الخميس، 11 سبتمبر 2025

بعيداً عن القلب بقلم يسرى هاني الزاير

 بعيداً عن القلب


‏‎بلحظة شاردة من تفكرنا قد تداهمنا سلسلة من الأحلام الراقدة في أقاصي دهاليز النسيان، لتخطفنا بغتة من واقعنا، فتلقي بنا في متاهة من أكون؟ وأين أنا في هذا الكون؟.

‏‎لحظة هي قد توقد بداخلنا حلم إصابة الخدر جراء واقع حتم علينا الانسلاخ من أروع تصوراتنا ونكران أجمل أمنياتنا.

‏‎لحظة نتمنى أن تطول وتطول لتحلق بنا إلى عالم خيالي يمكننا فيه إصلاح ما أعطبته الظروف.

‏‎تلك لحظة تلقي بنا في قلب بحر هادر من الأفكار، أمواج هائلة من التساؤلات تتقاذفنا، في حين تخور قوانا، فنغرق في اعماق المجهول، لنستيقظ من لحظة الحلم الحالم فنجدها، وقد قذفت بنا فوق شاطئ محموم بحقيقة الواقع.

‏‎واقع برغم كل جماله وروعة أيامه وأغلى الأماني المعلقة على جيد القادم منه، إلا أن لحظة شاردة مباغتة قادرة أن تلهب مشاعرنا، وتشعل ذاكرتنا بتاريخ من الأحلام قد ضاعت بقصد أو دون قصد في دروب أعمارنا المشتركة مع محيطنا.

‏‎فكم هي اللحظات التي شكلت مفارقات في حياتنا، جمعت وفرقت، أفرحت وأحزنت، أعطت وأخذت.... كتبت بداية وختمت نهاية.

‏‎أجملها لحظة هي التي نصنع فيها بداية رحلة سعيدة.

‏‎أما أتعسها أن يقرر أحدهم إنزالنا في منتصف الرحلة تعسفاً بعد أن غير فجأة مسلكه.

‏‎لحظة ندرك فيها أن من أراد الوصل فرداً يستقل دراجة، ومن أراد الوصول جمعاً يستقل حافلة.

‏‎تلك لحظة تملكنا ولا نملك منها سوى ذكرى غافية في متاهة نكران ما قد كان أو لم يكن سوى خيال.

‏‎لحظة كهذه التي غزاني البوح فيها لينهال خجول البلاغة مبعثر اللغة.

‏‎هي لحظة شاء لها أن تلد أخرى بعد أن اقترح صديق إطالتها.

‏‎فكان لا بد أن تأتي اللحظة الوليدة مغايرة؛ إذ إنها مستنسخة إراديا.

‏‎هنا انتابني شعور غريب حول كيف للبوح أن ينساب من يراع الكاتب عذريا، فتكون أفكاره وأدق مشاعره حية متحركة المناظر للقارئ.

‏‎وكيف في حال محاولة استنساخ اللحظة ذاتها تتداخل المشاعر وتتخبط الأفكار، فتضيع اللحظة من يد الفكرة وتبتلعها كالوقت.

‏‎عجيبة هي تلك اللحظة التي تضعنا وجهاً لوجه في مواجهة ذواتنا التي تبدو لوهلة غريبة عنا.

‏‎أن نبوح بما في دواخلنا عفويا دون تأهب أو تخطيط مختلف تماما عن حث عقولنا على البوح والتعبير.

‏‎لذا نجد الفروقات شاسعة بين أنواع الأدب والأدباء.

‏‎فإن تكتب مقالة، وقد جهزت لنفسك ما تعده لوازم وأدوات تحفيزية لإعداد نص مثل ارتشاف كوب قهوة ونفث سيجارة سوف يأتي مغايراً تماما عن لو أنك استيقظت فجرا وفجأة أمسكت بقلمك، وأخذت تكتب وتكتب دون تفكير وبلا توقف، فهنا تكون الأحاسيس صادقة من نفس شفافة لا حواجز تحجب حقيقتها، ولا تنمق يجمل الفكرة، ليس سوى خواطر تنهمر مباشرة كلمات تجسد حقائق وخيالات قد لا نجرؤ على البوح بها لو أخضعناها لحسابات وضوابط الصالح وغير الصالح للطرح.

‏‎وهكذا استطاعت اللحظة المستنسخة من إجهاض اللحظة المباغتة وشتت الفكرة.

‏‎فكرة مشاركة الآخرين لحظة من لحظاتك الخاصة جداً، المكتظة بمشاعرك وأدق تفاصيل أفكارك حول لحظة بها شيئاً من رحيق روحك تكمن روعته في عفوية وشفافية البوح.

‏‎في حين تتوارى روح الكاتب ومشاعره الحقيقية في حال استحلاب الفكرة مع سبق إصرار وتربص، فيخرج النص المتفلسف يلامس العقل بعيدا عن القلب.

يسرى هاني الزاير


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق