الأحد، 5 يوليو 2026

(صراع…). قصَّة قصيرة. بقلم الكاتبة ليلى عبدالواحد المرّاني.

 (صراع…). قصَّة قصيرة.

ليلى عبدالواحد المرّاني.


أكنتُ أعيش كابوساً أم حلماً جميلاً؟ ثلاث ليالٍ أصارع الأرق، ما حدث لا أستوعبه، ولا أصدّقه، حين سألتني أمي والدموع تترقرق في عينَيها: (هل أنتِ موافقة يا بنتي؟)؛ وضعتُ رأسي على كتفها وبكيت، بكل حرقةٍ بكيت… بكيت ضياعي وحيرتي؛ بل ربَّما بكيت فرحتي التي لم أصدّقها.

أجبت بصوت يختنق: دعيني أفكّر، يا أمي، أحتاج بعض الوقت.

- لكن اتّخذي القرار الصحيح، معتزٌّ شاب رائع ومن عائلة محترمة، تتمنّاه كل فتاة. 

- أعرف، وأنا أحترمه.

لم أقل أنا أحبّه؛ بل أعشقه بكل جوارحي؛ لكنْ- لكنْ ماذا؟ - هتف صوت حانق جريح في رأسي: (أختي، هبة، تحبّه ومجنونة به... هبة لا تزال مراهقة صغيرة، وقد أحبّت قبله الكثيرين، وتركتهم، وهي سعيدة وتشعر بالزهو).

الأفكار تتقاذفني، أجد نفسي ضائعة بين الحلم والحقيقة… أحاسيس عنيفة كالزلزال أو الموت، وزوبعة من الكلمات والعواطف المتناقضة والأفكار المتضاربة تضجّ في رأسي، تتجمّع عواطفي وتتكاثف، تهدّد بالانفجار، أحاول كبحها؛ فلا أتمكن؛ كيف أصدّق ما حدث فجأة ودون مقدمات؟.

أختي هبة، التي تصغرني بست سنوات، جميلة جدّا حدّ الذهول، ولدتها أمي بعد يأس ومحاولات عدة فاشلة للإنجاب، فكان مجيئها حدثاً هامّا في العائلة، استحوذت على حبّ واهتمام الجميع بعينيها الخضراوين وشعرها المنسدل، سبائك ذهبية تحيط بوجهها الجميل، ورُكنتُ أنا في زاوية الإهمال والنسيان؛ بل أصبحت مسؤولة عن كل ما يخصّها من رعاية واهتمام.

 لم أشعر بالغيرة تجاهها؛ بل كانت سعادتي حين أراها تلعب بمرح، وتملأ البيت برنين ضحكاتها البريئة، معظم اهتمامي انصبّ على دراستي، كنت متفوّقة دائماً، والتحقتُ بكلية الهندسة.

لم أنتبه إلى السنين التي سرقت مني نضارتي وحيويتي، أنظر بإعجاب إلى هبة التي أخذت تهتمّ بمظهرها ومكياجها المبكر، وحين تسألني بسذاجة: (لماذا لا تضعين شيئاً على بشرتك الشاحبة؟)؛ أضحك وأسألها: (مثل ماذا؟).

- قليل من المكياج، أحمر… أخضر… برتقالي.

تنفجر ضاحكة حين تراني أتلمّس بشرتي الجافة.

- وأنتِ، لماذا لا تهتمّين بدروسك؟

تضحك هازئة، وتبتعد عني وهي تصفّر.

ما أشدّ وطأة الظلام في عينَيّ هذه الليلة! كأنني أغرق في عتمةٍ من الذكريات المؤلمة التي تجمّعت الآن في رأسي الذي أحاول أن أخبِّئه تحت وسادتي… أأنا سعيدة أم مشتتة وغير قادرة على لملمة شتاتي؟ الصور تتلاحق أمامي، ووجه أختي الذي احتقن، وانفعالها وهي تقفز غاضبةً، باكية حين قالت أمّ معتز: (يُشرّفنا أن نطلب يد خلود لابننا معتزّ).

ذُهلتُ، ارتجفتْ يداي، وكادت الصينيّة، التي أحملها وعليها أقداح العصير؛ تسقط من يدي.

معتزٌّ شابّ وسيم من عائلة كريمة، ألتقي به في رحاب كلية الهندسة التي تجمعنا معاً… نتبادل التحية وبعض الكلمات، ألجأ إليه أحياناً حين يستعصي عليّ شيء من دروسي؛ فقد كان يسبقني بمرحلتين، عائلته كانت تسكن قريباً منّا، وتربطنا بهم علاقة طيبة، إلى أن انتقلوا إلى حيّ آخر.

هبة تحدّثني عنه كثيراً: (هو يُحبّني بجنون... سوف يتقدّم لطلب يدي). أبتلعُ ريقي مرّاً كالعلقم.

 - لكنَّكِ لا تزالين صغيرة، يا هبة، حتى أنك لم تكملي المرحلة المتوسطة بسبب فشلك المتكرّر. 

تضحك من سذاجتي… وأتألم من غبائي وأنا أفكّر بهذا الشاب الذي أحمل له مشاعر عنيفة، ربَّما لم يشعر بها يوماً… حتى كان ذلك اليوم.

- ستأتي عائلة معتزّ لزيارتنا اليوم. قالت أمي بحزم.

- أتمنى أن تُحسنا استقبالهم.

وأحسنَتْ هبة استقبالهم، ارتدت أجمل ما عندها من ملابس، مكياج ثقيل طلت به وجهها… عطرها انتشر في أرجاء البيت، وأمي تنظر لها بحبّ وفخر، فهي طفلتها الجميلة المدلّلة… أمّا أنا فكانت الأوامر تصدر لي بحزم: (خلود، حضّري العصير، ثم الشاي والكيك، ولا تنسي أكواب الشاي الجديدة التي تليق بعائلة معتز).

- حاضر

هذا كل ما كنتُ أردّ به على أوامر أمي التي تصدرها لي فقط وهي تنظر إلى هبة بكل حبّ ورضا. اعتدتُ ذلك؛ لكنَّني هذه المرة أردت أن أُرضي أنوثتي وأظهر بما يليق أمام معتزّ وعائلته، وأمل يخفق في صدري أن تكون الزيارة المفاجئة هدية يُخبّئها القدر لي، ثم أتذكّر هبة وأحلامها الجامحة، وفرحتها التي تزغرد في عينَيها.

في الليلة الرابعة من الأرق والصراع، سألتني أمي وقد فاض الكيل بها: (خلود، لا يمكن أن نترك عائلة معتزّ تنتظر أكثر، سأطلب من والدك أن يتحدث معك).

هنا كان (المطبّ) الذي لن أستطيع التخلص منه… خرجتْ أمّي من غرفتي وهي تُدمدم، لم أفهم ماذا كانت تقول، شيء واحد أفهمه الآن، يجب أن أتّخذ قراري، فوالدي صارم لا يحبّ المماطلة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق