تقديم
قصيدةُ «لَا تَكُنْ رَجْعَ الصَّدَى» بَيَانٌ شِعْرِيٌّ وُجُودِيٌّ يَدْعُو إِلَى الأَصَالَةِ وَالْخَلْقِ، وَإِلَى أَنْ يَكُونَ الشَّاعِرُ أَصْلَ الصَّوْتِ لَا انْعِكَاسَهُ، إِذْ تَتَقَاطَعُ فِيهَا رُمُوزُ الْغَوَايَةِ وَالْفِدَاءِ، وَالنَّارُ وَالنُّورُ، فِي صُوَرٍ غَنِيَّةٍ تُنَقِّلُ النَّصَّ مِنَ الْبُعْدِ الْفَرْدِيِّ إِلَى الْكَوْنِيِّ وَالْوَطَنِيِّ مَعًا.
*****
لَا تَكُنْ رَجْعَ الصَّدَى
*****
لَمْ يَبْقَ لِلْقَلْبِ
سِوَى الْحُلْمِ مُتَّكَأً،
سِوَى الْقَصِيدَةِ مَلْجَأً.
عَانِقْ إِذَنْ حُزْنَكَ الْآتِي،
وَلَا تَكْتُمْ إِذَا مَا الْبَوْحُ شَاءْ،
وَاكْتُبْ جِرَاحَكَ بِجِرَاحِكَ،
وَانْفُثْ دُخَانَكَ فِي الْهَوَاءْ.
بِدْءُ الْخَلِيقَةِ ... أَمْ
كُنْهُ الْحَقِيقَةِ يَعْتَرِيكْ؟
لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَمْرِ وَالنَّارِ
إِذَا اشْتَعَلَ الْحَرِيقْ.
قَدْ يَشْتَهِي الْبُرْكَانُ نَارَكَْ،
قَدْ يَشْتَهِي حِمَمًا
تُفَجِّرُهَا الْقَصَائِدُ فِي جِرَارِكَْ.
قَدْ يَشْتَهِي سُهْدَ انْتِظَارِكْ.
سِرْ فِي الْحَرِيقِ بِلَا رَفِيقْ،
وَلَا تَخَفْ،
أَلِفُ الْمَحَبَّةِ يَصْطَفِيكْ،
وَالْيَاءُ... يَاءُ الْوَحْيِ،
قِنْدِيلُ الطَّرِيقْ.
لَا تَلْتَفِتْ،
لَا تَقْتَرِفْ خَطَأَ رُؤَاكْ،
مِثْلَمَا اقْتَرَفْتَ بِأَرْضِ الْخُلْدِ،
بِالْأَمْسِ يَدَاكْ.
أَغْرَاكَ تُفَّاحُ الْغَوَايَةِ،
أَغْرَاكَ سِحْرُهُ،
فَامْتَثَلْتَ وَمَا احْتَفَيْتْ،
أَوْقَعْتَ فِي فَخِّ الشِّبَاكْ.
مَاذَا دَهَاكْ؟
مَا عُدْتَ تَقْدِرُ لَا فِكَاكْ،
مَا عُدْتَ تَحْلُمُ بِالْمَلَاكْ.
تَارِيخُكَ الْمَسْكُونُ بِالْآهَاتِ
مَجْرًى لِلدُّمُوعْ.
تَارِيخُكَ الْمَفْتُونُ بِالْآيَاتِ
مَسْرًى لِلشُّمُوعْ.
هَيَّا إِذًا...
لَمْلِمْ حُرُوفَكَ فِي الْغُيُومْ،
وَاحْضُنْ سَمَاءَ الْيَاسَمِينْ،
وَافْتَحْ خَيَالَكَ لِلنُّجُومْ،
لِتُزَفَّ رُوحُكَ لِلْحَنِينْ.
وَاجْعَلْ هُطُولَ الْغَيْثِ
فَاكِهَةً لِدَرْبِكْ،
وَافْتَحْ شَغَافَ الْقَلْبِ
نَافِذَةً لِحُبِّكْ.
كُنْ ... لَا تَكُنْ رَجْعَ الصَّدَى،
كُنْ أَوَّلَ الْبِدْءِ،
وَمِسْكَ الْانْتِهَاءْ.
كُنْ لَحْظَةَ الْإِبْدَاعِ فِيكْ،
كُنْ لَحْمَهَا، كُنْ فَحْمَهَا،
كُنْ شَهْدَهَا، كُنْ سُهْدَهَا.
كُنْ ... لَا تَكُنْ وَرَقًا
يُحَاكِي الظِّلَّ،
مَرْفَأً لِلزَّوَالْ.
كُنْ مَنْبَعَ الْمَاءِ،
وَمُوَّالَ السِّلَالْ.
شَجَرُ الْعِبَارَةِ مَا ارْتَوَى،
وَالرُّوحُ رُوحُكَ وَالْجَسَدْ.
مَا دَامَ طَبْعُكَ فِي الْهَوَى،
نَهْلَ الْهَوَى
مِمَّنْ تَوَرَّطَ فِي هَوَى،
مَهْدِ الْهَوَى،
هَذَا الْبَلَدْ.
بقلم : سليمان بن تملّيست
جربة الجمهورية التونسية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق