الجمعة، 10 يوليو 2026

سيرة الجوع والتمرد: تفكيك خطاب العنف والهامش في "الخبز الحافي" لمحمد شكري بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 سيرة الجوع والتمرد: تفكيك خطاب العنف والهامش في "الخبز الحافي" لمحمد شكري

-" الرواية تعرّي الرغبات والسلطة والقهر الاجتماعي،وتدفع بالقارئ إلى مواجهة الواقع كما هو،بعيدا عن التجميل أو المواربة." محمد برادة- روائي وناقد مغربي.


-ليست "الخبز الحافي" سيرة جوع،بل معراج من العدم،لقد حوّل شكري عُريه المادي إلى عُرْي وجودي،فكانت كتابته صرخة مدوّية تكسر جمود صحراء القيم المتصلّبة..( الكاتب)


تُعد رواية "الخبز الحافي" (1972) للروائي المغربي الراحل محمد شكري واحدة من أكثر الأعمال الأدبية العربية إثارة للجدل،حيث وصفها الكاتب المسرحي تينيسي وليامز بأنها "وثيقة حقيقية لليأس الإنساني،محطمة في تأثيرها"،وقد ترجمت إلى أكثر من 39 لغة،لكنها ظلت ممنوعة في العالم العربي سنوات طويلة بسبب جرأتها غير المألوفة.وتكمن أهمية هذه الرواية في كونها سيرة ذاتية صادمة،تروي حياة كاتب نشأ في فقر مدقع، وعاش التشرد والعنف والجوع،قبل أن يتعلم القراءة والكتابة في العشرين من عمره.غير أن هذه السيرة العفوية تطرح إشكالية نوعية معقدة: هل هي سيرة ذاتية بالمعنى الدقيق،أم رواية تشردية تستعير تقنيات السيرة؟! فالبطل هو محمد شكري نفسه،والسارد الرئيس هو الكاتب الذي يحكي واقعه بالذات،دون التفات إلى شراكة مجتمعية،لكن شكري لم يكتف بسرد وقائع حياته، بل وظفها كأداة نقدية،محولا إياها إلى تأويل بعدي لمسار حياته الشخصية الاستثنائية،متجاوزا حدود التوثيق التقليدي ليصبح نقدا أخلاقيا راديكاليا يكشف أن الأخلاق لا تبدأ من الفوق،بل تُصنع في قاع المجتمع.

ومع هذا المضمون،يقوم البناء السردي في الرواية على تقنية التبئير الداخلي،حيث يقتصر السرد على رؤية البطل/الراوي للأحداث،مما يعزز صدقية التجربة،اكنه في الوقت نفسه يحصر العالم في منظور فردي يعاني من تشوهات العنف والفقر.وقد كشفت المقدمة التي كتبها شكري عام 1982 عن لعبة سردية دائرية،إذ تبدأ بالحديث عن الأموات وتنتهي بهم أيضا،مما يوحي بأن السيرة كلها تقع تحت طائلة الموت والعدم،وهو ما يتسق مع النظرة العدمية التي تسود الرواية،حيث يرى شكري أن الحياة غير مفهومة،بل هي شيفرة بالغة التعقيد.أما على المستوى الأسلوبي،فيتسم أداؤه اللغوي بالبساطة والوضوح،والابتعاد عن التكلف، مع ميل إلى السرد الواقعي المباشر المعتمد على تفاصيل صادمة،ولم يكن هذا الأسلوب محايدا،بل اختيارا أيديولوجيا استعمل فيه الكتابة وسيلة للمقاومة،فجاءت اللغة وقاحة مؤذية تعكس خشونة الواقع،مما أثار انتقاد المحافظين الذين رأوا فيها فرط بذاءة،بينما برر آخرون ذلك بأنه جزء من الواقع،وأن شكري صور عالمه دون مساحيق تجميل،وهنا تكمن المفارقة الأعمق: فالقبح اللغوي يتحول إلى أداة جمالية لكشف القبح الاجتماعي.

غير أن أبرز ما تقوم عليه الرواية هو نقد ثلاثي الأبعاد للسلطة بأشكالها المتعددة،ففي مقدمتها تأتي سلطة الأب بصفته الرمز الأول والأكبر إلى العنف،حيث تتحول العلاقة معه إلى صراع أوديبي يسعى فيه الابن إلى القتل النفسي للأب كشرط لتحقيق الذات والهوية،وهذا التمرد ليس فرديا محضا،بل هو تمرد على قوانين مملكته التي تمثل السلطة الأبوية بكل تجلياتها.وإلى جانب سلطة الأب،تنقل الرواية واقع العنف الفيزيائي واللفظي والنفسي الذي يسكن فضاءات عديدة كالعائلة والشارع والسوق والعمل،حيث يمثل المعلم وصاحب العمل ورجل الشرطة امتدادا لسلطة قمعية واحدة.ولا يتوقف النقد عند هذين المستويين،بل يتجاوزهما إلى نزع القداسة عن الإنسان والكون،وإنكار أكثر شراسة للقيم والمرجعيات الدينية والأخلاقية والبرجوازية، ليحل محلها رؤية عدمية تجعل من الجوع والبقاء القيمة العليا الوحيدة.

وفي منحى مواز،لا يمكن قراءة هذا العمل بمعزل عن سياقه الاجتماعي والسياسي،فهو يصف قسوة الوضع الشعبي العام والمصير الجمعي للمغرب العربي تحت غسق الاحتلال،وقد أشارت دراسات نقدية إلى أن النص الأصلي كُتب بدوافع سياسية لانتقاد النفوذ الاستعماري الفرنسي والإسباني على المغرب والاقتصاد المغربي،كما يسلط الضوء على قمع السكان الأمازيغ،إذ وصل شكري إلى طنجة ولم يكن يتكلم العربية لأن لغته الأم كانت الأمازيغية،مما يجعل الرواية بمثابة نقد اجتماعي للفقر في سياق سياسات الأقليات.

هذا وتجدر الإشارة إلى أن الرواية واجهت هجوما نقديا عنيفا واتُهمت بالانحلال والفجور،لكن يمكن القول إنها دافعت عن نفسها وعن حفائها أمام حذاء النقد الذي أراد أن يدوسها،وهذا الدفاع لم يكن خطابيا بقدر ما كان جماليا،فالصدمة التي تحدثها هي نفسها دليل صدقها.ففي النقد العربي، ثمة من يرى أنها رافضة للقيم الأخلاقية والإنسانية،بينما يرى آخرون أنها تقدم نقدا أخلاقيا راديكاليا يكشف زيف الأخلاق السائدة،وهذا الجدل ذاته يثبت أن الرواية نجحت في تحقيق هدفها بكشف التناقضات الاجتماعية. 

وأخيراً،وفي تسعينيات القرن العشرين،أعيد تقييمها بوصفها نقدا اجتماعيا للفقر،لكن القراءة النقدية المعمقة تكشف أنها أكثر من ذلك،إذ تمثل تفكيكا شاملا لخطاب السلطة بكل تجلياته الأبوية والدينية والسياسية.إنها سيرة الجوع،لكنها أيضا سيرة التمرد والوعي،فشكري لم يكتف بسرد معاناته،بل حولها إلى سلاح نقدي،وانتقل بكتابته من هامش المجتمع إلى مركز الأدب،محققا بذلك ما تصفه الرواية ذاتها: "يخرج الحي من الميت، يخرج الحي من النتن والمتحلل،يخرج الحي من بطون الجائعين"، 

وفي هذا التحدي الجوهري يكمن السر الأبدي لخلود هذه الرواية.

وهكذا،وبينما تطوي هذه السيرة الفجّة صفحاتها، لا ينتهي أثرها بانتهاء السرد،بل يتضاعف ويتشعّب في فعل الكتابة نفسه.ذلك أن محمد شكري لم يكتب ليرثي جوعه أو يستعرض جراحه،بل حوّل ذلك الجوع المزمن إلى لغة نابضة بالحياة،وذاك العري المدقع إلى مرآة شفّافة تعكس، بوقاحة صادقة،عرى مجتمع بأكمله يتدثّر بثياب القداسة المزيفة.وهنا يكمن السر الأعمق: الحفاء، في دلالته الأخيرة،لم يعد عيبا أو نقصا،بل صار رمزا للحرية القصوى والمطلقة،حرية الرجل الذي فقد كل شيء ظاهر،فلم يعد يخشى فقدان أي شيء،وتحرّر من ربقة التوقّع ومن براثن الخوف الذي يكبّل البشر.فمن رحم الجوع المتوحش،لم يولد شكري يائسا متحسّرا على ماضيه الضائع،بل ولد ثائرا يرفع ذاته العارية كقضية مفتوحة على كل الأسئلة،ويجعل من حياته الممزّقة دليلا نقديا ماحقا لكل السلطات والقداسات التي تدّعي احتكار الحقيقة.

لم يطلب شكري رحمة القارئ قط،ولم يتوسّل بعاطفته الزائفة،بل كان يفرض عليه،بقسوة المطرقة،وقاحة الحقيقة العارية كما هي: قاسية، جارحة،لكنها نبيلة في صراحتها المزلزلة.ومن ثمّ تغدو هذه التحفة السردية،بعد كل قراءة نقدية وتأويل متأن،عملا فلسفيا وجوديا بامتياز،يتجاوز حدود المكان والزمان،ليذكّرنا بأن الجوهر الإنساني لا يُوزَن بملء البطن أو دفء الثياب،بل بقدرة الكائن على تحويل أدقّ تفاصيل معاناته وأكثرها إيلاما إلى كون شعري مترام،يعيش خارج الزمن، ويظل يصدح في أعماق وجداننا،ليس كموعظة أخلاقية جامدة،ولا كتحذير يمضي مع الريح،بل كنشيد احتجاجي متجدد،تزلزله كل ريح جديدة، ويعيد للكلمة الأدبية بريقها الخطر،وللروح الإنسانية كرامتها الملتهبة التي لا تنطفئ.

وهكذا يتحوّل الجوع في "الخبز الحافي" إلى وعي،والحفاء إلى حرية،والعري إلى لغة لا تروّض ولا تستكين. 

لم يكتب شكري ليشفي جراحه،بل ليشفي وجدانا جماعيا مشوّها بجبروت السلطة وزيف القداسة، فجاءت سيرته ليست اعترافا خجولا،بل إعداما علنيا لكل الأقنعة.إنها ليست نهاية حكاية،بل انفجار صرخة لا تزال ترنّ فينا كلما جرؤنا على خلع أحذيتنا الثقيلة،والوقوف عراة أمام الحقيقة الوحيدة: أن الكرامة لا تُخبز في أفران الآخرين، بل تُنتزع من رماد المعاناة،لتبقى هذه التحفة كالجمر المتقد تحت رماد النسيان،تحرق كل من يقترب،وتُحيي كل من احترق..


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق