الأحد، 12 يوليو 2026

وجوه في زحام بقلم: أ. حسناوي سيلمي

 وجوه في زحام

بقلم: أ. حسناوي سيلمي


في تلك الحواضر الممتدة كأفواج السديم، حيث يلتهم الإسفلت الظمآن خطى العابرين، وتحتدم حركة الأجساد في دوران أبدي كطواحين الفناء، تقف المدينة كشاهد أخرس على تراجيديا الوجود اليومي. "وجوه في الزحام".. ليست مجرد ملامح تتقاطع في ممرات المترو المعتمة أو أرصفة الشوارع التي غادرتها الشاعرية، بل هي جزر سديمية معزولة تطفو فوق محيط متلاطم من البشر؛ كل جزيرة تحمل تاريخاً منسياً، ودمعة جفت قبل أن تسقط لتتحجر في مآقي الروح، وحلماً تآكلت أطرافه تحت وطأة الطحن اليومي للعيش.

كان يحيى يقف عند زاوية الميدان الأكبر، يراقب ذلك السيل البشري الذي يتدفق كأنه نهر من النسيان. في ذلك الصباح الخريفي الملبد برائحة الاحتراق والقهوة الرديئة المعتقة بالأسى، لم يكن يرى أجساداً مادية، بل كان يرى أرواحاً هلامية مثقلة تعبر نفق الوقت الضيق. كان يسأل نفسه بسوداوية وجودية: "كيف للمرء أن يكون محاطاً بكل هذا الصخب الكوني، ويظل في الآن ذاته كائناً غريباً، كأنه نُفي من الجنة وحيداً، ليولد ويموت في قوقعة عزلتها في كل لحظة؟"

التفتت عيناه نحو اليمين، فرأى الوجه الأول: امرأة أربعينية، تلتحف معطفاً رمادياً باهت اللون كفنّ مسبق للأمنيات، تمشي بخطى وئيدة كأنها تجر خلفها خيبات جيل بأكمله. ملامحها لوحة تراجيدية خطّها الشقاء بإزميل قسوتِه؛ عيناها غائرتان، تنظران إلى العدم لا إلى الطريق، كأنها تبحث عن زمن سُرق منها في غفلة من وعيها. في يدها حقيبة جلدية مهترئة، تقبض عليها بضراوة الخائف، كأنها تقبض على ما تبقى من رماد كرامتها في عالم مادي لا يرحم الانكسار. كانت هذه المرأة تجسد أيقونة الفناء البطيء في محراب التضحية؛ امرأة عاشت تهب النور للآخرين حتى انطفأت قناديلها الداخلية، ونسيت كيف تتلمس الدفء، والآن تعبر الصخب كطيف هارب من مقبرة الذكريات، لا أحد يلتفت إلى انكسار قامتها، ولا أحد يسألها عن الغسق الذي احتل المساحة تحت جفنيها. هي زهرة برية نبتت في شق جدار إسمنتي بارد، تذوي وتتبخر دون أن يلحظ العابرون غياب عطرها.

وعلى بُعد خطوات قليلة، ارتطم به وعاء قلق من الإنسانية، الوجه الثاني: شاب في مقتبل العمر، يرتدي سماعات أذن ضخمة، يحتمي بموسيقاها الصاخبة من جيوش ضجيج المدينة، أو ربما يتخذ منها درعاً واقياً يمنعه من سماع صوته الداخلي المرعوب. كان يهرول، يسرع الخطى كمن يطارد سارباً من السراب الوجودي. عيناه تشعان بريقاً هلعاً، مزيجاً من الطموح المبتور والخوف الأزلي من المجهول. هذا الفتى كان يمثل ذروة الاغتراب السيكولوجي للجيل الجديد؛ جيل يملك آلاف الأقنعة والصلات الافتراضية في فضاءات الوهم، لكنه لا يجد يداً دافئة واحدة تمسك بيده حين تهتز تحت قدميه أرض الحقيقة. كان يركض صعوداً خلف عقارب ساعة يدٍ لا ترحم، يبيع ربيع عمره الغض في أسواق الوظائف الجافة كالقفر، ليشتري في نهاية المطاف عبودية مقنعة يسمونها زوراً "الاستقرار". وجهه كان يصرخ بالأسئلة الفلسفية المعلقة في سقف السماء: "من أنا في هذا القطيع المتجانس؟ وما جدوى الهرولة إذا كانت كل الدروب، مستقيمة وملتوية، تؤدي حتماً إلى المقبرة ذاتها؟"

ثم تباطأ السيل قليلاً ليفسح مجرى لعمق الوجود، ليتجلى الوجه الثالث: شيخ طاعن في السن، يجلس على صندوق خَشبي نخرته الأرضة عند حافة الرصيف، يبيع مناديل ورقية لتجفيف دموع لم يعد أحد يملك الوقت لبكائها. وجهه لم يكن سوى خريطة حية لتضاريس المدينة وتاريخها؛ التجاعيد الغائرة في جبهته كأخاديد الأرض تحكي قصة بيوت هُدمت، وأحبّة رحلوا في قطار الموت، وزمن جميل تشوهت ملامحه النقية تحت بيلدوزر العصرنة. كانت عيناه هادئتين هدوءاً مخيفاً كسطح بحيرة عميقة، وهو هدوء من تصالح تماماً مع فكرة العبثية والعدم، وعلم يقيناً أن هذا الزحام ليس سوى مسرحية هزلية سوداء تتكرر كل صباح بوجوه مستعارة جديدة. لم يكن ينظر إلى المارين بعين الاستجداء، بل بعين الشفقة الكونية؛ شفقة العارف الحكيم على صغار يركضون ويظنون أنهم سيخلدون في هذه الدنيا، بينما هم في الحقيقة مجرد أوراق شجر يابسة تذروها ريح الوقت بلا هوادة.

وقف يحيى في بؤرة هذا المشهد السريالي، وشعر فجأة برعشة وجودية تسري في أوصاله كتيار كهربائي بارد. أدرك في تلك اللحظة التنويرية أن الزحام ليس تجمعاً فيزيائياً للبشر، بل هو جدار سميك من الصمت الكثيف المقنع بالضوضاء الزائفة. كل وجه يمر به هو مخطوطة قديمة مغلقة، رواية كاملة حُكم عليها ألا تطبع، صرخة مكتومة في فضاء كوني أبكم لا رجع لصدى الأصوات فيه.

إن المأساة الفلسفية الكبرى لا تكمن في كوننا نعيش في حواضر مأهولة بالملايين، بل في أننا حوّلنا الكينونة الإنسانية إلى مجرد أرقام صماء في معادلات الاقتصاد، ومسخنا الملامح الفريدة إلى ظلال باهتة لا هوية لها. صرنا نرى بعضنا البعض كعقبات مادية تعيق تقدمنا الشخصي، لا كشركاء روحيين في رحلة الوجود السريعة نحو الفناء.

أغمض يحيى عينيه لثوانٍ، مستنشقاً غبار العابرين، وعندما فتحها، سلّم نفسه للتيار الجارف واندمج في الزحام. صار وجهاً آخر من تلك الوجوه المنسية، يغيب في الحشد الضبابي، يحمل سؤاله الوجودي الحارق ويمضي، تاركاً خلفه رصيفاً يائساً يشهد أن ملايين الأناسي مروا من هنا.. لكن أحداً منهم لم يلتقِ بروح الآخر.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق