الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

من بغداد..إلى دمشق..حين يصبح الوطن جرحا في الذاكرة..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 من بغداد..إلى دمشق..حين يصبح الوطن جرحا في الذاكرة..!

في خريف العمر،حين ترتعش اليد ويثقل القلب بسنوات الفقد،لا يعود الماضي حكاية نرويها،بل وطنا نحمله في أعماقنا كلما عجزنا عن العودة إليه.

عشتُ بغداد،ومشيتُ في شارع الرشيد،واشتريت الكتب من شارع المتنبي،واحتسيتُ قهوتي في مقهى الشابندر،حيث كانت الحياة تكتب قصائدها على شفاه العابرين.ثم مضيتُ إلى دمشق،عروس الياسمين،أستنشق عطر حاراتها القديمة،وأطلّ على فتنتها من جبل قاسيون،كأنني وجدتُ فيها وطنا يتّسع لروحي،وملاذا من قسوة الزمن الأخرس.!

لكن المدن التي أحببناها لا تبقى دائما كما عرفناها. بغداد التي كانت قبلة العلماء والشعراء،ودمشق التي كان الياسمين يوزّع سلامه على المارّة،صارتا في الذاكرة صورتين موجعتين لجمال انكسر، وتاريخ أثقلته الحروب،وأحلام تُركت تحت الركام.

وحده الحنين ظلّ حيّا،وإن تحوّل أحيانا إلى قبر نحمله على ظهورنا،نخشى أن نضعه أرضا،لأننا نخشى أن نفقد معه آخر ما تبقّى من أنفسنا القديمة.!

لقد تقدّم بي العمر،ونهشتني المواجع،لكنني ما زلت أتساءل: كيف للروح أن تسكن خرابا ؟! وكيف يحمل الإنسان وطنا لم يعد يشبه ذاكرته، ومدينتين لم تعودا تشبهان أحلامه ؟!

إن الفاجعة ليست أن تتغيّر المدن وحدها،بل أن نفقد معها النسخة الأجمل من ذواتنا،تلك التي كانت تؤمن بأن للحياة متّسعا للحبّ،وللثقافة، وللأمان.

ومن هنا ينهض السؤال الأكثر مرارة: من أين جاء كل هذا الخراب؟ وكيف امتدّ خيط المأساة من حديقة البيت الأبيض إلى ساحة الفردوس في بغداد،وصولا إلى ساحة المرجة في دمشق ؟!

سؤال حافيا يمشي في ذاكرة العرب،بلا جواب يوازي حجم الدم والخذلان.!

لستُ أبكي مدينتين فحسب،بل أبكي عمرا تركتُ فيه بعض روحي،وأوطانا كانت تمنحنا معنى الانتماء قبل أن تجعلنا غرباء في جغرافيتنا. 

ومع ذلك،سأظلّ أحمل بغداد ودمشق في قلبي، فحين تعجز الذاكرة عن استعادة الوطن،يصبح الوفاء له آخر أشكال المقاومة،ويغدو السؤال شهادة في وجه النسيان..

وفي النهاية،سأظل أبكي بغداد ودمشق،وأبكي الإنسان الذي ضاع بينهما.سأحملهما في قلبي ما بقيتُ حيّا،فحين تهدم الحروب المدن،لا يبقى لنا سوى الذاكرة..وحين تهدم الذاكرة،لا يبقى لنا وطن..!


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق