب معي إلى قاضيه فيقضي عليه؟ أشهد أن لا إله إلا الله..."
فراسته: أن القانون لا يعرف تاجاً على الرأس. فكسب علي رجلاً، وكسب الإسلام ألف رجل.
الخاتمة 🎻
يا قارئ الربابة... اسمع الختام
أبو جعفر المنصور مع ابن هرمة = فراسةُ من فرَّ بنفسه... فباع هيبته.
زياد بن أبيه = فراسةُ من حكم بغيره... فاشترى هيبته.
هارون الرشيد = فراسةُ من ربط العقدة... فحلّ العقدة.
عمر بن الخطاب = فراسةُ من رقَّ للقلب... فأقام العدل.
المأمون = فراسةُ من سقى الكلمة عسلاً... فصارت بلسماً.
عمر بن عبد العزيز = فراسةُ من أفرغ المال في الناس... فامتلأت القلوب.
علي بن أبي طالب وشريح = فراسةُ من جرّد السيف من التاج... فانتصر الحق.
فانظر في مرآة التاريخ...
هل أنت ممن يفتش عن ثغرةٍ في القانون؟ أم ممن يكون هو القانون إذا مشى؟ أم ممن يرفع الرحمة فوق السيف إذا حكم؟
والفخ واحد...
أن تظن أنك فوق القانون... فيصبح القانون حفرةً تحت قدمك.
فإياك أن تنصب لك قانوناً... فينصب لك فخاً.
المراجع
---
على أوتار: الأغاني للأصفهاني، وتاريخ الخلفاء للسيوطي، والبداية والنهاية لابن كثير، والعقد الفريد لابن عبد ربه، وكتاب الأموال لأبي عبيد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق