الخميس، 9 يوليو 2026

جحود في خريف العمر: حين يغزل الأبناء كفن النسيان لآبائهم بقلم: وليد سعيد الأثوري

 ​جحود في خريف العمر: حين يغزل الأبناء كفن النسيان لآبائهم

___________________

​ضحكاتنا، ابتساماتنا، شغفنا، وألعابنا.. كل ما كنا نتمناه كان يسعدهم، ويفرح قلوبهم المشتاقة لرؤية ضوء أحلامنا في نواصي مناغاتنا وبكائنا طوال الليل، بينما يسهرون هم لنرتاح نحن! إن مرضنا تعبت أرواحهم كمداً علينا، وإن نامت أجفان شقاوتنا هدأت أجسادهم المرهقة، ليأخذوا قسطاً قليلاً من الراحة التي تغازل عيونهم الممتلئة بصورنا، تلك الصور التي لا تفارق مخيلتهم أبداً.

​عندما كبرنا وصرنا آباءً، شدّنا ذلك الشعور، وأدركنا ما عاناه الآباء والأجداد من أجلنا لنكون في قمة السعادة، ولو كان ذلك على حساب حيواتهم وسعادتهم، متذكرين في كل لحظة عظمة التوجيه الإلهي الذي قرن عبادته بالإحسان إليهم حين قال تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}.

​فيا لكبار الغابة المنسية في حياتنا اليومية! هل هي قسوة قلوبنا؟ أم هو اللامبالاة بما قدموه لنا من زهرة حيواتهم، فنحن قد تناسيناهم بغمضة عين!

​إنه جرم كبير يطال هذه الفئة الغالية من الناس؛ أن نتغافل ونغفل عن دور الآباء والأجداد، والأعمام والعمات، والخالات، والإخوة والأخوات، ممن ضحوا بأعز ما يملكون لأجل أن نعيش بأمان وحرية وسعادة دائمة. إن مما يحز في النفس ويُدمي الفؤاد، أن ترى الإهمال واللامبالاة من الأبناء والأحفاد تجاه كبار السن، بتركهم يصارعون بقية أعمارهم بمفردهم في بيوت مهجورة، وغرف مظلمة، وجيوب فارغة، وأجساد نحيلة يقتاتون العوز والفاقة من أيادي الوهم وعيون الحرمان؛ متناسين هدي النبي صلى الله عليه وسلم وتأكيده على مكانة هؤلاء حين قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا».

​وفي المقابل، ينام أبناؤهم وأحفادهم على أسرّة من خيال، ومطابخهم مكتظة بكل ما لذّ وطاب من المأكولات والمشروبات، بينما أولئك الكبار بأمسّ الحاجة لقوتهم اليومي! غصة تخنق العبارات في حلق الواقع المرير، لمشاهد مبكية لآباء وأجداد يسامرون الظلام وخفافيش الوقت، مدثرين بأحلام شاخت، وأمانٍ اندثرت كمبانيهم الآيلة للسقوط في أي لحظة.

​أي قلوب نحمل؟ وأي مشاعر نعيش بها وهم على هذه الحال في آخر العمر، يصارعون قرقرة الجوع ببطون خاوية، مربوطة بصبر دموعهم النازفة، ووجوههم الشاحبة المكسوة بغبار التوسل لمن يعيلهم؟

​صور مخفية وقصص محزنة تنشر هنا وهناك لعدة حالات؛ أبناء يذهبون بآبائهم إلى دور الرعاية بكبار السن، معللين ذلك بأنهم مصابون بالخرف وألزهايمر، والنسيان الذي لا يطيقه الأبناء وزوجاتهم! أيعقل هذا؟ أن تترك أباك وأمك، جدك أو جدتك وحيداً يرعاه غريب في دار العجزة، وهو من تعب وعانى وسهر، وباع كل ما يملك لأجلك؟ هو من ابيضّ شعر رأسه، وأُنهِكت عيناها، وصار يلبس أردأ الملابس لأجل مواصلة تعليمك، وحتى لا تشعر بالحقارة بين زملائك في مقعدك الدراسي بالمدرسة أو الجامعة؟

​تجازيه بتركه في أيام هو بأمسّ الحاجة فيها لرؤيتك أنت وأبنائك؛ محتاجٌ أن يشمّ عِطر أيامك، وأن يداعب شعر صغارك، لكنك تجازيه بإيداعه دار العجزة، أو تتركه لغياهب النسيان يعارك بقية العمر وحيداً مع قطط الحي وكلاب الحارات، التي يسقيها الماء لتكون بجوار الباب تؤنس وحشته في أحلك الليالي! أين هؤلاء من التحذير النبوي الشديد الشديد الذي يرويه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ»، قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: «مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهُمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ».

​أي ضمير نحمل؟ وعن أي إنسانية نتحدث وكبارنا مهجورون في أماكن لا يتخيلها عقل ولا يقبل بها منطق؟ ينامون بلا دفء الأبناء ولا حنان الأحفاد. وعندما يموتون، نذرف دمعات حزن مستعارة، تنتهي مع إشراقة شمس يوم جديد نتقاسم فيه تركة هذا "المنسي"؛ الذي جاع وربط على بطنه الحجر ولم يفرط بأرضه وماله لأجل أن نعيش بكرامة بين الناس، لكننا فرطنا بحقهم، وبطاعتهم، وبخدمتهم، وبصحتهم، غير مبالين بعقاب الله لنا في الدنيا قبل الآخرة، وقد علمنا أن العقوبة معجلة في الدنيا لهذا الذنب الشنيع، كما قال صلى الله عليه وسلم: «بَابَانِ مُعَجَّلَانِ عُقُوبَتُهُمَا فِي الدُّنْيَا: الْبَغْيُ، وَالْعُقُوقُ».

​إن أغلب كبار السن المنسيين من حياتنا يموتون في أماكنهم ولا أحد يسأل عنهم، حتى تزكم رائحة موتهم أنوف المارة وعابري الشوارع؛ لأن أبناءهم وأحفادهم مشغولون بجمع حطام الدنيا، تاركين حبل الطاعة على غارب المعصية وأطماع الحياة التي أعمت قلوبهم قبل بصائرهم التي يسيل لعابهم عليها، غافلين عن قوله تعالى المزلزل للمشاعر: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}.

​بقلم: وليد سعيد الأثوري

اليمن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق