رحلةُ البصيرة
بقلمي محمد كركوب الجزائر
سأرتحلُ من البرازيلِ إلى العراق،
أمتطي سفنَ البحار،
لا بحثًا عن أرضٍ جديدة،
بل بحثًا عن الإنسانِ الذي ضاعَ
بينَ ضجيجِ الحضارةِ و صمتِ الضمير.
أدخلُ المغاراتِ السحيقة،
لأكتشفَ ما تكنزهُ من أسرارٍ و كنوز،
فما كلُّ كنزٍ ذهبٌ وجواهر،
بل قد يكونُ حكمةً، أو حقيقةً، أو نورًا يهدي العقول.
أعبرُ المحيطاتِ والأنهار،
بعيدًا عن الدمارِ و الإعصار،
أحملُ في قلبي رسالةَ سلام،
و في روحي يقينًا بأنَّ الخيرَ لا يموتُ
ما دام في الأرضِ أبرار.
فما رأيكم في حياةٍ هنيئةٍ مريئة،
تسكنُها الطمأنينة،
و يتعانقُ فيها العقلُ والرحمة،
و يصبحُ الإنسانُ أخًا للإنسان؟
و لِمَ كلُّ هذا الزحام؟
و لِمَ هذا الصراعُ على ظلٍّ زائل،
و دنيا راحلة،
و أعمارٍ تمضي كالسحاب؟
كيف تفكّرون؟
أبعقولِ الحكماءِ الذين يبنون،
أم بعقولِ الغضبِ التي تهدم؟
أبقلوبٍ تعرفُ الرحمةَ والعفو،
أم بقلوبٍ أقفلتها الأنانيةُ حتى نسيت معنى الإنسانية؟
لقد أخطأ كثيرون المسار،
و ظنوا أنَّ القوةَ في التسلط،
و أنَّ المجدَ في جمعِ المال،
و نسوا أنَّ أعظمَ الثرواتِ قلبٌ نقيّ،
و عقلٌ راجح،
و عملٌ صالحٌ يبقى بعد الرحيل.
ضاقت بكم الدنيا،
لا لأنها صغيرة،
بل لأنَّ الشهواتِ كبرت،
والطمعَ اتسع،
فغاب القانعون،
و قلَّ الشاكرون.
أحببتم الدنيا حتى حسبتم أنها دارُ خلود،
و نسيتُم أنها محطةُ عبور،
و أنَّ كلَّ طريقٍ فيها
ينتهي إلى لقاءٍ لا مهربَ منه.
سيأتي يومُ الفراقِ لا محالة،
يومٌ لا تؤخره الجيوش،
و لا تمنعه الحصون،
و لا تغيّره الثروات،
و لا تردّه فوهاتُ البراكين،
و لا تزعزعُ حتميته الجبالُ الراسيات.
عندها يسقطُ كلُّ قناع،
و تصمتُ الأصوات،
و لا يبقى مع الإنسان
إلا ما قدَّمه من خير،
و ما زرعه من رحمة،
و ما تركه من أثرٍ جميل.
فعودوا إلى رشدكم،
قبل أن يتمزقَ حبلُ المودة،
و قبل أن تنهارَ الأرضُ بما عليها،
فتبتلعَ الغرورَ والطغيان،
و تكتبَ صفحاتُ التاريخِ أنَّ أممًا هلكت
حين ماتت فيها القيمُ قبل الأجساد.
ازرعوا المحبة،
و أقيموا العدل،
و أطلقوا للعقولِ حريةَ التفكير،
وللقلوبِ رحابةَ التسامح،
فالحياةُ أقصرُ من أن تُهدرَ في الخصام،
و أعظمُ من أن تُعاشَ بلا رسالة.
فالإنسانُ لا يخلدهُ قصرٌ،
و لا سلطانٌ،
و لا كنوزُ الأرضِ جميعًا،
بل يخلدهُ أثرُه الطيب،
و كلمةُ الحق،
و عملٌ صالحٌ يبقى نورًا بعد انطفاءِ الأعمار.
حقوق التأليف محفوظة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق