الاثنين، 20 يوليو 2026

حين يعجز القلم عن مواساة الفاجعة..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 حين يعجز القلم عن مواساة الفاجعة..!

ثمة مآس لا تشبه سواها،إذ لا تكتفي بأن تخطف روحا عزيزة،بل تترك خلفها حياة كاملة تتداعى تحت وطأة الألم. 

هناك،حيث انكسر الزمن في لحظة خاطفة،رحلت أمّ تاركة وراءها ثلاثة أبناء يصارعون جراحهم على أسرّة المستشفيات بين قابس وصفاقس،وأبا مكلوما يحمل قلبا مثقلا بالفقد،وعائلة أنهكها الوجع،وأصدقاء وزملاء لم يجدوا للكلمات سبيلا أمام هول المصاب.

إنها مأساة إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مأساة أقرب إلى التراجيديات الإغريقية التي كان القدر فيها يهبط على الناس بلا إنذار،فيحوّل الأفراح إلى مآتم،والضحكات إلى أنين،والبيوت العامرة إلى مواطن صمت ثقيل لا يقطعه إلا البكاء.

ويقف أهل الصحافة والإعلام،وكل من عرف الأستاذ الحسين الدبابي،رئيس قسم الأخبار بإذاعة موزاييك وأحد أبناء تطاوين الأوفياء،عاجزين أمام هذا الألم.فالذين اعتادوا نقل أخبار الناس،وجدوا أنفسهم هذه المرة خبرا موجعا يعجزون عن صياغته،لأن الفاجعة حين تلامس القلب،تفقد اللغة قدرتها على الوصف،ويصبح الصمت أبلغ من كل العبارات.

أما أنا،فلم أجد في مواجهة هذا المصاب سوى قلمي،أكتب به لا لأن الكتابة تشفي الجراح،بل لأنها آخر ما يتشبث به القلب حين تضيق به الدنيا. فالمداد هنا ليس حبرا،بل دموع سالت في هيئة كلمات،وصلوات خافتة ارتدت ثوب الحروف.

وغدا،ستُوارى الفقيدة الثرى في مقبرة تطاوين المدينة،لتسكن الأرض التي أحبتها،بينما يبقى غيابها ندبة لا يمحوها الزمن.

ستشيعها القلوب قبل الأقدام،وستحملها الدعوات قبل الأكف،لأن بعض الراحلين لا يغيبون عن الذاكرة،بل يسكنونها إلى الأبد.

نسأل الله تعالى أن يتغمد الفقيدة بواسع رحمته، وأن يجعل قبرها روضة من رياض الجنة،وأن يمن على أبنائها بالشفاء العاجل،وأن يربط على قلب زوجها الأستاذ الحسين الدبابي،ويلهمه وأهله وذويه جميل الصبر والسلوان.

إن الموت يعلّمنا،في أقسى دروسه،أن الإنسان قد يرحل في لحظة، لكن أثر الرحمة والمحبة والذكر الطيب يبقى حيا في قلوب الناس. 

رحم الله الفقيدة رحمة واسعة،وجبر كسر هذه الأسرة المكلومة،وألهمها من الصبر ما يعينها على احتمال هذا البلاء العظيم.

إنا لله وإنا إليه راجعون


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق