حبل الوصال ١٤
استحسن أحمد الفكرة وذهب مع صديقه ليجلب سيّارته ثمّ ينتقلان معا إلى ضفّة النّهر. في السّيارة بدت المسافة قريبة جدّا ممّا كانت عليه عندما كان يسلكها أحمد على قدميه رغم أنّه كان يأخذ الطّريق المختصرة. بالرّغم من ذلك تسنّى لأحمد أن يفكّر في حيلة تجعله يصحب زينب إلى المدينة دون أن يفاجئها أو يخيفها . يصل الصّديقان إلى مكان قريب جدّا من بيت أحمد على ضفّة النّهر فيترجّلان لأنّ التّضاريس لاتسمح للسّيارة بمواصلة السّير فيها . لم يدم سيرهما كثيرا حتّى التقيا بزينب . أظهر أحمد وجها عاديّا في حين صديقه بدا عليه الخجل فسلّم على زينب وابتعد في اتجاه النّهر وعبر القنطرة وهو يرمي بنظره هنا وهناك اعجابا بالمناظر الّتي تحيط بمنزل صديقه وتحاذي النّهر. أخذ أحمد زينب جانبا وطلب منها أن تأتي معه إلى المدينة لمقابلة أخيها المحامي فقد استشفّ من آخر مقابلة معه أنّه مستعدّ لمساعدتهما في موضوعهما وأبعد من ذلك فهو سيتدخّل لدى والده وأخويه لتسوية المسألة. زينب لم تقتنع كثيرا بما قاله حبيبها فقد كان مرتبكا وكأنّه يخفي أمرا، ومع ذلك قبلت حتّى لا تكون هي حجر عثرة في طريق سعادتهما. تهيّأت زينب لكلّ الطّوارئ فأخذت معها بعض اللّباس لفّتها في قطعة قماش ثمّ امتطت السّيارة مع حبيبها وصديقه وانطلق ثلاثتهم نحو المدينة . في الطّريق خيّم الصّمت وكأنّ الجنازة خرجت من ضفّة النّهر ممّا أثار بعض الشّكّ لدى زينب فبدأت مخيّلتها تأخذها هنا وهناك حتّى أنّ مسألة فقدانها لأحد أفراد عائلتها جالت بخاطرها ولكنّها أسرّت شكّها فقد يكون مجرّد وهم. وتتقدّم السّيارة مقتربة من منزل عائلة زينب فيخيّر صديق أحمد أن ينتهج طريقا بعيدة عن وسط المدينة حتّى لا تنتبه حبيبة أحمد للسّبب الحقيقيّ وراء قدومها إلى المدينة وهي الّتي هجرتها وبدأت ببناء حياة أخرى بعيدا عنها مع شخص قدّرها ووجدت فيه ما افتقدته في بيت أهلها. كانت المدينة تستعدّ لتوديع أحد كبارها مع اختلاف الانطباعات والأحاسيس. فمن الجمهور من تنفّس الصّعداء وفرح بهذا الحدث بل وبدأ يستعدّ لما بعده . ومنهم من تأسّف بل قل حزن " فالفقيد " يعتبر ربّ عملهم وصاحب فضل عليهم ومصدر قوّتهم وحمايتهم في المدينة. وأخيرا توقّفت السّيارة أمام منزل نصبت أمامه خيمة كبيرة بيضاء كأنّها الكفن وداخلها طاولات وكراسي..واجتمع رجال حول الطاولات يتحدّثون ويتناقشون وبادية على وجوههم مظاهر الخشوع والجدّية. انقبض قلب زينب وعلمت أنّ أحد شكوكها كان في محلّه، فالمنزل منزل عائلتها وبعض الجالسين من معارفهم وجيرانهم. هرعت إلى الدّاخل دون حسابات للنّاس الّذين قد يتقاذفونها بأبشع النّعوت والأوصاف بعد هروبها من البيت ولا لأفراد عائلتها فقد يرفضون وجودها وقد يطردونها. في مدخل الدّار يلتقيها المحامي والحزن صورة رسمت على وجهه الّذي امتزج لديه الحزن بالدّهشة لرؤية أخته فكان بين دموع على الخدّ وثغر بالكاد يفتح ليبتسم أو ليرحّب بها. وسألته " ما الأمر؟ هل حصل مكروه لأحد من العائلة؟ تكلّم أرجوك..أجبني" في الحقيقة كانت أسئلة زينب أسئلة العارف بالشّيء، فكلّ الأمارات كانت تدلّ على وجود ميّت في صلب العائلة، وكان ربّما الأجدر أن تسأل من هو فقط، ولكنّها كانت كمن يطرد الفكرة من أصلها وتريد ان يجيبها أخوها مثلا بأنّ أحد الأفراد مريضا أ و تعرّض لحادث ومرّ الأمربسلام. أجابها أخوها بكلّ حزن " لقد توفّي والدنا"
فاحتضن زينب أخاها وأخذت تبكي طويلا في حضنه ثمّ يأخذها إلى الدّاخل حيث تلتقي بباقي أقاربها، منهم من استقبلها بشوق ومنهم من نظر إليها باحتقار. ولكنّ نظرات الجميع اتفقت في أنّها كانت تختزل أسئلة كثيرة: أين كنت؟ لماذا هربت من المنزل؟ كيف كنت تعيشين طيلة فترة غيابك ومع من؟ ... لم تكن زينب تعلم آنذاك بأنّها محلّ أنظار الجميع من حولها فهي في وضعيّة لا تحسد عليها. واصلت بكاءها الحارق على فقدان والدها رغم اختضان البعض لها ومحاولتهم التهدئة من روعها. شيئا فشيئا ومع محاولات الأهل والجيران الإحاطة بزينب بدأ الهدوء يخيّم على المنزل. لكنّ ذلك لم يمنع من بعض الهزّات من حين لآخر مع دخول أيّ وارد جديد على المجتمعين في بيت الميّت. أثناء المساء بدأت النّسوة في احضار العشاء والحركة عادت الى المنزل. وتكفّل إخوة زينب بجلب المتطلّبات لإكرام الميّت وإكرام أهله الّذين جاءوا مواسين . هدأت زينب بعض الشّيء وبدأت تنتبه إلى نظرات النّاس من حولها لها وأحسّت بحاجة إلى وجود أحمد إلى جانبها حتّى تحتمي به وتتوارى بعطفه وحنوّه فهو حصنها ومقام راحتها. أحمد كان جالسا تحت الخيمة يتجاذب الحديث مع المجتمعين من الجيران والّذين عرف بعضهم وتعرّف على البعض الآخر خلال هذه المناسبة. كان من حين لآخر يفكّر في حبيبته وكيف تجاري الموقف العسير الّذي وضعت فيه. يأتي اللّيل ويتوافد على المنزل كثير من النّاس فالعادة في مدينة زينب أن يأتي الأهل والأقارب والجيران فيتناولون الطعام ليجازى عليها الميّت ويسهرون إلى جانب عائلة الميّت مواساة لهم. وفي هذا الخضم، كانت زينب تستقبل النّسوة وتتقبّل منهم العزاء. وإخوتها كانوا يفعلون نفس الشّيء مع الرّجال إلاّ الأقارب منهم فهم أيضا يطلبون مقابلة زينب عساهم يهوّنون عليها مصابها. تمضي اللّيلة بتلاوة القرآن من طرف حفظة عادة ما يكونون شيوخا تدرّبوا على ذلك منذ وقت طويل وعلى يد أحدهم ممّن سنحت لهم الفرصة أن دخلوا الكتّاب أو جازوا مدرسة قرآنيّة . أمّا الحاضرون فيقظّون اللّيلة في نقاشات مختلفة قد تتحوّل إلى فذلكة ونكت وهم يبيحون ذلك لأنفسهم بتعلّة التّنفيس عن عائلة الميّت. كان من بين الحاضرين أعضاء " جمعيّة مناصري المظلومين" وقد تعرّفوا إلى أحمد وتجاذبوا معه أطراف الحديث. ومن خلال الحديث معه أعجب الأعضاء بمواقف أحمد وبعقلانيّته حتّى أنّهم طلبوا منه الانضمام إلى جمعيّتهم فوجود أمثاله مهمّ لهم وخاصّة لاستقطاب النّاس الّذين مازالوا لم يقتنعوا بعد بالجمعيّة.
رشدي الخميري/ جندوبة/ تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق