العزلة التي أنقذتني
سيأتي عليك وقتٌ...
تكتشف فيه أن التعب لم يكن في الطريق، بل فيك أنت، في تلك النسخ الكثيرة التي وزّعتها على الناس حتى لم يبقَ لك منك إلا ظلٌّ شاحب يتبعك بصمت.
سيأتي عليك وقتٌ تغلق فيه أبوابك لا خوفًا من العالم، بل خوفًا من أن تضيع أكثر وأنت تحاول النجاة داخله.
ستجلس أمام نفسك كما يجلس الغريب أمام مرآةٍ قديمة، تحدّق طويلًا في الخراب الذي سمّيته صبرًا، وفي النزيف الذي سمّيته قوة، وفي الأحلام التي دفنتها حيّة كي تُرضي ما لا يستحق الرضا.
لن ترغب في شرح شيء لأحد، لأن بعض الأوجاع تفقد معناها حين تُقال، وبعض الانكسارات أكبر من أن تتسع لها اللغة.
ستطفئ كل الأصوات، وستبقى وحدك... مع ذلك الضجيج العالق في أعماقك، ضجيج السنوات التي مرّت وأنت تؤجل نفسك كأنك آخر أولويات الحياة.
ستدرك فجأة أن أكثر ما أنهكك لم يكن خذلان الآخرين، بل خذلانك المتكرر لقلبك، كل مرةٍ قال لك: كفى... فقلت له: اصبر قليلًا.
وكل مرةٍ سقط، فطلب منك يدًا، فقدّمت له المزيد من الأحمال.
سيأتي عليك وقتٌ تصبح فيه النجاة أعظم من الانتصار، ويصبح السلام الداخلي أغلى من كل المعارك التي ربحتها.
لن تكره الناس، بل ستتعب منهم، من الوجوه التي تعبر روحك دون أن تراها، ومن العلاقات التي تشبه غرف الانتظار، ممتلئة بالحضور... فارغة من المعنى.
ستنسحب بهدوء، كما تنسحب الشمس من آخر النهار، لا غضبًا، ولا عقابًا لأحد، بل لأن روحك لم تعد تحتمل هذا القدر من الضوضاء.
ثم... بعد ليالٍ طويلة من مواجهة نفسك، وبعد أن تبكي الأشياء التي لم تبكها يومًا، وتدفن النسخ القديمة منك واحدةً تلو الأخرى،
ستجد في أعماقك شخصًا لم يمت رغم كل شيء.
شخصًا ظل ينتظرك خلف الركام، خلف الخيبات، وخلف كل الطرق التي أضعت فيها عمرك.
وحينها فقط... ستفهم أن العزلة لم تكن هروبًا، بل نجاة.
وأن الأبواب التي أغلقتها يومًا لم تكن في وجه العالم، بل كانت تحرس ما تبقّى منك.
وأنك حين ابتعدت عن الجميع، كنت تقترب للمرة الأولى من نفسك.
وحين احتجت نفسك أكثر من العالم... كانت تلك العزلة التي أنقذتك بقلم (خالد عجيبه).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق