حقائق ومعاني في رحاب الدّنيا
إنّ الصيرورة البشرية تحفّز وتدفع الإنسان العاقل الحازم اليقظ الفطن أن يتفكّر ويتأمّل ويبحث في أعماق المعاني ورقائقها ولا يكتفي بما يشاهد من مظاهر وأشكال وخداع للظواهر والأحداث المتواترة في سياقها الزّمني.
إنّ التّفكير السّطحي والإنسياب بالبُعد الحركي العلائقي التفاعلي الإنفعالي الغرائزي دون البُعد التّكويني ولا الوظيفي يُيٓسّرُ سعيه بلا بوصلة سير بإنعدام ذهنيّة نقديّة وزاوية رؤية للبُعد الوجودي الوجداني لذات الإنسان المغتربة المنفلتة بأحاسيسها الشعوريّة وقلقها الوجداني وحيرتها الوجوديّة.
يحيط الإنسان ظرفيّا ونسبيّا حسب قدراته وملكاته ومواهبه وفنونه وأُفقه المعرفي وخبراته وما يُسجّله ببصره من أحداث وأشكال وأحجام وألوان وأبعاد وحركات وما يتشرّب من أذواق في حيزه الزماني والمكاني إذ أنه المحاط بمحيطه وإطاره التّفسيري ومدلولاته وغرباله الشعوري فيتشتّت إنتباهه بإنصراف تركيزه وقلّة وعيه لتغلبه العادة ويتحكّم فيه مزاجه وطبعه فتطغى عليه إنطباعاته وتمثلاته وميولات نفسه فيستعصى تغيير ذاته والإرتقاء بها إلى مجالات أكثر عمقا ، فهو كائن ناقص وإن بدا ظاهريا متماسكا كاملا ظاهريا فهو آيل للسقوط إلى بؤرة أسفل السافلين بضياع حقيقته ومعناه وسرّ وجوده إذا ضيّع وقته فيما لا يعني ولا يفيد.
فكل مرحلة من حياته تقتضي تصرّف وتوجّه وسلوك حكيم ناضج ليتجاوز صعوباته ويقتحم العقبات و يتعالى عن ضغط مكانه وزمانه.
أليست حياته فرصة وما مضى من عمره لا يعود؟ فأين يسير؟ وما هي نهاية مسيرته.؟
1_ دائرة النّفس ودائرة اللاّنفس :
* دائرة النّفس : تتميز بالأنانية وحبّ الذات والنرجسيّة وأسبقية حظوظ النفس على ما سواها.
والنفس وجه من أوجه الدنيا المفتوحة المنفرجة دون معنى وحقيقة في رحابها لذلك فهي تتعلّق وتحرص ساعية للإستهلاك والإستفادة والإستزادة من المنافع والحظوظ النفسية والإنصراف إلى المشاركة والإهتمام والإندماج والإنجذاب والفعل غريزيا إنفعاليا تفاعليا دون هوادة.
صفتها التسرّع التهافت والجدل والصخب وغلبة الهوى إذ هي قابعة في منخفض الوهم وسوء الفهم فلا تّحفّز وتستثير وتسعى جاهدة إلا لتحقيق مصالحها ونيل حظوظها فلا تقف عند حقّها.
كادت أن تكون النّفس باطلا صرفا وظلاّ للشيطان وفريسة لغواياته.
* دائرة اللانفس : تتميز بنفي لما هو نفسي وهي ضدّ الهوى ومخيال الأنا وتمثلاتها الواهمة فهي أقرب لدائرة الحقيقة والمعنى والهويّة الذاتيّة الحقيقية بما تحمله من سرّ وجود ومعنى للحياة.
ينتفي الوهم والتصوّرات الخاطئة المشّوهة وزيف الأنا بمسحة وألوان وفنون الواقع الخادع.
فهي تتصف بالعزلة وحقيقة الغربة والإنعزال والصّمت والزُهد وعدم الطمع والورع والخمول بوعي دون حرص وتسارع للفعل الغرائزي.
فاللانفس وجه من أوجه المعنى والحقيقة الثابتة التي لا تنمحي مع الزمن وقواطعه.
فليتفطن الإنسان إلى شاكلته وليدقّق وليُمحّص في خبايا وأعماق ذاته.
2_ عالم الأحياء وعالم الأموات :
يمرّ الإنسان حسب حتميّة وجوده وحكمة الأقدار بعالمين مختلفين متناقضين تماما.
عالم الأحياء الذّي يعمره ويسكنه الأحياء من يسيرون ويسعون في دروب الحياة فهم يتحرّكون وينشطون يتعلّقون ويتواصلون حيث يطلّون من نافذة أبصارهم على عالم حسّهم عالم الشهادة.
وعالم الأموات ساكنوا القبور من رحلوا وفارقوا دون رجوع. ولا يفصل الفريقين سوى بوابة الموت الذي ينقل الأحياء إلى مرقدهم النهائي فلا حراك ولا إحساس بالدّنيا فبين دوام الحركة والنشاط المستمر والأحاسيس الشعورية والسّكون الأبدي سكرات الموت.
إنّ صفات العالمين وخصائصهما في تقابل تام وتوازي على محور أفقي مستمر مع الزمن وهو الموت وإن هذه الأبعاد والمعاني يستشعرها الإنسان بعمق في لحظات صفاء وتجاوز لعالم الحسّ والكثائف عندما يرتفع جزئيا حجاب غفلته وظُلمته.
* عالم الأحياء : يتميّز بالحركة والنشاط والأحاسيس والعواطف والأمل والرجاء والإكتئاب والفرح والحزن والألم......
يسعى الإنسان فيه كادحا ويٓشْغله زمانه بشواغبه ويشتغل بشواغلها ويٓهِمُّه ما أهمّه ويتوهّم وجوده حقيقة ويتعلّق بدنياه .
عالم الكثرة والتكاثر والتفاخر والضجيج والصخب والفوضى والهذيان عامّة.
عالم الأُنْسِ بالإِنْسِ والإستيحاش من عالم الغيب إجمالا.
يتمتّع الإنسان بحريّة ذاتية نسبية في حيزه المكاني والزماني وفرصة وجوده ليهجر عمق التعمّق في حقيقة وجوده والكون وينساب وينساق مع وجوده المادي الحسي.
إن الحياة سر من أسرار الوجود إستودعها الخالق سبحانه وتعالى في ذات الإنسان فلقد بثّ فيه الرّوح نسمة إلاهيّة في قالبه وجسده الذي يتحوّل ويتغيّر بمفعول الزمن الساري في الموجودات والوجود بأكمله.
* عالم الأموات : يتميّز هذا العالم بخلاف عالم الأحياء تماما فهو نقيضه ففيه السكون التّام والوحشة ولا وٓهْمٓ وسوء فهم لمن تجرّعوا كأس الموت وسكنوا القبور فلقد تجلّت الحقيقة يقينا منذ فراق الدنيا وكشف الحجاب بعد نزع لباس الحسّ ليتوقف الزّمن الدنيوي ويتّم الفراق والإنفصال على ما هو مادي حسي دنيوي.
هو عالم الصمت والسكون واليقين الجازم والوحدة والوحشة.
( ثمّ أماته فأقبره)
لقد حكم اللّه عزّ وجل على عباده بالموت إذ هو قانون إلاهي قاهر لعباده.
إنّ إدخال الإنسان ودمجه وإدماجه في الحياة بنسمة إلاهيّة يكتنه ويتذوق ويتماهى بها مع ظروف وشروط الحياة بحول وقوّة من لدنه سبحانه فحياة الإنسان برهة وحين من زمن ممتدّ إلى أن يرث سبحانه الأرض ومن عليها ،ثم يفارق الإنسان مسرح الحياة بسُنّة ربانيّة سارية في وجوده الدنيوي الآني.
-قد يكون رحيله وموته نتيجة لظروف حياته المادية بإنتهاك جسده وإتلافه فتغادر الروح ( القبس الإلهي) البدن بعد إنتفاء بعض أو جلّ وظائفه الحيويّة دعامة وجوده المادي.
-وقد تغادر بإنتهاء الأجل حسب تقدير مُسبق من حكيم عليم خبير قادر..... لبقاء الرّوح اللطيفة الربّانية في القالب الجثماني البشري.
سببين لا يتعارضان ولا يتناقضان لتفسير الموت.
( فلكُلّ أجل كتاب).
3 _ الحقيقة الإلهيّة والحقيقة البشريّة :
*- الحقيقة الإلهيّة : على مرّ الأزمنة والعصور والدهور حاول الإنسان جاهدا كشف أسرار الوجود وحقيقة الكون وخالقه وتناول الذّات الإلهيّة بالتفسير والتعبير بما سمحت له نفسه من فهم وإدراك وتمثلات من منطلقات حسيّة ومعنويّة ذاتية.
ولقد إتسمت معظم المحاولات بالإبتعاد عن الحقيقة خاصة فيما يخص الحقيقة الإلهيّة. إذ كيف يصيب غيبا ويدرك معنى خارج ومتجاوز لذاته النسبيّة الظرفيّة فتصورات الإنسان ومخياله وتفكيره مستمدّ غالبيته من أعضائه الحسيّة المتصلة ببيئته وإن تجرّد بعقله وتسامى بتأملاته فما جاوز المراقي العرفانية الدُّنيا في فهمه وإدراكه لأسرار وحقائق الكون فلقد "حجبت شموس المعارف بسحب الآثار".
لذلك يبقى فهمه قاصرا وإدراكه ناقصا وعلمه ظنّي عالقا في دائرة الفرضيات دون دليل وبرهان وحق يقين.
لا يمكن أن يتصوّر عاقلا ذو بصيرة وحكمة تشابه بين الخالق ومخلوقاته فاللّه عزّ وجلّ يتّصف بصفات التمام والكمال والبهاء والجمال والحكمة والعلم والقدرة المطلقة بخلاف مخلوقاته فكل ما هو موجود من آياته وإشارات ودلالات وبراهين على جميل صنعه وكرمه وقدرته فهو الأزليّ السرمدي دون بداية ولا نهاية فلا زمان ولا مكان فهو الباقي بلا زوال الغنيّ بلا مثال النور التّام الذي تستمد منه جميع الأقباس ضيائها وبهائها.
فاللّه سبحانه وتعالى ليس فكرة فتُمْحى ولا خيال ليختفي ويظهر بل هو فرد صمد حي قيوم "موجود لذاته قادر لذاته عالم لذاته حيّ لذاته ، تراه القلوب بحقائق الإيمان".
وهو سبحانه " علمه مطلق بمخلوقاته، علمه بها قبل كونها كعلمه بها بعد تكوينها" فهو العالم بالخبايا والخفايا والأسرار والنوايا عالم الغيب والشهادة لا يخفى عليه شيئا وهو الكبير المتعالي المحيط الذي لا يحاط مجري الزمان ولا زمان له مكوّن المكان ولا مكان له فمحال ان تستوعبه العقول وتحتويه وتختزله التعبيرات والتفسيرات تسامى وتعالى علوا كبيرا عن كل الموجودات.
لقد خاب من تكبّر على مولاه خالقه ورازقه وحاربه جاحدا نعمه مجادلا مكابرا مغرورا بذاته.
إن وحدانية وصمدانية الخالق الواحد الأحد الصمد تستوجب من البشرية جمعاء السجود لجلاله وجماله وعظيم كرمه وحِلْمه وسلطانه.
ولكن أين عباد اللّه من عبادة اللّه عز وجل؟؟؟
*- الحقيقة البشريّة : هذا الإنسان الذي عُلِّم بالقلم وعُلّم ما لم يعلم وتعلّم البيان كثيرا ما يجادل ويكابر مغرورا ويستند إلى رأيه دون وجه حق. تسري عليه وتحكمه قوانين كونية صارمة لن يفلت منها مسيرة حياتية بيولوجية وتغيرات مورفولوجية ووظائف حياتية حيوية على مرّ زمانه ثم موت قاهر يحيله إلى عالم الأموات مفارقا الوجود الحسي العياني البصري.
فلا هويّة ولا حقيقة للإنسان بذاته وهوى نفسه بل حياته كرم وجُود ومِنّة من خالقه ولكن المشكلة البشرية تكمن في مهزلة العقل البشري وزيف وعيه ولوثة نفسه ووهمه بحقيقة ذاته.
إن الإنسان يحمل في معناه سرّ وجوهر لعبوديته لمولاه مالكه وربّه فلقد فطره على الربوبية.
إن المنظور البيولوجي والفيزيولوجي يؤكد بما لا يدع للشك أنه كائن حي يستمد وجوده ويستند إلى قدرة متعالية مطلقة وحكمة لامتناهية فهو من اللّه وباللّه وإلى اللّه مصيره وإيابه.
أفعاله الإنعكاسية الفطرية تلقائية لا يتحكّم فيها وهي أساسية وضرورية لتيسير عيشه وتحقيق وظائفه الحياتية الحيوية(كالتنفس) وتوازنه الداخلي وكما تتحكم قشرته المخية في أفعاله الإرادية واحاسيسه الشعورية ( كالإبصار) وهي دلائل صريحة وبراهين وآيات تُبْرز أنه محكوم ببنية جسدية ووظيفية وتكوين لتحقيق نشاطاته الدنيوية.
فلا حول ولا قوة له بذاته حقيقة فهو يستعمل كل ما يُسِّر له للإختيار والتوجّه بِنِيٓتِه وقراره وفعله الإرادي.
" فكل يعمل على شاكلته".
-غذائيا يعتبر كائن غير ذاتي التغذية فهو يحتاج لغيره من الكائنات لينتج مادته العضوية.
-أما وظيفة الإتصال بالوسط فهي تظهر بما لا يدع للشك إندماجه وانخراطه وحضوره ككائن منفعلا متفاعلا فاعلا مساهما مشاركا في بيئته ومنظومة الوجود والنظام البيئي فالوجود بماديته يحتويه، يثيره الوسط البيئي بمنبهاته لتستقبل اعضائه الحسيّة المثبّتة فيه إشاراتها فتتولد سيالة عصبية حسية تنتهي بتحقيق إحساسه الشعوري.
-وظيفة التكاثر المهيكلة بنيويا بجهازه التناسلي في تقابل وتضايف وتكامل وتطابق وظيفي ملفت للإنتباه بين الجنسين وذلك لتحقيق إستمرارية النوع البشري بتمرير المورّثات والمدوّنة الوراثية عبر الخلايا التكاثرية الذكرية والأنثوية.
إن وظائفه الكبرى الأساسية التي يقوم بها طيلة حياته من تغذية وتواصل وتكاثر تعمّق مفهوم الحتمية والجبرية الوجودية فلا حول ولا قوة له بذاته حقيقة ناصعة ولكن بإختياره وإرادته وتوجهه للفعل هو حاكم وشاهد على أفعاله فهو مجبور ولكن في قالب الإختيار.
" فليس للإنسان إلا ما سعى وإنّ سعيه سوف يُرى".
يحمل في كينونته استعدادا فطريا لأداء فروض الطاعة لمولاه فهي له قُدرة وكفاية.
فالملاحظة الباطنية تظُهره كمعنى وجودي وسرّ ربانيا لا حول ولا قوة له إلا باللّه ربّه والذي تغنينا عن الملاحظة العيانية الظاهرية التي يظهر ككائن مستقلّ بذاته يتعلّق أحيانا وينفصل.
هل يمكن أن تكون هويّة الإنسان الرابضة القابعة في نفسه هي المانعة الحاجبة لعدم ارتقائه ولإنحداره وسقوطه في أسفل السافلين؟
الهوامش : علي والفلسفة
الحكم العطائية
الأستاذ : شكري بن محمّد السلطاني

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق