قراءة ادببة تحليلية ونقدية للاديب الناقد صالح الصرفندي لنص الاديب مطير العوني .
هذا النص الباذخ الشاعري للشاعر مطير العوني يُعدّ من العيون الشعرية الفكرية الحداثية؛ إذ يبعث ضرمزين أنثويين تاريخيين من شمال إفريقيا ("الجازية الهلالية" و"الكاهنة ديهيا") ليُجرِي بينهما حواريةً تتجاوز الزمان، لتشخيص أزمة الواقع العربي الراهن (أو ما يصفه الشاعر بـ "نظام التفاهة").إليك قراءة نقدية تحليلية تفكك أبعاد هذا النص المنسوج بإحكام:لاديب
1. الرمزية التاريخية ودلالة الاستدعاء الجازية (الجازية الهلالية): رمز التضحية، العاطفة، والسيادة في الترا ث البدوي الهلالي، وهي التي وازنت بين حبها لزوجها ومصلحة قبيلتها (بنو هلال) أثناء رحلة التغريبة والبحث عن المرعى.
الكاهنة (ديهيا): ملكة الأمازيغ وقائدهم العسكري، رمز المقاومة، الاستشراف، والحكمة، والصمود الأخير أمام التحولات التاريخية الكبرى.الجمع بينهما هو جمع بين ذروتين في تاريخ المغرب العربي؛ جمع بين الفكر والحدس (الكاهنة)، وبين التدبير والوجع الوجودي (الجازية). الشاعر يزيح "اللحد" عنهما ليعودا كصوتين لوعي جماعي معاصر.
2. السؤال الوجودي وأزمة الأمةتبدأ القصيدة بـ "صهيل السؤال" الذي يقض مضجع الجازية. السؤال ليس ماضوياً، بل هو مقارنة بين الماضي والحاضر:"ما الفرق بين سقطة في الرّؤى / وبين سقطتنا الرّاهنة؟"الاستنتاج مرّ: الأمة تعيش حالة من "الجدب"، و"الكرى" (النوم العميق)، والعلة الكبرى هي تقديس الأوهام وإراقة "ماء العزة" بفعل العناد والجهل.
3. جدلية الجازية والكاهنة (الاعتراف والمكاشفة)الخطاب المتبادل بينهما مبني على التناظر البديع:الكاهنة ترى أن الجازية ربما لم "تتعلل بماء الوجيعة"، أي لم تذق عمق المأساة التاريخية كما ينبغي في أمة أضاعت حكمتها.الجازية ترد (في المقطع المقابل "لعليّ لم أتجمّل...") بأن خطأها كان في "إطالة التأمل في المدى"، والرهان على ملّة أبّدت علّتها (أدمنت تخلفها وأمراضها).النتيجة الختامية لهذا الحوار الصادم هي اللقاء في نقطة واحدة: تاريخنا بات مجرد "همزة نصل بين الرجاء والتمني"، أي تاريخ من الأماني الضائعة دون فعل حقيقي.
4. بوصلة العبور والانقلاب على "نظام التفاهة"المقطع الأخير هو ذروة النص الثورية والفكرية، حيث تتحول "الجازية" من باكية على الأطلال إلى منادٍ بالخروج والعبور.
العبور هنا مشروط بـ:الوعي والمعرفة: "رهين بوصلة / ومعرفة باتجاه الرياح".الفكر التنويري: "يدفع الفكر باتجاه الضوء".كسر الموروث السلبي: "كسر لجام الوراثة / وما استقرّ في الشقوق من لوثة في الثقافة".
5. تفكيك أمثال الخنوع (النسق الثقافي المضاد)يبرع الشاعر في نهاية النص بسرد "أمثال الحكمة الشعبية المزيفة" التي كرست التخلف والجبن في الوعي الجمعي، فيصفها بأنها "مهرجان السخافة"، ويقوم بتعرية مضامينها:"الرضا والسكوت صِنوا فراسة" \(\leftarrow \) تعرية لثقافة الصمت وقمع الرأي."إنّ السلامة في الانحناء" \(\leftarrow \) تعرية لثقافة الخنوع والذل."عِش في الخفاء كالعنكبوت" \(\leftarrow \) تعرية لثقافة الانعزال والخوف من المواجهة والتغيير.القصيدة تنتهي بصرخة مدوية ضد "نظام التفاهة" (وهو مصطلح سوسيولوجي حديث وظّفه الشاعر بذكاء شديد)، ليعلن أن الخروج من هذا المأزق يبدأ برفض القوانين الراهنة المكرِّسة للجهل والتبعية، وخلع أبواب "الرجاء والتمني" البائسة لاستبدالها بالفعل، والعزم، والإبحار نحو "الصباح".
بين " الجازية " و "الكاهنة "
-----@------
صهيل السّؤال يؤرّق
" الجازية"
يفضح لهيب موقدها
فتزيح اللّحد
عن شبّاك مرقدها
وتقول:
ما الفرق بين سقطة في الرّؤى
وبين سقطتنا الرّاهنة؟
وهل نشدنا المحال
يا أختنا السّابقة؟
بارقا لا يطول
يأتي جواب " الكاهنة":
علّك بماء الوجيعة
لم تتعلّلي
ولم تتهلّلي
ولم تتبلّلي
في أمّة طوى الجدب صفوتها
واستبدّ ليل بهيم بعين غفوتها
أمّة أضاعت في الكرى حكمتها
لعليّ لم أتجمّل
ولم أتدلّل
ولم أتحمّل
لعليّ أطلتُ التأمّل في المدى
فأخطأت حين أبصرتُ
وحين حكمتُ ملّة أبّدت علّتها
قدّست في الأوهام صورتها
فأراق العناد ماء عزّتها
وما رام السّهاد عناق محنتها
قلتُ:
لعلّك....
لعلّي....
ونُرْمَى في دفّة التاريخ
همزة نصل بين الرّجاء
وبين التمنّي.
تهيض "الجازية"
والقول منها يفيض:
يا قومي الطّريد
أرى العبور
إلى بحر التغنّي
وشقّ وادي النّواح
رهين بُوصلة
ومعرفة باتّجاه الرّياح
ومركبا يلفِظ ما تحنّط
يدفع الفكر بإتّجاه الضّوء
يرفع الهامة نحو العُلى
يسرع الخطو صوب الصّباح
يمنح الصّحو مجد إبحار
وفخر تجديف لملاّح
وأنّ الوصول سليل السّهام
وصلة عشق وشدو حمام
قهر موج وعزم سبّاح
خلع أبواب الرّجاء
والتمنّي
كسر لجام الوراثة
وما استقرّ في الشقوق
من لوثة في الّثقافة
رتق ما في العبارة من فتوق
وأعطاب في الكثافة
كشف الفضيحة في النّصيحة
يملؤها الخواء والتجنّي
يتلوها عليم بمهرجان
السّخافة
مثل:
إنّ الرّضا والسّكوت
صِنوا فراسة ودماثة
مثل :
انتظر، تنلْ
إنّ السّلامة في الانحناء
والتأنّي سبيل الرّفاهة
ومثل:
كي لا تموت
عِش في الخفاء كالعنكبوت
وثق بالزّوايا
أو ثق بالخيوط
وإيّاك أن تقول:
هذا نظام التفاهة.
-----@------
مطير العوني
19 جوان 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق