أبو سيفين
نايف ثامر الكعبي
في الساعة الثامنة ليلا,خرج فرج بسيارته (التكسي ) من أحد كراجات شيخ عمر وقد دفع كل ما في جيبه من عمل ليلة أمس إلى الميكانيكي.وأصلح خللا فيها. زفر بحرقة.كان مستاء,ضيق الصدر.أخرج رأسه من نافذة السيارة ورمى بصقته في الشارع : تفووو عليه من رزق, لا يمر يوم دون أن يحدث ما ينغص علي عيشتي ويفرغ ما في جيبي...أذا لم يضبطني المرور بمخالفة ؟ تتعطل السيارة .وإذا لم تتعطل السيارة. أجد صبيي سبهان مريضا. فأحتضنه بخوف وأسرع به إلى الطبيب وأفرغ ما في جيبي في عيادته.. فلوس ما فيها بركة من إبليس إلى الشيطان!! هتف صوت في داخله....نسيت فلوسك من أن أين تأتي بها يا فرج؟..ألم تشتغل الليل كله بسيارتك على سكارى أبي نؤاس؟ وتتنقل بهم من بار إلى أخر أو..على مرتادي ملهى ليالي الصفا في الصالحية أو ملهى كهرمانة في الكرادة. من منتصف الليل حتى يقول المؤذن: الله أكبر. وتعود فجرا وقد امتلأت جيوبك فلوسا!!..لكنني..لكنني جربت العمل في المناطق الشعبية.كنت أدور وأدور في الشوارع فارغا..في النهاية أعجز عن توفير مبلغ وقودها .
أفاق من خواطره.تلبدت السماء بالغيوم.أخذ البرق يومض والريح تعوي عواء مسعورا.دوى الرعد بقوة فاهتزت الأرض تحت سيارته,شعر بالخوف في نفسه : (بسمل ) .ما زال أمامه وقت.تساءل في نفسه:آوي سيارتي في البيت؟ وعند انتصاف الليل أخرج بها إلى العمل .كما درجت أخرج كل يوم؟ لأحصل على السحت المعلوم .الذي أعتدت عليه منذ ثلاث سنوات أم...؟
آثر السير في شارع الكفاح لقلة المطبات فيه وسيمر في مناطق شعبية لا سيما أن زخة من المطر قد انهمرت بشدة ,مثلما توقع قد تضطر أسرة أو أسرتان وربما أكثر أن تؤجره , ليعوض ما أنفقه على الميكانيكي .هذا ما دار في ذهنه.على الرغم من شدة المطر المنهمر وسيره البطيء في منطقة أبي سيفين وهو يحدق على الجانبين من الشارع .لمحه واقفا على الرصيف غارقا في المطر والريح تطوح بجسمه النحيف.رفع. يده له.أشفق عليه.ظن أن معه أسرة ستؤجره: (هذا رزق قد جاءك..تدفعه؟ ). شعر بفرحة تملأ جوانحه.وقف قربه.مال برأسه نحوه ليقرب المسافة بينه وبين الصبي.سأله :- تكسي؟
ومن بين دموعه المنحدرة ,قال له بصوت باك:- أبي مات عصرا.وكل سائق أرفع يدي له ويقف لي وأسأله أن يحمل جنازته إلى النجف.يرفض ويتركني حائرا
فسأله :- لماذا يرفضون ؟.هذا رزق وبأ فلوسك
أجابه وهو يغص بدموعه :- عمي أنا فقير.لا أملك أجرة السيارة
يد قاسية عصرت قلبه.فكر لحظات.نظر إلى الجسم النحيف والوجه الشاحب..إلى العينين المتوسلتين والغارقتين بالدمع .أستيقظ الإنسان فيه.تأثر.هم أن يضرب جبهته ويلعن الفقر والعوز(في سن صبيه سبهان . تخيل نفسه ميتا وسبهان يذرف الدمع السخين عليه ). شعر بالإشفاق والحنو عليه.هتف في داخله صوت:يا فرج هذا اليوم مثل بقية الأيام..لن تموت أسرتك جوعا.بيدك نجدة هذا الصبي البائس والممتحن - ها.. عمو ؟.الله يخليك..ساعات أنا واقف أرتعد من المطر والبرد..
لقد أبكى ضميره هذا الصبي .هز رأسه بألم : (مأساة يا ناس!!).خرج من السيارة وأقترب منه.ليطمئنه:
- أمسح دموعك..أنا سأذهب معك
أمسك الصبي يده ليلثمها.لكنه.سحبها منه وقال:- أصعد, لتدلني على البيت
مر خاطر في ذهنه..يبدو أنه رجل البيت..مسكين.لقد كبر قبل أوانه!!
- من هنا..عمو
أنتبه له.سار في زقاق,ضيق شبه مظلم ..تتصاعد منه رائحة نتنة.يبلغ سمعه صراخ ونواح وعويل نساء.شعر بقشعريرة تهز جسمه والحزن يلذع قلبه .أدرك أنه قد أقترب من بيت الصبي.دنا من الدار وكانت قديمة متصدعة.لمح أغلب البيوت المجاورة مثلها. رأى في الباب رجالا ملثمين يخيم عليهم الوجوم والحزن.شرعوا يرحبون به كثيرا.ولكي يستفيد من الوقت.سأل:
- من يشاركني الثواب ويصعد معي أحتاج إلى شابين.كي نحمل الجنازة وقد نجد هناك من يساعدنا ( أهل الثواب كثيرون ) ,قبل أن يتم كلامه .تقدم منه شابان.دخل البيت وقد تلبسه الخوف.رآه مسجى على فراش بال قذر..جمجم مع نفسه مشفقا: لا اله إلا الله....رحمتك يا رب بفقرائنا.يعجزون حتى عن مواراة أجساد موتاهم الثرى. هذا ما دار في رأسه ..وضعوه في التابوت ورفعوه إلى السيارة .تشبثت امرأة ضريرة بالجنازة.تعثرت ووقعت على الأرض.قادتها النسوة إلى الدار.كان الصبي طوال الطريق يبكي ويرتعد من البرد (خطية ).نزع السائق سترته وأمره:
- أنك ترتعد..البسها لئلا تمرض
واروه الثرى .عادوا.مازالت السماء تنث مطرا خفيفا.انبثق سؤال في رأسه :
- ألا يوجد عنده أولاد كبار غير هذا الصبي؟ ماذا كان يعمل والده؟.سأل الشاب الذي يجلس جنبه والذي أصر أن يأتي معه:- أليس له أولاد كبار؟
تفاجأ الشاب يبدو أن ذهنه كان مشغولا:- من؟
- المرحوم
- أه.بنات متزوجات وفي خانقين وقد عاجله الموت .لم يخبرهن أحد وهذا الصبي كبيره من الأولاد
- تبدو الأسرة في فقر مدقع.كيف تعيش ؟
- كان المرحوم حمالا في الشورجة وتمرض وليس لديه. .ليعالج نفسه..واستراح منها ومن همها.والزوجة ضريرة فتولى المعيشة هذا الصبي.له بسطة على ناصية الشارع يبيع فيها السكاير وما يربحه يقوت والديه به.
نبض سؤال في ذهنه.فصارحه:- ألم تساعدوه؟
- رأيت في عينيك ما دفعته إلى الدفان .لقد جمعناه من الجيران
وفي الساعة الثانية بعد منتصف الليل وعند مروره في ساحة ثورة العشرين عائدا ,ثقب أذنه نداء:- أبا المروءة..أبني..الغيور
حدق في المرأة وراءه لمح امرأتين تشيران بأيدهما نحوه وتسيران باتجاهه.هتف
في داخله صوت: الزينات خزائن يا فرج!! .وهذا خير وقد ساقه الله لك .تبدوان خائفتين في هذا الوقت المتأخر والسماء تمطر.
رجع إليهما حتى حاذاهما وجدهما سيدة جليلة ومعها فتاة.سألته السيدة برجاء لا يخلو من استغاثة:
- أنا مثل أمك وهذه أختك وتأخرت في المقبرة..زرت عزيزا علي .اشتقت إليه
وتأخرت في المقبرة ثم زرت أمير المؤمنين وترى المطر بعينيك..ساعات لم ينقطع
- أين تريدين ..أمي؟
- البصرة
سألها مستبعدا:-.. البصرة بعيدة عن طريقي.علي أن أبلغ الدفانة إلى بيوتهم في بغداد
بدت الحيرة في عينيها
- نصعد معك ..أبني وهناك سنعثر على ابن حلال مثلك
بلغ بغداد عند شروق الشمس.تفاجأ بيد الصبي النحيفة تمتد له:
- عمو أشكرك.هذه أفلوس بسطتي خذها أجرة
كاد يبكي من لهجته الموجعة.حب أن يطمئنه:- أعد فلوسك.لقد دفعْت الأجرة
- عمو من دفعها؟
- لا عليك منه ..المهم قد دفعت الأجرة مضاعفة
- هه ولدي تتم جميلك على أمك وسأضاعف لك الأجرة؟
لم يستطع أن يرفض.ربما تذكر المرحومة أمه أو لهجة الصدق في كلامها.بلغ بيتها
بعد الظهر. وكان قصرا فارها يبدو الثراء عليها.لم تعطه الأجرة وأصرت أن تعد له غداء جيدا.طاف بنظره في إرجاء الغرفة. لمح صورة لشاب جميل الطلعة معلقة بجدار الغرفة. أشارت له وقد أغر وقت عيناها بالدموع :- كنت في زيارته..
جمجم مواسيا .أعطته أجرة لم يحلم بها طوال عمله سائق تكسي.توجه إلى كراج البصرة.وجد تاجرا حائرا ببضاعته .لم يخرج معه أي سائق (يخشون المطر) .أتفق معه.على نقل بضاعة إلى ( شورجة بغداد ).أوصله فأجزل له أجرة دسمة.غمغم مع نفسه فرحا:- لقد عوضني الله عن أجرة جنازة الصبي المسكين
ومن يومها لم يذهب إلى أبي نؤاس أو ملاهي بغداد في الساعة التاسعة مساء هو عند أسرته
نشرت القصة في جريدة الدعوة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق